اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شُرعت صلاة العيدين في السنة الأولى من الهجرة، وهي سنّة مؤكّدة واظب عليها النبي وأمر الرجال والنساء بالخروج لها، وقد شرعت بها الخطبة ليعض الإمام المسلمين ويحثهم على مداومة الذكر والتكبير تعظيمًا لله وشكراً له على نِعَمه المُتصلة لقوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ويدعو فيها إلى الاستقامة على الطاعة والاستمرار على طريق الخير والابتعاد عن طريق المعاصي، ويذكّرهم بأهمية المسارعة إلى كل خيّرٍ وبر من الأقوال والأفعال، ويذكّرهم بأنّ أيام العيد هي أيّام أكلٍ وشربٍ، ويحثّهم في عيد الفطر على إخراج صدقة الفطر ويبيّن لهم حكمها وفضلها، وفي خطبة عيد الأضحى يدلّهم على أنّها أيّام نحرٍ وطاعة أيضًا. والخطبة في العيدين سنّة، كما هو الحال في حضورها والاستماع إليها، فإذا لم تتم الخطبة فالصلاة صحيحة، وهذا مخالفٌ لصلاة الجمعة فحضور الخطبة والاستماع إليها واجب على كل مُصلٍّ لذلك قُدّمت خطبة الجمعة على الصلاة في حين أُخّرت خطبة العيد على الصلاة فمن أراد الانصراف وترك سماعها فهو حُرٌّ في ذلك، فقد قال عبدالله بن السائب: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال: (إِنَّا نخطُبُ، فمَنْ أحبَّ أنْ يجلِسَ للخُطبَةِ فلْيَجْلِسْ، ومَنْ أحبَّ أنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبَ)، وخطبة العيد خطبتان في قول أهل العلم، وقد جاء خلافٌ في عددها سنأتي على بيانه لاحقًا.
اختلف العلماء في عدد خطب صلاة العيد أنّها خطبة واحدة أو خطبتان، وقد انقسمت الآراء تبعاً للأدلة التي اعتمدت عليها كل فئة، وهي على نوعين:
يرى أصحاب هذا القول أنّ لصلاة العيد خطبة واحدة، وهذا رأي العلامة ابن عثيمين والمحدث الألباني وما أشار إليه الصنعاني، وقد جاء عن الشيخ ابن عثيمين أنّه كان يخطب خطبة واحدة، في آخر خمس سنوات من وفاته، وقد أخذت هذه الفئة بظواهر النصوص التي يُفهم منها أن ّالنبي صلى الله عليه وسلم خطب خطبة واحدة، وأدلّتهم هي:
يروى جمهور العلماء من أصحاب هذا القول أنّ لصلاة العيد خطبتان، وحجّتهم هي:
جاءت حجّة أصحاب القول الأول في ظاهرها دالةً على أنّ النبي والخلفاء من بعده؛ كانت صلاتهم للعيد تقتصر على خطبة واحدة وهي أحاديث صحيحة راجحة لمن أراد الاستدلال بهذا القول، في حين أنّ كلًا من رواية جابر وسعد ضعيفة لم تثبت، أمّا عبيد الله فهو من أئمة التابعين والفقهاء السبعة المشهورين، إلا أنّ النووي والألباني ضعّفا حديثه، لكنّ ابن قدامة عزاه إلى سنن سعيد بن منصور عن يعقوب بن عبدالرحمن عن أبيه عن عبيدالله وهذا سند صحيح متصل يقوي رواية الشافعي هذه. أمّا الدليل الثالث فقد جاء عن ابن خزيمة تبويبه له بقوله: (باب عدد الخطب في العيدين، والفصل بين الخطبتين بجلوس)، مستدلًّا بعموم الحديث، على دخول خطبة العيد فيه، في حين جاءت رواية مسلم تنصّ على أنّ هذا الحديث جاء عن خطبة الجمعة، فدلّ على أنّ مقصد ابن عمر بالخطبة هي خطبة الجمعة لا خطبة العيد.
إنّ الحكم على مسألةٍ معينة يتطلّب استيعاب الأدلة كاملة وعدم الاكتفاء ببعضها، فالإجماع وإن عارض ظاهر النص فإنّه يُأوّل عن ظاهره، كما أنّ هنالك عددًا من الآراء التي تدّعم هذه النصوص وترجّح القول الثاني بأنها خطبتان فقد أجمع الفقهاء على هذا القول حتّى لم يرد فيه مخالف وهذا ما رآه ابن حزم، وابن قدامة، والشيخ ابن جبرين، ومما يؤكد الإجماع ما اختاره المالكية والشافعية، من قياس خطبتي الكسوف والاستسقاء على خطبة العيد، ولم يعارضهم في ذلك أحد، إضافة إلى قياس خطبتي العيد على خطبتي الجمعة، للتشابه بينهما في مسائل كثيرة، وإن وجدت فوارق بينهما، وهذا رأي النووي والبيهقي، وقد كان قول الشيخ ابن بازأنّ العيد كالجمعة، فالعيد عيد العام، والجمعة عيد الأسبوع. في حين اعتُرض على هذا القياس بحجّة أنّ الفروق بينهما كثيرة. ومما يدعّم هذا القول أنّ حضور العيد يجزئ عن حضور الجمعة عند توافقهما، وهذا يدل على أنّها تقوم مقامها وتأخذ أحكامها، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة في الإجزاء، ولم يعارض الحنفية والمالكية بأن خطبة العيد واحدة، وختام هذا الرأي ما نصّت عليه أدلة السلف، ومنهم الإمام مالك والشافعي فقال مالك: (يقوم إمامهم فيخطب بهم خطبتين)، وقال الشافعي: (يقوم فيخطب ثم يجلس بعد الخطبة الأولى جلسة أخف من هذه أو مثلها ثم يقوم فيخطب ثم ينزل).