اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد ذِكر الله أنبيائه والثناء عليهم في الآيات السابقة، ذُكر من خلفوهم من ذريتهم فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا .
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي من قاموا مقام آباؤهم الذين اتسموا بالورع والتقوى لأنهم أنبياء مرسولون من عند الله، وقد أنعم عليهم من فضله بالتوجه إلى عبادة الله والدعوة إليه فكان لهم مكاناً عظيماً عنده، وليس مثل الكثير من ذريتهم الذين ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي تركوا صلاتهم وأضاعوا وقتها وأهملوها كما أهموا باقي أركان عبادتهم لله واتجهوا للمعاصي فاتبعوا الشهوات الصارفة عن عبادته والدعوة له كما فعل آبائهم، لذلك جزائهم بأنهم ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي خسراناً في الآخرة.
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا
واستثني من ذلك من تاب وآمن وعمل صالحاً في حياته الدنيا، فأولئك يدخلون الجنة جزاء ما فعلوا ورحمة من الله ولا يظلمون أو ينقصون شيئاً من ثوابهم، وأكد على وعده بأنه مأتياً لا محالة خاصةً أنهم آمنوا بالله وكتابه غيباً. ووعدوا بأنهم لن يسمعوا فيها لغواً من الكلام لكن يسمعون سلاماً من الملائكة أو من بعضهم على بعض؛ وقدّر لهم رزقهم في الجنة من المأكل والمشرب بأنه موجود بشكل دائم لا ينقطع وللتقريب إلى الأذهان ذُكر بأن هذا الرزق سيكون موجوداً ليلاً ونهاراً على قدرهما وذلك للتبسيط على قدر عقول البشر؛ فالجنة لا يوجد بها تتابع لليل والنهار.
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
والآية 64 ختام حكاية لما قاله جبريل للنبي محمد، فقد ذكر عديد من المُفسرين أن الوحي احتبس عنه لفترة من الوقت بعد أن سأله البعض عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، حتى قالوا: إن رب محمد قد قلاه -أي أبغضه وكرهه-، فلما نزل جبريل على محمد بعد فترة من غياب -قيل خمسة عشر يوماً وقيل أكثر- قال له: «يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك» فقال له جبريل: «إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور، إذا بعثت جئت، وإذا حبست احتبست»، وأنزل الله هذه الآية وسورة الضحى.
ثم ذكر أنه ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾ ورب ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾ فهو خالقهما وخالق كل شيء ومالكهما ومالك كل شئ. ﴿فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي أخلص له العبادة مع الصبر والجلد والقوة والاحتمال ومجاهدة للنفس الأمارة بالسوء. والاستفهام في ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ للإنكار والنفي، والسمي بمعنى المسامي والمضاهي والنظير والشبيه. فكأنه يقول "هل تعلم له نظيراً أو شبيهاً يستحق معه المشاركة في العبادة أو الطاعة؟" فتكون الإجابة لا؛ لأنه وحده المستحق للعبادة والطاعة. وقد ذُكر في الآية الحادية عشر من سورة الشورى بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾.
ذكر الله بعد ذلك أن الإنسان الكافر به والذي لا يصدق بالبعث بعد الموت يتعجب ويستنكر كيفية ذلك لأنه سيفنى من بعد موته بحسب اعتقاده، فيرد الله عليه: ﴿أَوَ لاَ يذكرُ الإنسانُ﴾ المتعجب بأنه خلقه وأنشأه بشراً سوياً من غير شيء ﴿ولمْ يكُ﴾ من قبل إنشائه إياه ﴿شَيئاً﴾ يُذكر. لذلك توعد لهم الرب بقوله: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا أي لسوف يخرجون يوم القيامة من قبورهم مع أوليائهم من الشياطين حول جهنم قعوداً.