اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد فرض الإقامة الجبرية على ناصر السعيد في مدينة حائل توفي الملك عبد العزيز وتولى الحكم من بعده ابنه الملك سعود، وبعد أن تولى سعود الحكم قام بزيارة لمنطقة حائل، فألقى ناصر السعيد خطاباً هناك في 11 ديسمبر 1953 في مدرسة مدينة حائل جاء وكأنه إعلان معارضة، أو هو البيان الأول لاتحاد شعب الجزيرة العربية وهذه مقتطفات منه:
وفي نفس الخطاب تحدث السعيد عن أرامكو فقال:
وكتب جعفر البلكي عن حادثة هذا الخطاب:«شق شاب حاد النظرات بسيط الثياب صفوف المقاعد المتراصة التي جلس عليها أعيان قبيلته، وحاول أن يصل إلى المنصة التي كان يقعد فوقها ملك البلاد جالساً على أريكة ضخمة، وكانت المناسبة حفلاً أقامه وجهاء مدينة حائل في مدرستها، تكريماً لملك السعودية الجديد سعود بن عبد العزيز وكان العاهل قد قدم إلى الإمارة الشمالية في مملكته لتلقي البيعة من زعماء قبيلة شمر التي تقطن تلك البقاع.
لم يكن الشاب سوى ناصر السعيد البالغ من العمر وقتها ثلاثين عاماً ولقد أخذ يصرخ حين منعه الحراس من الاقتراب عله يلفت انتباه الملك إليه وحين التفت إليه سعود، هتف الشاب قائلاً: «عندي كلمة يا طويل العمر، أبي ألقيها... حنّا نعرف أنك ما جيت هني للسياحة وشم الهواء، لكن لأخذ البيعة وفي هالكلمة أشياء مهمة عن البيعة يلزمك تسمعها» ولم يعد بالإمكان، وقد انتبه الناس، سوى أن يقول الملك: «تفضل... قول» وأخرج ناصر من سترته أوراقاً حضّرهاً، وجلجل صوته في الحاكم والمحكومين قائلاً: «باسم الله، وباسم الحق... باسم العمال المعذبين، والفلاحين الذين أصبحوا فريسة للمرابين... باسم الجنود الظافرين، باسم البدو المشردين... باسم الشعب الذي حُرم من نور العلم طويلاً يا طويل العمر... يا سعود بن عبد العزيز... دعني أناديك باسمك المجرد من الجلال والجلالة، فزخرف القول غرور... والذي لا يجله شعبه لا تجله الألقاب الزائفة، بل ولا يجله الله أبداً. إن رضى الشعب هو رضى الله! ولن يرضى الله سبحانه لمن لا يرضى عنه شعبه. لذا، أقول لك، يا سعود... هل تجشمت مصاعب الطرقات الخربة الوعرة وجئت لعندنا بقصد الدعاية لنفسك؟ ليس في مئات المدن والقرى والصحارى التي مررت بها إلا الفقراء الذين رأيتهم يمدون إليك أيديهم ضارعين من الفقر والجوع والمرض والجهل... لا يوجد علاج ولا معالج، ولا ماء نظيف، ولا دواء، ولا عمل، ولا مساكن تليق بالإنسان...».
بدا الاضطراب على وجوه القوم، والغيظ على وجه الملك سعود من هذه الوقاحة وأشار إلى ياوره الخاص العقيد محمد الذيب (رئيس حرس الملك) لكي يسكت هذا المعتوه، ويفتك منه الورقة التي بيده. وحينما أراد ناصر السعيد أن يحتج على هذا القمع الذي سُلط عليه، بلغ الحنق بملك السعودية مبلغه، وراح يصرخ : «كفى... أنتم مجرمون، إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون... ويسعون... ويسعون...» وعلق لسان الملك في كلمة «ويسعون» فلم يعرف كيف ينطق بقية الآية. ثمّ قام الملك من مجلسه غاضباً. وأراد واليه على حائل عبد العزيز بن مساعد بن جلوي أن يعتذر له، فقال له سعود: «الاحتفال زين، بس هذا اللي اسمه ابن السعيد خرّبه». كانت تلك الواقعة التي سرد ناصر السعيد بنفسه تفاصيلها في كتابه تاريخ آل سعود هي أول مواجهة وجهاً لوجه بينه وبين وأحد ملوك آل سعود.»
قال جعفر البلكي:«لم تكن الشجاعة التي أبداها ناصر أمام الملك عجيبة، فلقد تربى منذ صغره في أسرة مظلومة استشهد رجالها دفاعاً عن أرضهم، فقاوم من بقي من أفراد تلك العائلة الغزاة َالظالمين. ونشأ الفتى في كنف جدته حسناء كارهاً لمظاهر التعسف كافة، ولكل أشكال الطغيان. ثمّ إنّ وعي الشاب ما لبث أن تفتح على فداحة الاستغلال الرأسمالي لموارد وطنه، وعلى شناعة العنصرية التي يمارسها الأجانب الأميركيون على العمال من أهل البلد، وعلى حجم تواطؤ الملوك الفاسدين مع المستعمِرين الناهبين؛ ولقد حدث كل ذلك أمام عينيه حينما شاء له قدره أن يعمل في معسكرات شركة «أرامكو» الأميركية النفطية في الظهران، منذ 1947.»