اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أعطت وفاة السلطان عبد الله غالب، الذي توفي عام 1574، فرصة للأتراك للتدخل مرة أخرى في المغرب من خلال دعم اثنين من المطالبين بالعرش، عبد الملك وأحمد المنصور، ضد السلطان محمد المتوكل.
في عام 1576، دعم العثمانيون عبد الملك سعدي - الذي عرضوا عليه اللجوء ورحبوا به منذ عام 1574 - لاستعادة فاس وإسقاط ابن أخيه السلطان المتوكل. حيث وضعوا تحت تصرفه فيلق استكشافي من 10000 رجل، معظمهم من الإنكشاريين، هزم بهم جيش المتوكل في معركة الركن وأخذ مدينة فاس ثم مدن المملكة الأخرى بعد ذلك.
بعد وصول عبد الملك إلى السلطة، احتفظ بالحامية العسكرية العثمانية داخل جيشه - بينما أعاد تنظيم جيشه وفقًا للنموذج العثماني - وبعد أن استتب له الأمر كانت الحامية التركية قد ذهبت.
حافظ عبد الملك على علاقات جيدة مع الباب العالي في البداية، ومع ذلك احتفظ باستقلال المغرب عن الإمبراطورية العثمانية وحافظ على العلاقات الدبلوماسية مع الإسبان لضمان ذلك.
شكل التقارب العثماني المغربي تهديدًا للبرتغال، وخاصة ممتلكاتها على السواحل المغربية (مازاغان، طنجة وسبتة)، فقرر الملك البرتغالي سبستيان الأول دعم السلطان المخلوع المتوكل بعد توجه هذا الأخير بطلب المساعدة العسكرية، بهدف استعادة عرشه.
صيف عام 1578، بدأت الحملة برتغالية بقيادة سبستيان يرافقها المتوكل بغزو شمال المغرب وتعهدت بالتقدم نحو العاصمة فاس. في 4 أغسطس، واجهت قوات عبد الملك المعززة بمدفعية حلفائه العثمانيين، البرتغاليين رفقة المتوكل، انتهت بهزيمة الكاملة للقوات البرتغالية وكذلك وفاة ثلاثة ملوك: المتوكل وعبد الملك وسبستيان.
شهد المنصور وهو أمير اغتيال أبيه محمد الشيخ المهدي من قبل العثمانيين، ومحاولاتهم المتكررة التدخل في الشؤون المغربية، ودهاء أبيه ومستشاريه في استغلال السياقات الدولية المواتية للحفاظ على استقلالية البلاد، كما شهد مساعدتهم لأخيه عبد الملك في حصول على عرش البلاد فكان على دراية بسياسة العثمانية تجاه المغرب. كانت الاتصالات أولى بين العثمانيين والمنصور عقب معركة واد المخازن غير جيدة ففي الرسالة الأولى التي بعت بها مراد الثالث وصف فيها المنصور بالحاكم ال"عديم القيمة"، أتبعها بارسال وفد إلى مراكش في شتنبر 1579 لمطالبة بالتنازل عن بعض الموانئ المغربية وخصوصًا ميناء العرائش مرفوقا بهدايا لا تليق إلا بـال"خادم". سعى العثمانيون لاسقاط حكم المنصور في بداياته وتولية ابن أخيه إسماعيل بن عبد الملك من زوجته التركية التي تزوجت باشا الجزائر بتحضير انقلاب سنة 1578، كما دعمو تمرد الأمير مولاي داود في السنة الموالية.
تغير نهج سياسة الدولة العثمانية تجاه المنصور (يرجعها البعض لاندلاع الحرب العثمانية الصفوية الرابعة وفقدان الدولة لاستقرارها بعد اغتيال الصدر محمد باشا صقللي والخوف من فتح جبهة حرب جديدة) ابتداءا من سنة 1580 ففي رسالة مؤرخة في شهر يوليو من نفس السنة، دعى مراد الثالث أحمد المنصور لإقامة تحالف بهدف استرجاع الأندلس، واقترح عليه لذالك ثلاثمائة سفينة والآلاف من مقاتلي النخبة، كما اقترح عليه أن يزوِجه إحدى بناته. لا توجد أية معلومة عن رد أحمد المنصور على هذه المقترحات.
بلغت التوترات ذروتها سنة 1581، حين أمر السلطان العثماني مراد الثالث الباشا علج علي باشا بقيادةِ أسطول من ستين سفينة وثمانية آلاف رجل لفرض الهدوء بالجزائر واضرار بمصالح المنصور. وصل علج علي باشا إلى مدينة الجزائر شهر يونيو من نفس السنة، فيما تحصن السلطان أحمد المنصور بفاس وأحاط نفسه بالجيش وأعد العدة وحصن الثغور والموانئ وسلم قيادة ميناء العرائش لأقرب معاونيه إبراهيم السفياني. ساهمت الديبولوماسية المغربية في انهاء النزاع من خلال النجاح في الوصول إلى الاتفاق على هدنة بين القوتين الإسلاميتين رغم الضغوط التي مارسها علج علي باشا على الوفود المغربية التي كانت في طريقها لاسطنبول. ساهمت في نجاح الهدنة عوامل منها الوباء الفتاك وحالة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها ايالة الجزائر، وثورة في جزيرة العربية بلاد الحرمين الشريفين أوكل مهمة اخمادها علج علي باشا الذي غادر ومن أتو معه القطر المغاربي، لكن الدور الكبير في اعادة العلاقات الطيبة بين البلدين لعبه جيكالة باشا. أتبع ذالك أمر السلطان مراد الثالث ممثليه في طرابلس والجزائر أن يخصو سفراء المنصور باحترام وتقدير، وابتداءا من 1583 أصبح يشار لأحمد المنصور في المراسلات الإدارة العثمانية بالإمام والسلطان والخليفة.
عادت التجادبات مرة أخرى بين القطرين في نفس السنة بعد غزو أحمد المنصور قصور الصحراء جنوب إيالة الجزائر وسيطرته على تجارة القوافل، لم يكن في استطاعة مراد الثالث الرد على تحركات المنصور، فالدولة العثمانية غارقة في الحروب والمواجهات في كل من بلاد فارس والبلقان والحجاز والمحيط الهندي، فأسند المهمة لممثله والي الجزائر، سير هاذا الأخير حملة عسكرية ضد تواجد المغربي جنوب الإيالة فتوجه نحو فيكيك لقطع الصلات بين مناطق محل النزاع وبين المغرب لكن باءة بالفشل، أتبع ذالك اقامة المنصور لتحصنيات جديدة بقصور الواحات الرئيسية وتخصيصها بحامية دائمة، وضمان ولاء أعيانها الدينية والقبلية عبر اعفاء من الضرائب والتكرم عليهم، كما ربط علاقات بالسلطات العثمانية في الجزائر واسطنبول فتمكن من رشوة عدد كبير من الوجهاء الذين أصبحو سفراء القضية المغربية. انتهت الخلافات بعد أن حول السلطان مراد الثالث ايالة الجزائر بعد موت علج علي باشا من بايلرباي إلى باشوية يرأسها باشا يعين لمدة ثلاثة سنوات وهي مدة وجيزة منعت الولاة من بلورة سياسة نوعية مؤِثرة على المدى البعيد، وهكذا ما عاد السلطان الشريف يخاف الباب العالي الذي غادر شيئا فشيئا المسرح السياسي بالحوض الغربي للمتوسط. استعادت العلاقات مسارها الطبيعي آخر الخمس السنوات من حكم مراد الثالث، وتحسنت بشكل كبير وملحوظ عهد سلطان محمد الثالث يظهر ذالك من خلال تبادل عدد كبير من السفراء ومن العلاقات الرسمية الأخوية التي جمعت القوتين، يرجع البعض هذا التحسن لظروف السياسية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية (حرب الثلاثة عشر عامًا، الحرب العثمانية الصفوية، تمردات الانكشارية وسباهية، ثورة مقاطعة الأفلاق، ترانسلفانيا ومولدوفا) وهي ظروف ساعدت المنصور، ففي الرسالة الأولى التي بعث بها إلى السلطات العثمانية على إثر صعود محمد الثالث إلى الحكم أسبغ على نفسه كل الألقاب الخليفية ذات العلاقة بالسيادة في حين لم يستعمل سوى لقب السلطان للحديث عن العاهل العثماني بل إن الدولة العثمانية أصبحت عنده مجرد إيالة أي مملكة أو مقاطعة لا تستطيع ادعاء أي وضعية متميزة.
في اواخر عهد المنصور هاجم الوالي العثماني على تلمسان واحة فكيك وحاول فرض الضرائب على المناطق المحيطة بها فكتب السلطان بذلك إلى باشا الجزائر لتذكيره أن الواحة تابعة للسلطنة الشريفة طبقا للاتفاقيات مع السلاطين مراد الثالث ومحمد الثالث وينبهه أن أي تحركات في المستقبل يمكن أن تؤدي إلى نتائج وخيمة.