اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أرادت مجموعة من صغار المفكرين اليهود من برلين تعزيز دمج اليهود في المجتمع اليهودى وتسجيل الواقع اليهودى في الحداثة. ولد ال“Wissenschaft des Judentums” من اجتماعاتهم وهو علم اليهودية . لقد اكدوا أن الحملات المعادية للسامية ترجع إلى زمن ماضي في بيان لهم عام 1822. فهم يقدرون انهم سلكوا في المسار الذي عدل نظرتهم للعالم جذريا عن طريق انفصالهم عن السلطة المجتمعية التقليدية . ففكروا في حل مشكلة هويتهم داخل المجتمع الالمانى عن طريق الأبحاث العلمية. خرجت دراسة التوراة أو التلمود من الإطار الدينى فقد درست هذه الكتب لنفسها وليس لممارسة الشعائر الدينية . فكان ذلك مقاطعة كبيرة لكل ممارسات الماضي.
منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، انتشرت الأفكار الليبرالية في ألمانيا . وتعالت الأصوات للمطالبة بحقوق اليهود في المساواة . في 1843، تأصلت المساواة في جميع انحاء المملكة البروسية بما فيها التجنيد العسكرى . على الرغم من ذلك، واجه المجندون اتهامات معادية للسامية واتهامات مسبقة . في 1847، حق لليهود ان يشغلوا الوظائف العامة لكن لا يحق لهم توجيه اوامر للمواطنون المسيحيون.
طالبت الثورة الألمانية بالمساواة لليهود فدخل سبعة نواب يهود في برلمان فرانكفورت . أحدث فشل ربيع الشعوب (الاسم الذي كان يعطى للحركات الثورية التي اشعلت أوروبا في 1848) تراجع العديد من الدول للوراء. بالرغم من ذلك، اعطت هذه الثورات لليهود امكانية الدخول التدريجى في الحياة السياسية بجانب الأحزاب الليبرالية. في نهاية ستينات القرن التاسع عشر، لقت الحركات الليبرالية تأثيرها ووصلت إلى التعميم التدريجى لرفع كل القيود القضائية . بعد التردد في اتخاذ القرار، انتهت بروسيا بتطبيق التحرير لليهود في إطار الاتحاد الألماني الشمالي . لم يقر قانون 3 يوليو 1869 بوجود اختلافات في التعامل بين اليهود والمسيحيون. لكن عندما أصبح أوتو فون بسمارك مستشارا، منع اليهود من الوصول للمناصب العليا في الشئون الخارجية والجيش والإدارة . واستمر هذا الحال في عهد فيلهلم الثاني.
بالمقارنة مع باقى دول أوروبا، اعتبرت ألمانيا هي أكثر الدول دمجا لليهود في مجتمعها في نهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين . لقد حدث في هذا الوقت البوغروم في روسيا وقضية دريفوس في فرنسا وازدادت الصحافة المعادية للسامية وقلصت المملكة المتحدة دخول اليهود بحزم لاراضيها حتى 1900.
حتى القرن التاسع عشر، كان التطور الديموجرافي للشعب اليهودى اقل كثيرا من التطور الديموجرافي لباقي شعب ألمانيا بسبب المراسيم التي تحد وتقيد زيادة عددهم . في 1852، قدر عدد اليهود ب 62000 نسمة في بروسيا التي تعتبر نواة الرايخ اللاحق . غاب اليهود عن بعض المناطق في ألمانيا بسبب المنع الذي واجههم كثيرا في الفترة السابقة في بعض المدن والقرى .
مع التحرير، زادت نسبة نمو عدد اليهود عن نسبة نمو غير اليهود . هاجر اليهود بشكل جماعي نحو المدن التجارية الكبرى مثل هامبورغ وكولونبا ولايبزيغ. وقل عدد اليهود في المناطق التي شهدت افعال مدبرة ضدهم في السابق. في 1910، وصل عدد المجتمع اليهودى إلى 610000 نسمة. صاحب تحضر وتحرير اليهود علمانية الشعوب اليهودية وترك اللغة اليديشية واستخدام الألمانية.
صاحب تحرر اليهود اندماجهم الاجتماعى والاقتصادى في المجتمع الالمانى واختفت بروليتاريا اليهود الالمان تماما . أصبح مستوى معيشة الشعب اليهودى اعلى كثيرا من مستوى معيشة مجمل الشعب الالمانى . في 1815، كان 25% من اليهود في البرجوازية الوسطى ثم أصبحوا 50% في 1848 ثم 80% في 1868 . في نهاية القرن التاسع عشر، عمل نصف الشعب اليهودى في التجارة . فوجد بنهم تجارا للماشية والقمح والنبيذ وأيضا اصحابا للمحال التجارية . وكثر أيضا العاملين منهم في الوظائف الفكرية مثل المعلمين والأطباء والمحامين . عمل اليهود بهذه الوظائف للتقليد اليهودى في مناقشة وتحليل القوانين في مجال العمل الفكرى والقضائية وأيضا من اجل تفضيلهم للعمل الحر لتجنب التعامل مع اصحاب الأعمال. لم يكن هناك فلاحون اغنياء وكان عدد العمال ضئيل جدا . في القطاع الصناعى، كان العديد من اليهود يمتلك شركات صغيرة ومتوسطة في الهندسة الكهربائية والكيمياء والمعادن غير الحديدية والاقمشة . كان أكبر نجاح صناعى يهودى هو نجاح “A.E.G.” وهي ثالث شركة إلكترونية في العالم عام 1913 . في بداية القرن العشرين، امتلك اليهود من 6 إلى 7% من ثروة الرايخ ومثلوا 25% من اعضاء مجالس الإدارة و14% من مديرى الشركات الكبيرة. دخلت النخبة اليهودية بالكامل في البرجوازية الألمانية . فقد اندمجت جيدا مع القيم الفكرية للثقافة الألمانية . كتب فريدرخ نيتشه عن اليهود فقال ان «في كل مكان اكتسب فيه اليهود من التأثير، فقد علموا غيرهم التمييز بدقة كبيرة والاستنتاج بوضوح ودقة والكتابة بكثير من الوضوح، كان عملهم هو انتزاع الشعب إلى المنطق» . كان يوجد من اليهود حول القيصر كبار العلماء والصناع مثل مالك السفينة “بالين” و“وولتر راتينو” . كانت النتيجة المباشرة لعملية التحرير هي اختفاء الاحياء المخصصة لليهود فقط . قدر البرجوازيون اللوحات ذات المواضيع والأفكار اليهودية وعلقوها داخل منازلهم .
في القرن التاسع عشر، ابدع الفنانون والمفكرون في العديد من المجالات . كان اسهام اليهود أكبر كثيرا من اسهامهم في 1912، كتب الصحفى الشاب “Moritz Goldstein” : «نحن ندير الغنى الفكرى لبلد طالما رفضتنا نحن المستقيمون والأكفاء للقيام بهذا الدور». هذه الملحوظة التي لم تفعل سوى تأكيد المعاداة لليهود في هذا الوقت لم تكن دقيقة فانها لا تنتمى للعلوم والثقافات الألمانية لاْن معظم المفكرون كانوا من غير اليهود.
رغم شعور اليهود بانهم مواطنون المان من الدرجة الاولى إلا أن الالمان مازالوا يعتبرونهم كيان غريب عن الدولة . فقد أصبحوا مواطنون في الرايخ وليس اعضاء في ال“Volk ” الالمانى . اصبحت المعاداة للسامية رمز ثقافى اساسى في تعريف الهوية الألمانية لعدم وجود الاساطير الوطنية التي تبنى على القيم الليبرالية والحديثة كما هو الحال في فرنسا . كان هدف تأسيس حركة توحيد ألمانيا تحت رعاية العسكرية البروسية هو ثقافة ألمانيا التقليدية والأرستقراطية . كان هذا معارضا للحداثة وبالاخص الحداثة اليهودية. اصبحت معادلة «يهود = تحرر» سمة دائمة من سمات منهج معاداة السامية . يتم تعريف اليهودى بتنقل الأموال والتمويل والعالمية والقانون الدولى والثقافة المدنية . على العكس، يتم تعريف الالمانى بانه متأصل في هذه الارض ويصنع غناءه من عمله وليس من خلال المعاملات المالية ويمتلك ثقافة تعبر عن الروح الوطنية. اوضح هنريك فون تريتشك أحد المفكرين الأكثر احتراما من ألمانيا البسماركية الممانعة تجاه اليهود الالمان . كان يشك كمؤيد قوى لتحرر اليهود في قدرتهم على الانصهار داخل المجتمع الالمانى ورفض لالمانيا ان تدخل في فترة من التهجين الثقافى اليهودى-المانى في مقال نشر في Preussische Jahrbücher في نوفمبر 1879. تسبب هذا المقال في جدال عنيف بدأ في جامعة برلين في 1800 . يعتقد ثيودور مومسن تلميذ تريتشك ان القواعد الليبرالية وسيادة القانون فوق مبادئ الدولة الألمانية.
في منتصف القرن التاسع عشر، ظهر النمذج الحديث للرفض الذي لم يكن نظاما دينيا أو اجتماعيا ثقافيا بل كان نظاما شبه علميا . وضعت المعاداة للسامية الشبه علمية تسلسلا هرميا عرقيا، جعلت الآرية مثالية وصنعت من الساميون كائنات تعانى من اشارات واضحة بعدم اهميتها . وجدت هذه الحركة في فرنسا والملكة المتحدة ولاقت مدافعين اقوياء عنها في ألمانيا.
منذ منتصف سبعينيات القرن التاسع، ضربت أوروبا ازمة اقتصادية كبرى سميت بالكساد الكبير . اظهرت الأزمات الاقتصادية معاداة للسامية ضد الليبرالية وتراجعت العقلية الليبرالية في كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية . بقيت المعاداة للسامية القديمة القائمة على المسبقات الدينية والاقتصادية نشيطة ولكنها تقوت بالمعاداة للسامية الجديدة القائمة على القواعد الشبه علمية . سميت مختلف الحركات المعادية للسامية اسم “Berliner Bewegung” . كان جزءا كبيرا منهم موجه من قبل بسمارك مؤيدون ضد تصاعد الليبرالية السياسية . كتب فيلهلم مار صحفى المانى كتيبا في 1879 وقال فيه ان انتصار الهوية اليهودية على الهوية الألمانية ليس انتصار دينى . لقد استخدم في هذا الكتيب لاول مرة مصطلح “معاداة السامية” واكد ان اليهود ينتمون لعرق أدنى . اتهمت المعاداة للسامية الجديدة اليهود ببث القيم الخارجية داخل المجتمع . كان يهاجم اليهود بشكل عرقى وليس بشكل دينى . كان يندد بالمجتمع “المتهود” وب“الإبادة الألمانية” ، وقد نجح هذا المفهوم “المعاداة للسامية” نجاحا سريعا . كان يرشد تعسف المستاءين ضد اقلية يمارس التمييز ضدها منذ القدم فكان يتوافق مع تيار القومية . في الواقع، اغرى الالمان بالإمبريالية المتصاعدة وتسلط العصر الفيلهلمى بينما ظل اليهود متمسكون بالأفكار الليبرالية والديموقراطية في بداية القرن العشرين.
في 25 ابريل 1881، طالبت “العريضة المعادية للسامية” والموقعة من 250000 شخص من مستشار الامبراطورية الألمانية بسمارك التراجع عن كل اجراءات تحرر اليهود ومنع الهجرة عنهم . كان ادولف ستويكر هو مؤسس معاداة السامية الجديدة وهو راعى واعظ في البلاط الامبراطورى والذي انشأ حزب العمال المسيحى الاجتماعى. ندد برنامج هذا الحزب باستيلاء اليهود على الصحافة والتمويل واكد ان اليهود هم سبب كل مشكلات ألمانيا . كثرت الاتحادات المعادية للسامية بجانب المنشورات التي وزعت وانتشرت .
في 1893، عين 16 عضوا من ال“Antisemitische Volkspartei” التي اسسها Otto Böckel في مجلس الشعب . كان برنامجهم يطالب بطرد اليهود من الخدمات العامة ومن التعليم كما اكد ال“pangermanistes” على نفس المطالب. في أول رد فعل ضد هذه التنظيمات، تأسست ال“Centralverein deutscher Staatsbürger jüdischen Glaubens” منظمة المواطنون الالمان ذوى العقيدة اليهودية في 1893 للدفاع عن مصالح اليهود الالمان . كان الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني هو الحزب الالمانى الوحيد الذي يضم يهود في صفوفه وقد لقى هجوما عنيفا وعداء من جانب المعاديين للسامية. صاحب الانتعاش الاقتصادى في نهاية تسعينات القرن التاسع عشر تراجع ملحوظ في المعاداة للسامية .
كان الجيش واحدا من المؤسسات التي نمى بها تيار معاداة السامية . فمن الصعب على اليهودى ان يحتل مركزا هاما في الجيش . في 1907، كان هناك 16 يهودى مجند من إجمالى 33 607 مجند في الجيش وكانوا يخدمون جميعا في جيش ولاية بافاريا . كانت ال“Einjährig-Freiwillige” هي مدرسة عسكرية تستقبل الشباب الالمان الذي حصلوا على تعليم عالى . بعد سنة م الخدمة العسكرية، يصبح الطلاب القدامى ضباط احتياط . لكن لم يصبح واحدا من ال 30000 يهودى الذين التحقوا بهذه المدرسة منذ 1800 ضابط احتياط. كان الجيش البروسى هو أكثر الجيوش عنصرية.
في 1914، دعا الاتحاد المركزى ومنظمة اليهود الالمان اعضائهم «لتكريس كل جهودهم من اجل وطنهم إلى ابعد مما يقتضى الواجب.» . تبنى أيضا “الاتحاد الصهيونى من اجل ألمانيا” حوارا وطنيا. دخل الجيش 10000 متطوع من اليهود منذ 1914 . كان “لودويج فرانك” عضو “الرايخستاغ” من أول المشاركين والذي قتل في أول المعارك وهي معركة لونفيل . كون “إرنست ليسور” الشاعر اليهودى الالمانى “نشيد الكراهية ضد إنجلترا” والذي حصل من اجله على وسام من فيلهلم الثاني . حارب أكثر من 100000 يهودى في الحرب العالمية الاولى من اجل ألمانيا منهم 77000 جندى على جبهات مختلفة . قتل 12000 منهم في ساحة الشرف. اصيح 19000 منهم ضباط لكن لم يصبح أحد جنرال على عكس ما حدث بين النمسا والمجر . حصل 30000 منهم على اْوسمة . بعد الحرب، تجمع المقاتلون اليهود القدامى في “Reichsbund Jüdischer Frontsoldaten” والذي يرأسه “ليو لويستين” .
منذ 1915، نمت المعاداة للسامية مرة أخرى بين الضباط . أصبح الجنود اليهود ذليلة وتعامل كالجبناء . عندما وضح ان الحرب سوف تستمر لفترة طويلة، انتشرت شائعة انه يجب إلصاق الخطأ بتجار السلاح اليهود ؛ في الحقيقة، «كان المستفيدون من الحرب يبحثون عن كبار الرؤساء الالمان في صناعة الاسلحة وعلم المعادن». صور اليهود على انهم متخفيين ويشغلون المناصب الكبيرة في الخدمات الادارية للجيش . في 1916، امر وزير الدفاع البروسى بعمل احصاء لعدد اليهود المجندين على الجبهات ليتعرف على نسبة عددهم ونسبة عدد غير اليهود بالنسبة للشعب . زرع هذا الإحصاء الخلاف بين الجنود خاصة عندما رفضت الوزارة نشر النتائج التي طلبتها المنظمات اليهودية وكانت النتيجة هي نمو المعاداة للسامية بين الجنود . عندما اظهرت الاحصائيات ان اليهود كانوا متطوعون في الصفوف الامامية، تم استرجاعهم . فقد تعرض اليهود للافتراءات والفصل من زملائهم في الجيش . عندما تحولت الحرب إلى كارئة وطنية، اكد اليمين المتطرف الالمانى ان سبب الهزيمة هو استيلاء اليهود على الاقتصاد والسياسة. أسطورة الطعنة في الظهر هو مصطلح انتشر بشكل واسع بين الأوساط اليمينية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، ويذكر هذا المصطلح أن الجيش الألماني لم يهزم عسكريا بل تمت خيانته من الداخل في تحالف من اليهود البلشفيون واليهود الرأسماليون ضد ألمانيا.