اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خرج العرب من جزيرتهم على أثر الفتوح، واختلطوا بشعوب ذات مدنيات مختلفة، ووارثة لحضارات الأمم القديمة، ومكوّنة من أجناس مختلفة سامية وحامية وآرية ذات عقليات ونزعات متباينة. وأهم تلك الشعوب الفرس والروم. ولئن سبق للعرب بعض اتصال بهم، فما كان ذلك عميقاً؛ أما الآن فقد أصبح الامتزاج شديداً، تداخلت به اللغات والأفكار والعقائد. فتوسعت بذلك آفاق العرب، وتسربت إليهم عادات الفرس والروم، ونظمهم الاجتماعية والسياسية، فأخذوا منها ما راقهم وتمشّى مع أذواقهم، كتدوين الدواوين وتنظيم الجيوش. وزادت ثقافات تلك الأمم الثقافية العربية ثروةً وغنى، فوسّعت العقل العربي بتراثها الثقافي الضخم، وإذا اللغة الفارسية والرومية، والفقه الروماني والحكمة اليونانية، وإذا أساليب الفرس واليونان الكتابية، وإذا هذه وأشياء أخرى تُبقي أثراً في لغة العرب وتشريعهم وأساليبهم الكتابية، وفي تفكيرهم، ولا سيما وأنا الموالي الذين أبعدوا عن مناصب الدولة، قد انصرفوا إلى العلوم الشرعية والفنون الأدبية، فكان منهم رجال الفقه، وكتبة الدواوين والشعراء والعلماء؛ وأبقوا في الثقافة العربية أثراً كبيراً.