اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في 14 فبراير 1928 كلف الشيخ تاج الدين الحسني رئاسة الدولة واستطاع بعلاقته الجيدة مع الضباط الفرنسيين في دمشق الدعوة لانتخابات جمعية تأسيسيّة جرت في أبريل 1928 وعقدت الجمعية التأسيسيّة أول اجتماع لها في 9 مايو 1928 في دار الحكومة وانتخبت هاشم الأتاسي رئيسًا لها بالإجماع وفوزي الغزي وفتح الله آسيون نائبين للرئيس، ويتفق المؤرخون أن الانتخابات كانت نزيهة تنافس بها قائمتان أساسيتان هما قائمة الوطنيين الأحرار وقائمة المعتدلين الموالين للانتداب، وتكونت من 68 عضوًا منتخبًا يمثلون دولتي دمشق وحلب وحدهما دون الدروز والعلويين، وانتخبت الجمعية لجنة وضع الدستور في 9 يونيو برئاسة إبراهيم هنانو وعقدت اللجنة خمسة عشر جلسة أتمّ خلالها وضع الدستور في 11 أغسطس حين تمّ التصويت عليه وإقراره في الجمعيّة.
جاء الدستور متوازنًا في الفصل بين السلطات، واعتبر سوريا "جمهورية نيابية عاصمتها دمشق ودين رئيسها الإسلام"، وأن "البلاد السوريّة المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسيّة لا تتجزأ، ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد الحرب العالمية". النظام كما حدده الدستور شبيه إلى حد بعيد بالنظام الفرنسي آنذاك، ينتخب بموجبه رئيس الجمهورية في مجلس النواب غير أنه ليس مسؤولاً أمامه، وله صلاحية تعيين رئيس الحكومة التي يختار أعضائها رئيس الحكومة بالتعاون مع الكتل البرلمانية ويعود للرئيس حق إصدار تشكيلتها وتكون مسؤولة أمام مجلس النواب. وقد منح الدستور للرئيس حق نقض القوانين وحل مجلس النواب أو تعليق عمله "لفترة محدودة"، كما كانت من مهام الرئيس أيضًا إبرام الاتفاقيات الدولية وتبادل البعثات الدبلوماسية وتمثيل الدولة خارجيًا ومنح العفو العام، وتركت للوزارة الشؤون التنفيذية بالكامل وإن كان بعض الرؤساء الذين حكموا وفق هذا الدستور تدخلوا في الناحية التنفيذية خصوصًا شكري القوتلي. وقد حددت ولاية الرئيس بخمس سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد مرور خمس سنوات على انقضاء رئاسته الأولى.
أما مجلس النواب فولايته أربع سنوات، ويجتمع دورتين في العام الأولى في شهر أيار والثانية في شهر تشرين الأول مع إمكانية الدعوة لعقد جلسات استثنائيّة بناءً على طلب رئيس الجمهورية، ويتمتع الأعضاء خلال دورات الانعقاد بالحصانة النيابية باستثناء حالة الخيانة العظمى، ويحتكر بموجب هذا الدستور مجلس النواب مهام التشريع. خلال عمل اللجنة التأسيسيّة حصلت نقاشات مستفيضة حول إذا ما كان البرلمان يجب أن يتكون من غرفتين أم من غرفة واحدة، وأفضى النقاش إلى الاكتفاء بغرفة واحدة فقط خلافًا لأغلب الأنظمة البرلمانية في العالم حيث يتكون البرلمان من غرفتين. أما النظام الانتخابي، فقد قصر الدستور حق الانتخاب على الذكور السوريين الذين تجاوزوا العشرين من العمر، كما نصّ على كون الانتخاب يتم على درجتين؛ في الدرجة الأولى ينتخب الشعب في المدن والقرى الناخبين الثانويين، وفي الدرجة الثانية ينتخب الناخبون الثانويون في المحافظة نوابها في المجلس؛ في عام 1947 عدل الدستور واستبدل نظام الدرجتين بنظام الاقتراع المباشر تحت ضغط شعبي، إذ كانت القوى السياسية تميل نحو الإبقاء على نظام الدرجتين. ولم يحدد الدستور عدد أعضاء المجلس النيابي غير أنهم عمومًا كانوا 60 عضوًا عام 1932 ثم زيد العدد إلى 90 بعد انضمام دولة الدروز ودولة جبل العلويين إلى سوريا عام 1936، ورفع العدد مجددًا إلى 124 عام 1943، وأخيرًا رفع إلى 140 عضوًا في انتخابات العام 1947 وهي آخر انتخابات تجري في ظل هذا الدستور.
ضمن الدستور استقلال القضاء وحرية المواطنين ومساواتهم أمام القانون وفي الدولة، وكفل حرية التعبير وغيرها من الحريات العامة، كما نص على احترام حقوق الطوائف السورية وكفل قوانين أحوالها الشخصية ومدارسها الخاصة، ما وجهت له انتقادات بكونه إعادة استنساخ لنظام الملل العثماني. نصّ أيضًا على تمثيل الأقليات الدينية والعرقية بشكل عادل في البرلمان وسائر مؤسسات الدولة وهو ما مهد لكون قوانين الانتخابات السورية لحظت مقاعد لمختلف الطوائف والمكونات، في الانتخابات التي جرت في ظل هذا الدستور.
أقرّت الجمعيّة التأسيسيّة الدستور المكون من 115 مادة غير أن هنري بونسو المفوض الفرنسي رفض إصداره بحجة مخالفته صك الانتداب وحقوق الدولة المنتدبة. وأصدر قرارًا بتعطيل الجمعية التأسيسيّة، وشهدت البلاد في إثر ذلك مظاهرات واضطرابات أمنيّة كان أكبرها مظاهرات 11 فبراير 1929 في حلب والتي شارك بها طلبة المدارس. دامت الاضطرابات والحراك الدبلوماسي حتى 14 مايو 1930 حين أقر بونسو الدستور بعد أن أضاف إليه المادة 116 التي تنصّ على "طي المواد التي تتعارض مع صك الانتداب حتى زواله". لم يهدأ الشارع، واعتبرت المادة مقيدة لحقوق الدولة السوريّة، رغم أن زخمها قد تراجع.
أنهي في 16 نوفمبر 1931 حكم الشيخ التاج وتشكلت حكومة مؤقتة برئاسة سالومياك نائب بونسو في دمشق مهمتها الإشراف على الانتخابات النيابية التي أعلنت نتائجها الرسميّة في 9 أبريل 1932 وانعقد أول مجلس نيابي في ظل النظام الجمهوري في 7 يونيو 1932 وانتخب صبحي بركات رئيسًا له ومحمد علي العابد رئيسًا للجمهورية. وفي عام 1936 نظمت الانتخابات النيابية الثانية في ظل الدستور وأوصلت هاشم الأتاسي لسدّة الرئاسة، وفي عام 1939 استقال الأتاسي وعطّل العمل بالدستور نتيجة الحرب العالمية الثانية حتى 1941 حين أعيد العمل بالدستور غير أنه لم تجر انتخابات وعيّن تاج الدين الحسني رئيسًا للجمهورية، وقد أجرت الانتخابات عام 1943 وأفضت لفوز الكتلة الوطنية ووصول شكري القوتلي إلى الرئاسة، وفي عام 1947 عدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي من درجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب القوتلي لولاية ثانية مباشرة بعد ولايته الأولى، وفي 30 مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكريًا على الحكم المدني برئاسة القوتلي وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه سامي الحناوي في أغسطس 1949 ونظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة لوضع دستور جديد للبلاد.