اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لاحظ المثقف الفرنسي جوليان بيندا (1867 – 1956) أنه في الماضي قام المثقفون بتبني موقفين حيال السياسة. الأول كان منهج أفلاطون القائل بأن الأخلاق يجب أن تحكم السياسة. أما الثاني فكان منهج مكيافيلي القائل بأن السياسة لا تملك أي نقاط مشتركة مع الأخلاق. اتهم بيندا جيل المثقفين المؤثر في فرنسا في العشرينات من القرن العشرين باتباع موقف ثالث أكثر خبثاً بكثير: وهو أن السياسة يجب أن تحكم الأخلاق.
السبب وراء هذا "التأليه للسياسة" هو أن المثقفين في هذه الفترة تخلوا عن مبدأ عدم التحيز الأساسي، وأصبحوا يعتبرون أنفسهم مواطنين طبيعيين يخضعون للدوافع ذاتها التي يخضع لها عامة الشعب.
"المثقف الحقيقي هو فوفنارغو، لامارك، فرينل، سبينوزا، شيلر، بودلير، سيزار فرانك، الذين لم تحولهم أبداً الحاجة إلى الحصول على قوت يومهم عن الحب المخلص لكل ما هو جميل ورباني. لكن هؤلاء المثقفين الحقيقيين نادرون لا محالة.. القاعدة هي أن الكائن الحي المقدر له الصراع طوال حياته يتحول إلى اهتمامات عملية، وبالتالي إلى تقديس هذه الاهتمامات".
إن السعي خلف المصالح الشخصية من خلال نشر المعرفة -برأي بيندا- لطالما كان تصرفاً مذموماً منذ العصور القديمة. ولكن في هذا الجال، بدأت هذه النظرة للعمل الفكري بالاختفاء، وتم استبدالها بشكل من الوصولية المؤسساتية حيث يندفع المفكرون خلف الرغبات الوضيعة ذاتها التي يسعى خلفها رجال الأعمال والمحامون بهدف الارتقاء في المسيرة المهنية.
"منذ عهد الإغريق كان الموقف العام من المفكرين تجاه النشاط الفكري هو تعظيمه بقدر ما -كنشاط جمالي- يمكنه تحقيق الرضى بحد ذاته، بغض النظر عن أي اهتمام بالإيجابيات التي يمكن أن يحققها. معظم المفكرين كان ليتفق مع... رأي رينان بأن الشخص الذي يحب العلم من أجل ثماره يرتكب أبشع أشكال الهرطقة في حق القدسية العلمية... قام المفكرون الجدد بتمزيق هذا المبدأ بكل عنف. إنهم يدعون أن النشاطات العلمية مهمة فقط بقدر ما تكون مرتبطة بالوصول إلى أفضلية صريحة".