English  

كتب دستور سوريا

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

دستور سوريا (معلومة)


دستور سوريا الحالي صدر في 27 فبراير 2012 وهو خامس دستور دائم للبلاد منذ أن ولدت الدولة السورية بمفهومها الحديث عام 1920. أعدّت الدستور الحالي لجنة كلفها بشار الأسد وصودق عليه باستفتاء جرى في 26 فبراير 2012 كانت المعارضة السورية قد دعت لمقاطعته خلال الانتفاضة الشعبية منذ مارس 2011، وكان استبدال الدستور قد جاء نتيجة "حزمة إصلاحات" وعد بها بشار الأسد لمحاولة احتواء الانتفاضة. قبل الدستور الحالي كان الدستور المعمول به قد صدر إبّان حكم حافظ الأسد في مارس 1973 وبطريقة مشابهة، إذ شكلت لجنة ثم جرى الاستفتاء عليه ونشر على إثره، أما دستوري 1950 و1928 وضعتهما جمعية تأسيسيّة منتخبة ديموقراطيًا.

ينصّ الدستور الحالي على المساواة بين المواطنين ويعترف بالتنوّع الثقافي في البلاد ويلزم الدولة بحفظه، ويعتبر الحرية "حقًا مقدسًا" ويعتبر الشعب السوري "جزءًا من الأمة العربية" ويتيح التعددية السياسية والاقتصادية وينصّ على الفصل بين السلطات رغم تداخلها بشخص رئيس الجمهورية كما ذهب إليه عدد من النقاد والحقوقيين، ومن الانتقادات الأخرى الصلاحيات الواسعة التنفيذية والتشريعية وفي مجال القضاء الممنوحة للرئيس وعدم منح البرلمان صلاحيات واسعة كمنح الثقة للحكومة أو المصادقة على تعيين الوزراء وكبار الموظفين وحصر التشريع بيده بهدف تحقيق توازن السلطات ومجابهة السلطة التنفيذيّة، أيضًا فإن تطبيق الحريات العامة كما نصّ عليه الدستور فهو معرض بدوره للتشكيك، إذ أن أغلبها كان منصوص عنه في دستور 1973 دون أن تعرف شيئًا من التطبيق.

التاريخ

دستور 1920

بعد انسحاب العثمانيين من سوريا في 1 أكتوبر 1918 شكلت حكومة وطنية برئاسة علي رضا الركابي والتي كانت تنسق مع قائد جيش الثورة العربية الكبرى فيصل بن الحسين، وفي مايو 1919 وبناءً على اقتراح الأمير فيصل جرى عن طريق الناخبين الثانويين الذين انتخبوا نوّأب مجلس المبعوثان العثماني في إسطنبول عن ولايتي دمشق وحلب وفق القانون العثماني انتخاب أعضاء "المؤتمر السوري العام" أما في سائر مناطق بلاد الشام والمشمولة بولاية الحكومة نظريًا فقد اكتفي بعرائض وقّع عليها الأهالي لاختيار الممثلين، وفي 19 يونيو 1919 عقد المؤتمر السوري العام أول جلسة له وانتخب محمد فوزي باشا العظم رئيسًا له وبعد اعتكاف هذا الأخير أصبح هاشم الأتاسي رئيسًا للمؤتمر.

في 8 مارس 1920 أعلن المؤتمر دون التنسيق مع الحلفاء "استقلال سوريا" وأعلن قيام المملكة السورية العربية وعيّن فيصل الأول ملكًا عليها، غير أن هذا الكيان لم يحظ بأي اعتراف دولي، رغم ذلك فقد شكل المؤتمر لجنة خاصة برئاسة هاشم الأتاسي مهمتها صياغة دستور المملكة وجاء الدستور باثني عشر فصلاً و147 مادة، ومن أهم ما جاء فيه أن سوريا "ملكية مدنية نيابيّة، عاصمتها دمشق ودين ملكها الإسلام"، وكفل الدستور المساواة بين جميع السوريين وحرية إنشاء الجمعيات والأحزاب والمشاركة في النشاط السياسي والاقتصادي وسلامة الأفراد وتجريم التعذيب والاعتقال التعسفي، كما نص على الحريّة الدينيّة ونشر المطبوعات ومنع النفي والعقاب دون محاكمة والسخر والمصادرة. أما الصلاحيات، فترك الدستور للملك تشكيل الوزارة من غير أشخاص الأسرة المالكة وجعلها مسؤولة أمام المؤتمر الذي يحقّ له استجوابها وسحب الثقة منها، وحدّ من صلاحيات الملك بإلزام أي قرار يتخذه بتوقيع رئيس الوزراء والوزير المختص، وبيّن أن المؤتمر العام يتكون من غرفتين هما مجلس النواب المنتخب من قبل الشعب على درجتين ومجلس الشيوخ المنتخب من قبل مجلس النواب بمعدل ربع عدد أعضاء نواب المقاطعة الواحدة في مجلس النواب ويعين الملك نصف العدد المنتخب عن كل مقاطعة أيضًا. أما المحكمة الدستورية العليا فتتألف من 16 عضوًا نصفهم منتخبين من قبل مجلس الشيوخ والنصف الآخر من رؤساء محاكم التمييز؛ ونصّ أيضًا على أن البلاد تدار على القاعدة اللامركزيّة وأن لكل مقاطعة مجلسها النيابي وحكومتها الخاصة وحاكمها المعيّن من قبل الملك ولا يتدخل أحد بإداراتها وشؤونها الداخليّة إلا في الأمور العامة التي هي من اختصاص الحكومة المركزية.

نشر هذا الدستور في 13 يوليو، أي أنه طبّق 15 يومًا فقط، وفعليًا لم تطبق كثير من مواده المتعلقة بغرفتي المؤتمر السوري العام والمحكمة الدستروية العليا واللامركزية الإدارية بسبب تلاحق الأحداث التي بلغت ذروتها مع إنذار غورو واحتلال الفرنسييين دمشق في 25 يوليو ثم نفي الملك فيصل في 28 يوليو 1920.

الحكم المباشر

عطل الانتداب الفرنسي على سوريا العمل بالدستور وقسموا البلاد في 1 سبتمبر 1920 إلى دويلات على أسس مذهبيّة ومناطقيّة، وبسبب غياب سلطة تشريعية كانت للوزارة التي يصادق على جميع قراراتها المفوّض الفرنسي في دمشق سلطة إصدار القوانين بين الفترة الممتدة من 1920 و1922. لم تتوقف خلال هذه الفترة المظاهرات والمطالبات بوحدة البلاد السوريّة واستقلالها وانتخاب جمعية تأسيسيّة لوضع دستور للبلاد، فاستجاب المفوّض الفرنسي هنري غورو وأعلن في 28 يوليو 1922 "القانون الأساسي للاتحاد السوري"، بمثابة الدستور الاتحادي لمقاطعات دمشق وحلب واللاذقية. ونصّ القانون على استحداث "المجلس الاتحادي" ليكون السلطة التشريعية العليا في البلاد، وهو مكون وفق القانون من 15 عضوًا، خمس عن كل مقاطعة من المقاطعات الثلاث، وله صلاحية انتخاب رئيس الاتحاد ولمدة عام واحد، ولا يجوز لرئيس الاتحاد اتخاذ أي قرار دون مصادقة المجلس، وإليه ترفع اقتراحات الحكومات الثلاثة في دمشق وحلب واللاذقية لكي يدققها ويقرّها وله وحده حق وضع بعض القوانين الهامة كالعقوبات والأحوال الشخصيّة واعتماد الموازنة العامة للدولة. علمًا أن القانون الأساسي المذكور قد صدر بقرار من المفوض الفرنسي لا عن لجنة مكلفة أو هيئة تأسيسيّة وقابله السوريون بالامتعاض لحفاظه على ثلاث حكومات لا على حكومة واحدة مع أنه لرئيس الاتحاد صلاحية تعيين مدراء مساعدين له بمثابة وزراء، كما قام المفوض بتعيين الأعضاء الخمسة عشر للمجلس الاتحاد استثنائيًا رغم أن القانون ينصّ على انتخابهم، وحسب أحكام القانون الأساسي انتخب صبحي بركات رئيسًا للاتحاد. وكما يقول يوسف الحكيم في مذكراته، فإن السوريين اعتبروا القانون الأساسي للاتحاد "خطوة أولى يجب أن تتلوها خطوات".

لم يطل عهد الاتحاد، ففي 1 يناير 1925 تم حل الاتحاد وإعلان الوحدة بين دولتي دمشق وحلب فقط في حين استمرّ فصل السويداء واللاذقية، ودعيت هذه الوحدة "الدولة السورية" وأصدر المفوض الفرنسي الجديد ماكسيم فيغان قرارًا آخر اعتبر بمثابة القانون الأساسي للدولة، نصّ على أن عاصمة الدولة دمشق ولحلب الامتياز الإداري والمالي، وأن رئيس الدولة ينتخبه أعضاء المجلس التمثيلي ويؤازره خمسة وزراء، وأن صلاحيات رئيس الدولة ظلت بموجب القانون الجديد هي ذاتها صلاحيات رئيس الاتحاد السابق، كما أفرد للمفوض الفرنسي حق التصديق على مقررات رئيس الدولة والوزراء، وأما المجلس التمثيلي فلتعذر إجراء الانتخابات اعتبر أعضاء مجلسي دمشق وحلب التمثيليين قبل الوحدة أعضاءً له ونصّ القرار على اعتبار صبحي بركات رئيسًا للدولة دون انتخاب، كما أن جميع رؤساء الدولة السورية من بعده عينوا ولم ينتخبوا لا من المجلس التمثيلي ولا من سواه.

في 21 يوليو 1925 اندلعت الثورة السورية الكبرى من السويداء وكان على رأس مطالبها وحدة البلاد السورية وانتخاب جمعية تأسيسيّة لوضع الدستور، وأدت الثورة أيضًا لاستقالة صبحي بركات وتعيين أحمد نامي رئيسًا للدولة السوريّة وفي عهده قمعت الثورة بالقوّة، وتم التوصل لاتفاق عرف باسم الداماد - دي جوفنيل، الذي نصّ على انتخاب جمعية تأسيسيّة لتحقيق الوحدة السوريّة وتحديد الانتداب عن طريق اتفاق صداقة يقرّه مجلسي فرنسا وسوريا التشريعيين بثلاثين عامًا، غير أن الفرنسيين وبعد قمع الثورة، ماطلوا في الدعوة لتنفيذ الاتفاق، واستقال أحمد نامي احتجاجًا وكلف تاج الدين الحسني رئاسة الدولة.

دستور 1930

في 14 فبراير 1928 كلف الشيخ تاج الدين الحسني رئاسة الدولة واستطاع بعلاقته الجيدة مع الضباط الفرنسيين في دمشق الدعوة لانتخابات جمعية تأسيسيّة جرت في أبريل 1928 وعقدت الجمعية التأسيسيّة أول اجتماع لها في 9 مايو 1928 في دار الحكومة وانتخبت هاشم الأتاسي رئيسًا لها بالإجماع وفوزي الغزي وفتح الله آسيون نائبين للرئيس، ويتفق المؤرخون أن الانتخابات كانت نزيهة تنافس بها قائمتان أساسيتان هما قائمة الوطنيين الأحرار وقائمة المعتدلين الموالين للانتداب، وتكونت من 68 عضوًا منتخبًا يمثلون دولتي دمشق وحلب وحدهما دون الدروز والعلويين، وانتخبت الجمعية لجنة وضع الدستور في 9 يونيو برئاسة إبراهيم هنانو وعقدت اللجنة خمسة عشر جلسة أتمّ خلالها وضع الدستور في 11 أغسطس حين تمّ التصويت عليه وإقراره في الجمعيّة.

جاء الدستور متوازنًا في الفصل بين السلطات، واعتبر سوريا "جمهورية نيابية عاصمتها دمشق ودين رئيسها الإسلام"، وأن "البلاد السوريّة المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسيّة لا تتجزأ، ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد الحرب العالمية". النظام كما حدده الدستور شبيه إلى حد بعيد بالنظام الفرنسي آنذاك، ينتخب بموجبه رئيس الجمهورية في مجلس النواب غير أنه ليس مسؤولاً أمامه، وله صلاحية تعيين رئيس الحكومة التي يختار أعضائها رئيس الحكومة بالتعاون مع الكتل البرلمانية ويعود للرئيس حق إصدار تشكيلتها وتكون مسؤولة أمام مجلس النواب. وقد منح الدستور للرئيس حق نقض القوانين وحل مجلس النواب أو تعليق عمله "لفترة محدودة"، كما كانت من مهام الرئيس أيضًا إبرام الاتفاقيات الدولية وتبادل البعثات الدبلوماسية وتمثيل الدولة خارجيًا ومنح العفو العام، وتركت للوزارة الشؤون التنفيذية بالكامل وإن كان بعض الرؤساء الذين حكموا وفق هذا الدستور تدخلوا في الناحية التنفيذية خصوصًا شكري القوتلي. وقد حددت ولاية الرئيس بخمس سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد مرور خمس سنوات على انقضاء رئاسته الأولى.

أما مجلس النواب فولايته أربع سنوات، ويجتمع دورتين في العام الأولى في شهر أيار والثانية في شهر تشرين الأول مع إمكانية الدعوة لعقد جلسات استثنائيّة بناءً على طلب رئيس الجمهورية، ويتمتع الأعضاء خلال دورات الانعقاد بالحصانة النيابية باستثناء حالة الخيانة العظمى، ويحتكر بموجب هذا الدستور مجلس النواب مهام التشريع. خلال عمل اللجنة التأسيسيّة حصلت نقاشات مستفيضة حول إذا ما كان البرلمان يجب أن يتكون من غرفتين أم من غرفة واحدة، وأفضى النقاش إلى الاكتفاء بغرفة واحدة فقط خلافًا لأغلب الأنظمة البرلمانية في العالم حيث يتكون البرلمان من غرفتين. أما النظام الانتخابي، فقد قصر الدستور حق الانتخاب على الذكور السوريين الذين تجاوزوا العشرين من العمر، كما نصّ على كون الانتخاب يتم على درجتين؛ في الدرجة الأولى ينتخب الشعب في المدن والقرى الناخبين الثانويين، وفي الدرجة الثانية ينتخب الناخبون الثانويون في المحافظة نوابها في المجلس؛ في عام 1947 عدل الدستور واستبدل نظام الدرجتين بنظام الاقتراع المباشر تحت ضغط شعبي، إذ كانت القوى السياسية تميل نحو الإبقاء على نظام الدرجتين. ولم يحدد الدستور عدد أعضاء المجلس النيابي غير أنهم عمومًا كانوا 60 عضوًا عام 1932 ثم زيد العدد إلى 90 بعد انضمام دولة الدروز ودولة جبل العلويين إلى سوريا عام 1936، ورفع العدد مجددًا إلى 124 عام 1943، وأخيرًا رفع إلى 140 عضوًا في انتخابات العام 1947 وهي آخر انتخابات تجري في ظل هذا الدستور.

ضمن الدستور استقلال القضاء وحرية المواطنين ومساواتهم أمام القانون وفي الدولة، وكفل حرية التعبير وغيرها من الحريات العامة، كما نص على احترام حقوق الطوائف السورية وكفل قوانين أحوالها الشخصية ومدارسها الخاصة، ما وجهت له انتقادات بكونه إعادة استنساخ لنظام الملل العثماني. نصّ أيضًا على تمثيل الأقليات الدينية والعرقية بشكل عادل في البرلمان وسائر مؤسسات الدولة وهو ما مهد لكون قوانين الانتخابات السورية لحظت مقاعد لمختلف الطوائف والمكونات، في الانتخابات التي جرت في ظل هذا الدستور.

أقرّت الجمعيّة التأسيسيّة الدستور المكون من 115 مادة غير أن هنري بونسو المفوض الفرنسي رفض إصداره بحجة مخالفته صك الانتداب وحقوق الدولة المنتدبة. وأصدر قرارًا بتعطيل الجمعية التأسيسيّة، وشهدت البلاد في إثر ذلك مظاهرات واضطرابات أمنيّة كان أكبرها مظاهرات 11 فبراير 1929 في حلب والتي شارك بها طلبة المدارس. دامت الاضطرابات والحراك الدبلوماسي حتى 14 مايو 1930 حين أقر بونسو الدستور بعد أن أضاف إليه المادة 116 التي تنصّ على "طي المواد التي تتعارض مع صك الانتداب حتى زواله". لم يهدأ الشارع، واعتبرت المادة مقيدة لحقوق الدولة السوريّة، رغم أن زخمها قد تراجع.

أنهي في 16 نوفمبر 1931 حكم الشيخ التاج وتشكلت حكومة مؤقتة برئاسة سالومياك نائب بونسو في دمشق مهمتها الإشراف على الانتخابات النيابية التي أعلنت نتائجها الرسميّة في 9 أبريل 1932 وانعقد أول مجلس نيابي في ظل النظام الجمهوري في 7 يونيو 1932 وانتخب صبحي بركات رئيسًا له ومحمد علي العابد رئيسًا للجمهورية. وفي عام 1936 نظمت الانتخابات النيابية الثانية في ظل الدستور وأوصلت هاشم الأتاسي لسدّة الرئاسة، وفي عام 1939 استقال الأتاسي وعطّل العمل بالدستور نتيجة الحرب العالمية الثانية حتى 1941 حين أعيد العمل بالدستور غير أنه لم تجر انتخابات وعيّن تاج الدين الحسني رئيسًا للجمهورية، وقد أجرت الانتخابات عام 1943 وأفضت لفوز الكتلة الوطنية ووصول شكري القوتلي إلى الرئاسة، وفي عام 1947 عدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي من درجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب القوتلي لولاية ثانية مباشرة بعد ولايته الأولى، وفي 30 مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكريًا على الحكم المدني برئاسة القوتلي وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه سامي الحناوي في أغسطس 1949 ونظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة لوضع دستور جديد للبلاد.

دستور 1950

في اليوم الثاني لانقلاب سامي الحناوي كلّف الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي رئاسة الحكومة والتي وضعت على رأس أولياتها القيام بانتخابات الجمعية التأسيسيّة لوضع الدستور الجديد للبلاد، فأصدرت قانونًا جديدًا للانتخاب ودعت الهيئات الناخبة يوم 5 نوفمبر 1950 شاركت فيها المرأة السوريّة لأول مرّة في الاقتراع، وجاءت نتائجها بتصدر حزب الشعب النتائج. عقدت الجمعية أولى اجتماعاتها في 12 ديسمبر وانتخبت رشدي كيخيا عميد حزب الشعب رئيسًا لها وهاشم الأتاسي رئيسًا للجمهوريّة إذ أنّ قادة الانقلاب من العسكر اكتفوا بتوجيه الجيش عن طريق وزارة الدفاع. شكلت الجمعية لجنة صياغة الدستور في 28 ديسمبر وتمثلت بها مختلف القوى السياسية والغير سياسية في سوريا.

أول العقبات التي جابهت الجمعية، الرغبة في الوحدة مع العراق من قبل رئيس الدولة وحزب الشعب وعدد من السياسيين المستقلين فضلاً عن قادة الجيش، لكن قبل إقرار الوحدة انقلب أديب الشيشكلي مانعًا أي إجراء وحدوي مع العراق، غير أنه وعلى عكس الانقلابات السابقة اكتفى بالسلطة العسكريّة ولم يتدخل بعمل السلطة السياسية. غير أن الحكومة قد استقالت وتكلفت حكومة جديدة برئاسة خالد العظم، وفي ظل هذه الظروف ولد دستور 1950.

اطلعت لجنة إعداد الدستور على خمسة عشر دستورًا أوروبيًا وآسيويًا للوصول إلى "أرقى المعايير الممكنة" كما صرح ناظم القدسي، وانتهت اللجنة من عملها في 15 أبريل، وبدأت الجمعية مناقشة المسودة في الدورة الصيفية في 22 يوليو. كانت المسودة تتألف من 177 مادة، خلال المناقشات طويت 11 مادة وخرج الدستور بصيغته النهائية مؤلفًا من 166 مادة. أكثر المواضيع التي احتدم عليها النقاش كانت موضوع إعلان الإسلام دين الدولة أو دين رئيس الدولة وانتهى الأمر بعد طول نقاش للحفاظ على صيغة دستور 1930 بكونه دين رئيس الدولة. والقضية الثانية التي احتدم عليها النقاش كانت وضع حد أعلى للملكية الزراعية في الدولة للتخفيف من سطوة العائلات الإقطاعية وحسم الأمر لترك سقف الملكية مفتوحًا بفارق صوتين عند التصويت. أما الموضوع الثالث كان حول إدراج مادة تنصّ على وقوف الجيش على الحياد دون التدخل في الحياة السياسية السوريّة الأمر الذي لم يتم إقراره، والموضوع الرابع باعتبار الجمعية التأسيسية مجلسًا للنواب بعد إقرار الدستور وهو ما تم فعلاً رغم معارضة الحزب الوطني.

لم يؤد دستور 1950 والذي يعرف أيضًا باسم «دستور الاستقلال» إلى تغييرات عميقة في بنية النظام السوري إذ حافظ على طبيعته البرلمانية وقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية وسحب حق نقض القوانين والمراسيم منه وأمهله عشرة أيام فقط للتوقيع عليها غير أنه حافظ على اختصاصه بالتصديق على المعاهدات الدولية وتعيين البعثات الدبلوماسية في الخارج وقبول البعثات الأجنبية ومنح العفو الخاص وتمثيل الدولة ودعوة مجلس الوزراء للانعقاد برئاسته وتوجيه الخطابات للسوريين، وزاد من صلاحيات البرلمان بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة ولو مؤقتًا كما أوجب على الحكومة الاستقالة في بداية كل فصل تشريعي، وعزز من سلطة القضاء باستحداث المحكمة الدستورية العليا.

مواد الحقوق العامة في دستور 1950 تم توسيعها وصونها حتى بلغت 28 مادة تختصّ وحدها بالحقوق والحريات العامة، ومنها حصانة المنازل وحرية الرأي والصحافة والاجتماع والتظاهر والمحاكمة العادلة ومنع الاعتقال التعسفي والتوقيف دون محاكمة لفترة طويلة وحفظ حق الملكية والمشاركة في الحياة الاقتصادية وتأطير الملكية العامة للدولة وحماية حقوق الفلاحين والعمال على وجه الخصوص، وكون العمل حق لكل مواطن يجب على الدولة أن تسعى لتأمينه فضلاً عن رعاية المواطنين المرضى والعجزة والمعوقين وحماية حقوق الطوائف الدينية باتباع شرائعها من جهة وفي التعليم من جهة ثانية، كما نصّ الدستور على كون التعليم حق لكل مواطن، إلزامي ومجاني، وأوجب على الدولة إلغاء الأمية خلال عشر سنوات كما أوجب توطين البدو خلال عشر سنوات أيضًا. أقرّ الدستور رسميًا في 5 سبتمبر 1950، وقد وضع في ظروف حساسة مع احتدام الحرب الباردة ونمو فكر القومية العربية ولذلك حمل بين طياته أفكارًا من المعسكر الغربي والشرقي على حد سواء، كالملكية الخاصة مع تشريع المصادرة في بعض الحوال.

بعد الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي عام 1952 عطّل العمل بالدستور على خلاف انقلابه الأول الذي حافظ به على السلطة السياسيّة سالمة، ثم أصدر دستورًا جديدًا تميّز بوصفه أول دستور رئاسي للبلاد شبيه بالنظام المعمول به في الولايات المتحدة، إذ نصّ على إلغاء منصب رئيس الوزراء وكون الوزراء مسؤولين أمام رئيس الجمهورية خلافًا لما كان سائدًا في السابق من أنّ الوزراء مسؤولين أمام مجلس النواب، أما فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامّة والتعددية السياسيّة والاقتصاديّة ودور الفقه الإسلامي في التشريع وكون البلاد جزء من الأمة العربيّة، فقد حافظ دستور الشيشكلي على نصوص دستور 1950. بموجب دستور الشيشكلي الذي طبق من 10 يوليو 1953 وحتى 26 فبراير 1954 أي ستة أشهر لا غير، ينتخب الرئيس من الشعب ويعتبر رئيسًا للوزارة ويعين الوزراء بدلاً من البرلمان مع سحب صلاحيتي انتخاب الرئيس ومنح الثقة للحكومة من البرلمان وفي المقابل تحصين البرلمان من الحل وجعله محتكرًا للتشريع ورقيبًا على الحكومة. وبشكل عام، وازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد وصف دستور الشيشكلي من قبل عدد من المؤرخين بالجيد والقادر على حل أزمة عدم الاستقرار الحكومي في البلاد غير أن وضعه في ظل نظام ديكتاتوري جعل من الصعب على القوى السياسية المختلفة القبول به بعد خلع الشيشكلي في 25 فبراير 1954 حين أعيد العمل بدستور 1950 والبرلمان الذي كان قائمًا والرئيس هاشم الأتاسي ريثما تتم انتخابات نيابية جديدة.

المرّة الثانية التي عطّل بها العمل بالدستور، هي بين 1958 و1961 خلال الفترة التي كانت فيها البلاد جزءًا من الجمهورية العربية المتحدة، إذ استبدل بدستور مؤقت وضعه جمال عبد الناصر، وبعد الانفصال عن الجمهورية أعيد العمل بالدستور المذكور بعد تعديلات بسيطة أدخلت عليه كالاسم الرسمي للجمهورية، وتم الاستفتاء عليه واعتماده حتى 1963 حين انقلب حزب البعث على النظام الدستوري القائم فيما عرف باسم "ثورة الثامن من آذار" والذي به تم التعليق بالدستور ولم يعاد العمل به مجددًا.

دساتير البعث المؤقتة

كانت أولى قرارات "مجلس قيادة الثورة" برئاسة لؤي الأتاسي تعطيل العمل بالدستور واعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس الوزراء خالد العظم وفرض حالة الطوارئ التي استمرت 48 عامًا حتى رفعت في أبريل 2011. أصدر المجلس عام 1964 دستورًا مؤقتًا للبلاد، ثم عاد وأصدر دستورًا آخر في 1 مايو 1969، وأما آخر دستور مؤقت أصدره بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة في 9 ديسمبر 1971 واستمرّ معمولاً به حتى 1973.

دستور 1973

شكل حافظ الأسد لجنة برئاسة محمد فاضل لصياغة "دستور دائم للبلاد" أقرّه الشعب باستفتاء يوم 12 مارس وأصدره رئيس الجمهورية في 13 مارس بمرسوم جمهوري، وفرض من خلال فكر حزب البعث على الدولة فاعتبر أن أهداف المجتمع السوري هي "الوحدة والحرية والاشتراكية" وأن البلاد جزء من "اتحاد الجمهوريات العربية" وأن "الشعب في القطر السوري جزء من الأمة العربية" ونصّ على وجوب كون الرئيس "عربيًا سوريًا" باستبعاد لباقي مكونات الشعب، ونصّب حزب البعث محتكرًا للحياة السياسية من خلال كونه الحزب القائد للدولة والمجتمع كما نصّت المادة الثامنة. وأوضح الدستور أن رئيس الجمهورية ترشحه القيادة القطرية لحزب البعث عن طريق مجلس الشعب للاستفتاء دون وجود أي مرشح آخر، واعتبر أن السياسة الاقتصادية للدولة هي سياسة اشتراكية تقوم على القطاع العام بشكل أساسي. أغلب مواد الدستور المتعلقة بالحريات العامة لم تنفذ، فرغم وجود نصوص صريحة بتحريم التعذيب إلا أنه وفي ظل سريانه أدينت الدولة السورية بارتكاب التعذيب وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان المحرّمة دستوريًا أيضًا كالنفي والإبعاد والاعتقال التعسفي والتنصت. كما أن هذا الدستور، ومنذ أن أقرّ وحتى أبريل 2011 طبق تزامنًا مع قانون الطوارئ في سوريا، المعلن منذ 1963، وبحسب آلان خليل فإن خمس قوانين قد منعت تطبيق الحريات العامة الواردة في الدستور وجعلتها معطلة:

    غسان محمد رشاد حداد (2007). أوراق شامية من تاريخ سورية المعاصر 1946 - 1966. مكتبة مدبولى الصغير. ISBN 9789772086276. مؤرشف من الأصل في 10 آب / أغسطس 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ أرشيف= (مساعدة)
المصدر: wikipedia.org