اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تنتمي قصص حسن كشاف، من حيث طبيعة تشكلها البنيوي، وطرحها المضموني، وأسلوبها الفني، إلى صنافة الكتابات الشبابية الجديدة والرصينة التي تنصرف بوعي وذكاء إلى الارتباط بالسياق المرجعي للتحولات العميقة التي تعرفها النظم الثقافية والاجتماعية، دون تقصير في التمسك بالخصائص الجمالية للفن القصصي، ودون تفريط في الثوابت الهوياتية. فبالقدر الذي يسعى إلى التجديد في مستويات الصوغ، ومواقع وزوايا النظر، فهو أيضا، يراهن على الحفاظ على معايير السرد القصصي، وضبط الخصيصات النوعية للقصة القصيرة، والحرص على حضور العناصر الأساسية لهذا النوع العصي، عكس الكثير من مجايليه الذين تاهت بوصلة الأنواع ضمن جغرافيا كتاباتهم، والتبست المعايير والهويات الخطابية.
تتميز قصص حسن كشاف بنضجها الفني؛ لغة وبناء ومضامين: فهو يوظف لغة ميسرة، تنأى عن الالتباس، وتساعد القراء من مختلف المستويات بمتابعة القراءة، والتواصل بسلاسة مع عوالم النصوص، مثلما ينزع إلى التنويع على مستوى الشكل القصصي، مع احترام قواعد وتقاليد النوع القصصي، موزعا اهتمامه بين خلق تشويق قرائي، واستدراج المتلقين لمتابعة الرحلة عبر القصة إلى آخرها، اقتفاء لأثر نهاية لن تحدث أبدا إلا في مخيلة القراء. كما أنه يقحم متلقيه في أجواء النص مباشرة دون مقدمات أو مداخل؛ متخذا من تقنية الحوار بابا من أبواب ولوج عوالم الشخصيات، وأفكارها، وتصوراتها... دون أن يمارس عليها نوعا من الوصاية الأبوية، تاركا مسافة بينها وبين رواته؛ تسمح لها بالنمو، والتشكل الذاتي؛ في تناغم مع تعقد الحبكات، وتطور الأحداث السردية، علما بأنه يراهن على عنصري المفاجأة والتوصيف في إبراز شخوصه التي قد تقل أو تكثر حسب النصوص دون أن يطرح دخولها المفاجئ تعثرا على مستوى نمو العوالم السردية.
يسعى الرواة باستمرار ليكونوا محايدين حتى حينما تفرض الضرورة ذلك؛ أو حتى حينما يقترب مكونا الراوي والشخصية من الاندماج والتطابق النسبيين. إذ يظل بصيص من التفاوت حاضرا لا يغيب.
وبالرغم من كون النصوص كتبت في مراحل زمنية متفاوتة، فإنها عندما لملمت ضمن منجز واحد، وجدت نفسها مترابطة بسلسلة من التداخلات المشتبكة التي تجعل منها لحمة واحدة، سواء على مستوى الفضاء السردي أو على مستوى السياق المؤطر للحظة الكتابة، أو على مستوى لغة الخطاب. وعموما؛ فإن النصوص، على اختلاف مضامينها وأطاريحها، تؤدي رسالة فكرية بقدرما تستعرض وضعا، فهي تنتقد واقعا مزيفا، وتستكشف مواطن الداء في الذات والمجتمع، بشكل ضمني أو بشكل صريح.
تعالج مضامين النصوص القصصية أسئلة الإنسان المغربي المعاصر، وهو يصارع منطق الحياة والموت، بأساليبه المختلفة، وأنماط عيشه المتفاوتة، ورهاناته المتعددة بين فرد وآخر ضمن سياق دولي ملتهب، يتعقد بوتيرة لا يستطيع مجاراتها. ولم يكلف حسن كشاف نفسه عناء اختلاق حكايا برانية مغرقة في الإدهاش والغرابة، فهو يلفي ما يعج به الواقع، من حوله وحولنا، أهلا للاحتفاء والاستثمار، فكان يلتقط منه التفاصيل التي تغيب عن العامة لسبب ما، ويوظفها بذكاء، ساخرا حينا، ومتعاطفا أحيانا أخرى، دون أن يكون استلهامه إياها، انعكاسا حرفيا، أو تصويرا نمطيا، بل إنه بمنحها، ضمن سيرورة التحول الإبداعي، عبر مراقي التخييل، أفقا شكليا جديدا يهذبها، ويضفي عليها لمسة الكاتب الفكرية والجمالية الخاصة.
ساهم تبصر الكاتب، وإمعانه في تأمل القاع الاجتماعي وتفاعلاته الغنية، في منح النص رؤيا غميسة تفطن إلى كنه النسيج العام المتصاهر الذي لا يمكن أن يلمحه من هو قائم خارج وعيه الاجتماعي، بعيد عن "قدر الواقع" المغلى الذي يلفح صهده الوجوه والقلوب والعواطف، هذا الصهد الذي نقل عبر أجواء النص، فراح يتسلل بين ثنايا النسيج اللغوي، ليوصل هذا الشعور إلى القراء أنفسهم، فيتماهون معه، ويستعيدونه طازجا كأنما يحدث للتو.
بقلم: ابراهيم الحجري رحمه الله.