اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
اعترف أحمد بن طولون بالسُلطة الروحيَّة للخليفة العبَّاسي بِصفته خليفة المُسلمين أجمعين، واستمرَّ بالدُعاء له على منابر المساجد في مصر والشَّام. وكان عكس الكثير من الأُمراء والقادة التُرك، يكّنُ الاحترام والتقدير والتبجيل لِمنصب الخليفة، انطلاقًا من تربيته العسكريَّة الدينيَّة وولائه للإسلام. إلَّا أنَّه وعلى الرُغم من ذلك، كانت العلاقة بين الطولونيين والعبَّاسيين أقرب إلى الحرب الباردة نتيجة الدسائس التي كان يُحيكُها الساسة العبَّاسيين ضدَّ ابن طولون ومن بعده ابنه خُمارويه في دار الخِلافة. ولعلَّ أخطر من واجه ابن طولون من العبَّاسيين كان الأمير أبي أحمد طلحة أخي الخليفة المُعتمد، الذي سيطر على الشُؤون العامَّة في دار الخِلافة، وقاد حركةً إصلاحيَّةً بِهدف النُهوض بالسُلطة المركزيَّة وتقوية قبضتها على ولاياتها ومن بينها مصر، بالإضافة إلى حرصه على أن تبقى مع الشَّام خالصتين له من دون مُنافس بِفعل خيراتهما ونظرًا لِأهميتهما السياسيَّة والاقتصاديَّة، لِذلك سعى جادًا إلى القضاء على الإمارة الطولونيَّة التي انفصلت عن الإدارة المركزيَّة في بغداد واستقلَّت بِحُكم مصر وبدأت تتطلَّع نحو الشَّام. ومن جهته نهض أحمد بن طولون لِلدفاع عن حُقوقه المُكتسبة في مصر، فتصدَّى لِأكبر قُوَّة في الدولة العبَّاسيَّة، وهي ليست قُوَّة الخليفة الذي ربتطه به صلاتٌ ومصالحٌ مُشتركة، وإنما هي قُوَّة المُوفق طلحة، وظهر التنافس والنزاع واضحًا بينهما. استمرَّ الخلاف قائمًا بين المُوفَّق وابن طولون حتَّى السنوات الأخيرة من حياة الأخير، ولم يُفلح أيٌّ منهما في القضاء على الآخر، فاتجها إلى تحسين الأجواء بينهُما وإصلاح ما فسد، فأسقطا اللعن والسُباب من على المنابر، وكادت الخِلافة أن تعترف بِشرعيَّة حُكم ابن طولون لولا أن وافته المنيَّة كما سلف. استمرَّ المُوفَّق يُحيك المُؤتمرات والدسائس ضدَّ الطولونيين ويُؤلِّب القوى في الشَّام عليهم خِلال عهد خُمارويه، ولم يتوقَّف حتَّى وفاته في 21 صفر 287هـ المُوافق فيه 4 حُزيران (يونيو) 891م، فاستراحت الدولة الطولونيَّة من ألد أعدائها، وتطوَّرت العلاقة بين الطولونيين والعبَّاسيين نحو الأفضل بالتقارب الأُسري بالزواج، فقد زوَّج خُمارويه ابنته قطر الندى للخليفة المُعتضد الذي رحَّب بِهذه الزيجة وطمع في هذه المُصاهرة، وكان لِكُلٍّ منهما دوافع مُتباينة. فخُمارويه كان يُريد أن يربط البيتين بِروابط مودَّة مُستديمة وإكساب البيت الطولوني مجدًا ونُفوذًا قلَّما فاز به، ولم يكن من السُهولة أن تتم مُصاهرة بين خليفة المُسلمين وبين والٍ من وُلاة دولته، ويُعدُّ ذلك ظاهرةً مُلفتة، ولعلَّهُ كان من الأسلحة التي استعملها لِإغراء الخليفة بِتجديد الصُلح والاعتراف بِولايته الوراثيَّة تمامًا مثل العُروض الماليَّة السخيَّة التي تقدَّم بها. أمَّ الخليفة فكان بِحاجةٍ للمال وطمع بِمزيدٍ منه كي يُفقر خُمارويه بِجهاز ابنته حيثُ توقَّع أن تُجهَّز العروس بما يُناسب مقام الخِلافة من واقع أن يُظهر الطولونيُّون ثراءهم الواسع، فتتدفَّق الأموال والهدايا إلى الخزينة المركزيَّة التي هي بِأمس الحاجة إليها. وقد تمَّ الزواج في سنة 282هـ المُوافقة لِسنة 895م. وصدقت توقُعات الخليفة، فقد بالغ خُمارويه في تجهيز ابنته وذلك في مُحاولةٍ لِإظهار تفوّق الطولونيين الاقتصادي على حاضرة الخِلافة، وإطلاع الناس على ينعمون به من ثراءٍ وترفٍ ورخاء، وتحقق له ما أراد، إذا دُهش أهالي بغداد بما رؤوه من النفائس التي حملتها معها العروس، والتي لم يكونوا قد شاهدوا لها مثيل مُنذ أيَّام الرشيد والمأمون.