اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان أهل الأندلس منذ فُتِحَت على رأي الأوزاعي (ت 157 هـ)، إلى أن جاءهم مؤسس المدرسة المالكية بها: زياد بن عبد الرحمن، الملقب بـ(شَبْطون) (ت 193 هـ)؛ أول من أدخل موطأ الإمام مالك إلى الأندلس؛ متفقِّهاً بالسماع منه. ويرجع الفضل في تثبيت مذهب مالك في الأندلس إلى يحيى بن يحيى الليثي تلميذ زياد، قبل أن يرحل إلى الإمام مالك؛ فقد كان المستشار الأول للخليفة عبد الرحمن بن الحكم، وكان الخليفة لا يستقضي قاضياً، ولا يعقد عقداً إلا عن رأيه؛ فمكَّن للمذهب وأهله. ثم حمله بعده تلميذه العُتْبي (ت 254 هـ)؛ الذي أخذ عنه كما أخذ عن الإمام سحنون، ثم دوَّن (مستخرجته)؛ التي جمع فيها أقوال مالك وأصحابه؛ فاعتنى بها أهل الأندلس، وعكفوا عليها، واعتمودها، وهجروا ما سواها. ثم أفضى الأمر بعده إلى تلميذه ابن لُبابة (ت 314 هـ)، ولم تزل هذه المدرسة يذيع صيتها، ويطير ذِكرها في الأندلس، إلى أن ابتلى الله أهل قرطبة بفتنة البربر في مطلع القرن الخامس؛ فمات بسببها كثير من العلماء، وفرَّ كثيرون إلى فاس وغيرها؛ فضعفت المدرسة في الأندلس، وزاد من ضعفها عدم اعتناء أهلها بالعلوم العقلية والاستدلال، وانكبابهم على دراسة المسائل والفروع الجزئية؛ حتى كاد الفقه يموت؛ لولا أن الله تعالى مَنَّ بالإمام أبو الوليد الباجي (ت 474 هـ)؛ الذي رحل إلى المشرق، ودرس على كبار علمائه؛ كالإمام عبد الله بن أحمد الهروي المالكي (ت 435 هـ)، ثم عاد إلى الأندلس بعلم غزير، وأقبل على التدريس والتصنيف؛ جامعاً بين طريقة النُّظّار من البغداديين، وحذّاق القرويين، والقيام بالمعنى والتأويل؛ فلقى منهجه قبولاً كبيراً لدى كبار علماء الأندلس؛ كابن رشد الجد (ت 520 هـ)، وأبي بكر الطرطوشي (ت 520 هـ)؛ تلميذ الباجي، وشيخ الإسلام القاضي عياض (ت 544 هـ)، وغيرهم.
وجاء بعد هؤلاء كوكبة من العلماء اتجهت إلى جمع المذهب فروعاً وقواعد؛ كابن الحاجب (ت 646 هـ)، وشهاب الدين القرافي (ت 684 هـ)، وخليل بن إسحاق الجندي (ت 767 هـ) صاحب المختصر الفقهي، ولكن هؤلاء اتجهوا في طريقتهم إلى الاختصار، واعتماد آراء معيّنة في الفقه، واعتبارها هي المذهب؛ مما حدا ببعض علماء المذهب من الأندلسيين كالشاطبي (ت 790 هـ)، ومن غيرهم كابن عرفة التونسي (ت 803 هـ)؛ إلى اعتبار ذلك قتلاً للفقه، محاولين في الوقت نفسه إعادة بعث طريقة النُّظار والمحقّقين، المعتنين بالاستدلال والتعليل. وقد استمرت هذه المدرسة في قوتها ونشاطها إلى أن سقطت الأندلس سنة (897 هـ)؛ حيث هاجر علماؤها إلى شمال أفريقيا، وتركّزت إقامتهم غالباً في فاس بالمغرب، والقيروان بتونس؛ فغابت المدرسة الأندلسية عن بلدها الأندلس، ولكن بقي حضورها العلمي ماثلاً من خلال انصهارها مع مدرسة المغرب.
وهذه المدرسة تُعَدُّ في آرائها الفقهية امتداداً علمياً للمدرسة التونسية؛ لقوة الاتصال بين المدرستين، وتداخل نشاطهما العلمي؛ ولهذا فإن العلماء المغاربة في اصطلاح المتأخرين: يُشار بهم إلى علماء من كِلا المدرستين: ابن أبي زيد (ت 386 هـ)، وابن القابسي (ت 403 هـ)، وابن اللباد (ت 333 هـ)، وأبو الوليد الباجي (ت 474 هـ)، وأبو الحسن اللخمي (ت 478 هـ)، وأبو القاسم بن محرز القيرواني (ت 450 هـ)، وابن عبد البر (ت 463 هـ)، وأبو بكر بن العربي (ت 543 هـ)، ونظرائهم من فحول علماء المالكية المغاربة. والمقدَّم عند المالكية عند الاختلاف بين هذه المدارس -سواء كان الخلاف في الرواية عن مالك، أو كان خلافاً في تشهير الأقوال- هو: تقديم المدرسة المصرية، ثم المغربية، ثم المدنية، ثم العراقية، وإنما اكتسب من اكتسب منها التقديم بالاعتماد على راوية ابن القاسم؛ فإن روايته وتشهيره مقدَّمان على رواية وتشهير من سواه.