اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا خلاف بين المتكلمين في إرسال الرسل وصدق دعواهم، وإنما الخلاف هل الرسالة ممكنة أم واجبة؟ أي هل يجوز أن يرسل الله رسلا أم لا يجوز، أو أن إرسال الرسل واجب على الله تعالى أم غير واجب. يذكر أبو المعين رأي جميع متكلمي أهل الحديث في القول بأنها ممكنة فيما عدا أبي العباس القلانسي. وذهب القائلون بأن العقل آلة معرفة الحسن والقبح ووجوب شكر المنعم - وهم الماتريدية - إلى القول بوجوبها، ولا يعنون بكونها واجبة أنها وجبت على الله تعالى بإيجاب أحد، أو أوجبها الله على نفسه، بل يعنون أنها متحققة الوجود. وقالت المعتزلة بوجوب النبوات عقلا.
ويهتم أبو المعين ببيان الحاجة إلى الرسالة، وفي هذا دليل على إثباتها ورد على المنكرين لها، ونوجزها فيما يلي:
ودليل صدق الرسل هو المعجزة التي تجري على أيديهم، ولقد بين معنى المعجزة، فهي تعني العجز الذي هو نقيض القدرة، وسميت معجزة لأنها تظهر عجز من يتحدى بها عن معارضتها، ومعناها عند المتكلمين أنها ظهور أمر بخلاف العادة في دار التكليف لإظهار صدق مدعي النبوة، وعجز المعارضين عن الإتيان بمثله، والمقصود بها تحدي المعارضين وعجزهم. وتنقسم المعجزة إلى قسمين أحدهما أنها فعل غير معتاد، والثاني تعجيز عن الفعل المعتاد كمنع النبي زكريا عن الكلام للدلالة على صحة ما بشر به، وهذا في الحقيقة نقض للعادة.
ولقد رد على المنكرين للرسالة لاعتمادها على خرق العادة والطبيعة، وذلك لأن إنكار خرق الله للعادة فيه وصف لله تعالى بالعجز وبأن أفعاله تعالى ضرورية وليست اختيارية، وهذا لا يصح في حق الله تعالى، لذا فهو قادر على قلب الطبائع، وفعله بخلاف عمل الساحر، إذ عمل الساحر تمويه محض ويعتمد على مهارته وخفة يده، ولو ادعى الساحر النبوة، وأراد إيجاد ما هو مناقض للعادة ليكون دلالة على صدق مقالته، لأعجزه الله عن إظهار ناقض العادة وأبطل سحره وكيده.
ثم يهتم بإثبات صدق نبوة محمد وفيه أيضا صدق كافة الأنبياء، والدليل هو النظر في دعوة الرسول في جانبها العلمي والعملي، ففي الجانب العلمي النظري هو أن ننظر فيما يدعو إليه الخلق من أصول التوحيد، وأصول بدء الخلق وإعادته، ولقد وجد أن ما يدعو إليه يوافق ما تقضي به العقول، وتوجبه الدلائل الموجبة للعلم الحقيقي الذي لا يخالطه شك، وأما الجانب العملي هو أن ننظر في أمر العبادات المشروعة، ولقد وجدت أنها مبنية على ما تقتضيه الحكمة ويوجب العمل، وهذا يعني أن صدق الشرع متوقف على النظر العقلي، وأنه لا تعارض بينهما. ثم الدلائل التي تثبت رسالة محمد تنقسم إلى قسمين، قسم حسي وقسم عقلي، والدلائل الحسية ثلاثة أقسام منها ما كان خارج ذاته كنبع الماء من بين يدي الرسول، ومنها ما كان في ذاته كخاتم النبوة بين كتفيه، ومنها ما كان في أخلاقه فلم يؤخذ عليه كذب أو هفوة، واتصف بكل صفات الكمال الأخلاقي، أما معجزاته العقلية فأكبر مثل لها هو القرآن، وهو المعجز الباقي الخالد، وهو معجز فيما احتواه من أخبار ماضية عن الأمم الماضية، وما فيه من أخبار مستقبلية، وإعجازه في نظمه ومعانيه.
ودافع أبو المعين عن الإعجاز في نظم القرآن، ورد على قول النظام بأن الله قد صرف الهمة عن الإتيان بمثل نظم القرآن، فيقول: هل صرف الهمة عن الإتيان بمثل القرآن، هل كان باختيار العبد أم بغير اختياره، إن كان باختيار العبد ففيه إثبات لتصرف الله في أفعال العبد الاختيارية، والنظام لا يقول بهذا، وإن كان بغير اختيار العبد فيكون باضطرار، وفي ذلك إثبات قدرة الله تعالى على منع العبد مما يختاره وهذا عنه محال.
ذكر الاختلاف في تعريف الإيمان، فمنهم من يرى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان وهذا رأي مالك والشافعي والأوزاعي وأهل الظاهر وأئمة الحديث وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، والمحاسبي والقلانسي، ومن الناس من يزعم أن الإيمان يكون بالقلب واللسان وإليه يذهب الشمرية والنجارية والغيلانية ومن الناس من يقول إن الإيمان يكون باللسان فحسب وإليه يذهب الرقاشي وعبد الله بن سعيد القطان والكرامية، ومن الناس من قال إن الإيمان لا يكون إلا بالقلب، غير أن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم الإيمان هو المعرفة وهو قول جهم بن صفوان والصالحي من المعتزلة وقال بعضهم هو التصديق وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي، وروي أيضا عن أبي حنيفة. ويتابع أبو المعين رأي الماتريدي في أن الإيمان هو التصديق بالقلب وذلك اعتمادا على المعنى اللغوي لكلمة الإيمان فهي تعني التصديق، فكل من صدق غيره فيما يخبره يسمى في اللغة مؤمنا به ومؤمنا له - وهذا المعنى هو المقصود بالإيمان بالله تعالى وتصديق رسله وكتبه. أيضا مما يؤكد بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، أن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب، فكذلك ما يضادهما. والأعمال ليست ركنا من الإيمان، وذلك أن الله تعالى قد خاطب باسم الإيمان ثم أوجب الأعمال، فلقد قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ سورة البقرة:183 وهذا دليل التغاير بين الإيمان والأعمال. أيضا أنهم لو جعلوا اسم الإيمان واقعا على مجموع التصديق والإقرار والأعمال كلها لأوجب ذلك زوال الإيمان بزوال بعض الأعمال أو بزوالها كلها. أيضا أن من آمن وصدق ومات لساعته قبل أداء شريعة من الشرائع وعبادة من العبادات مات مؤمنا، ولو كانت الأعمال داخلة في الإيمان، كان ينبغي أن لا يصير مؤمنا مالم يأت بالأعمال.
وإذا كان الإيمان هو التصديق والعمل ليس داخلا فيه، فإن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إذ حقيقة التصديق واحدة، وإنما الزيادة والنقص إذا كانت الأعمال داخلة في الإيمان، فمن كانت طاعته أكثر كان إيمانه أكثر. وأما ما ورد من آيات يفهم منها زيادة الإيمان، فهي لا تعني زيادة حقيقة الإيمان، بل الزيادة تحتمل أن تكون زيادة نوره وضياؤه في القلوب بالأعمال الصالحة، وينتقص ذلك بالمعاصي، إذ الإيمان له نور وضياء، أما زيادة الإيمان في ذاته أو نقصانه فلا يحتمل.
وبالنسبة لإيمان المقلد الذي لا يملك دليلا على صحة اعتقاده، فيرى أبو المعين أن المقلد مؤمنا، وذلك لحصول الإيمان بركنه وحقيقته وهو التصديق، فهو مؤمن بطاعته واعتقاده وإن كان عاصيا بترك النظر، وحكمه حكم غيره من فساق أهل الملة من جواز مغفرته أو تعذيبه، ولا ينعدم إيمان المقلد وإن لم يتحمل مشقة النظر والاستدلال وذلك لتناول مطلق الوعد إياه.
ولكن هل يشترط في الإيمان دليل، يذكر أبو المعين الاختلاف في ذلك، فأكثر المتكلمين يرون أنه لثبوت الإيمان أو لكونه نافعا لابد له من دليل يبنى عليه الاعتقاد، ويرى أبو الحسن الرستغفني من أصحاب الماتريدي، أنه لا يشترط أن يبنى اعتقاده على الاستدلال العقلي في كل مسألة، بل إذا بنى اعتقاده على قول الرسول، وعرف أنه رسول كان ذلك كافيا، والمشهور عن الأشعري، أنه لا يكون مؤمنا ما لم يعتقد في كل مسألة عن دليل عقلي، ويقول عبد القاهر البغدادي إن الأشعري يقول: إنه وإن لم يكن مؤمنا على الإطلاق، فإنه ليس بكافر، ويرى عامة المعتزلة أن المعتقد لا عن دليل ليس بمؤمن، ويحكم بإيمانه إذا عرف ما يجب اعتقاده بالدليل، على وجه يمكن مجادلة الخصوم، وإن عجز عن شيء من ذلك لا يحكم بإسلامه، وعلى هذا فالفرق بين الأشاعرة والمعتزلة هو أن كلاهما يشترط دليلا عقليا على صحة الإيمان، لأن العقل هو سبيل تصديق الرسول، إلا أن الأشعري يقول إن بنى اعتقاده على دليل عقلي كان كافيا، وإن لم يقدر على دفع الشبه، والمعتزلة يقولون إنه لا يكون دليلا إن لم يقدر على دفع الشبه، كما أنه يمكن القول بأن الأشعري يرى بأن تكون معرفة المقلد بقلبه دون أن يعبر عنها بلسانه، وأنه ليس بكافر لوجود ما يضاد الكفر وهو التصديق، لكنه عند المعتزلة كافر، ويمكن القول إن رأي الأشعري أن المقلد مؤمن عاصي، وإن لم يكن قد قال هذا القول بلفظه، فمعناه متحقق عند الأشعري. لكن أبو المعين يعارض رأى الأشعري في أن إيمان المقلد يخرج من الكفر لكنه ليس مؤمنا، وذلك لأنه واسطة بين الكفر والإيمان، فلو لم يكن الإيمان موجودا عنده اندفع إلى الكفر، وعد هذا القول مناقضة من الأشعري.
وبالنسبة لرأي أبو المعين، فيذكر أن طبقات الناس من حيث قدارتهم قسمان، قسم يوصف برجاحة العقل، وقسم بغلظ الأفهام وبلادة الخاطر، والله تعالى قد أرسل رسله تفضلا على القسم الأول بتسهيل الوصول لكيفية الاستدلال، وبالنسبة للقسم الثاني بإثبات طريق الوصول بمشاهدة المعجزة عن الرسول، أو الخبر المتواتر عنه، وإن لم يوجد منه استدلال، إذ جعل ذلك الطريق في حقهم كدلائل العقول في حق غيرهم. وأيضا أن الرسول لم يشتغل بتعليم الدلائل في كل مسألة اعتقادية، ولا يناظر إلا بقدر ما يدفع حجة الخصوم، ولم يعلم الناس طرق تركيب القياسات العقلية والإلزام والجدل، وكذا الخلفاء من بعده، كذلك إيمان أهل القرى وغيرهم مع خلوهم من صناعة الجدل، بل صدقوا عن طريق الخبر المتواتر بظهور المعجزات على يده، وكذلك إيمان الناس بالرسول لفصاحته ومعجزته وهو القرآن.
كل ذلك يدل على صحة إيمان المقلد - من لا يملك دليلا - لأنه مؤمن والإيمان تصديق، وقد وجد منه التصديق، أما الثواب الموعود فهو ينال بفضل الله سواء لحقته مشقة أو لم تحلقه.
وعن علاقة الإيمان بالإسلام يرى أبو المعين أنهما واحدا، وأنهما اسمان مترادفان، فكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن، وذلك لأن الإيمان اسم لتصديق شهادة العقول والآيات والآثار على وحدانية الله تعالى. وأن له الخلق والأمر لا شريك له في ذلك، والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها، وكذلك كل شيء بالعبودية لله تعالى لا شريك له، فحصلا من طريق المراد فيهما واحد. ويستدل بقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ سورة آل عمران:19 وقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ سورة آل عمران:85 والإيمان دين فلو كان غير الإسلام لكان أن لا يقبل.
ولقد كان من أسباب إثارة البحث في مسألة الإيمان وتعريفه وزيادته ونقصانه، هو الموقف من مقترفي الذنوب وخاصة الكبائر، فقد تعددت المواقف بإزاء الموقف من مرتكب الكبيرة، فمنهم من جعله كافرا ومنهم من جعله مشركا، ومنهم من قال غير مؤمن ولا كافر، ومنهم من قال منافق، ومنهم من قال مؤمن عاصي بما فعل من غير أن يطلق اسم الفسق والفجور ويكون لله تعذيبه بقدر ذنبه والعفو عنه بما علم منه من الصدق له، ومنهم من وقف في الوعيد. وهذه المواقف المتعددة أساسها المواقف المتعددة بإزاء آيات الوعد والوعيد وهل هي خاصة أم عامة، وأيهما أحق بالعموم أو الخصوص؟
وعلى هذا يمكن القول بأن المعتزلة والخوارج تقول بخلود صاحب الكبيرة في النار، وتقول المرجئة بإرجاء موقفه إلى الله تعالى وتتوقف في آيات الوعيد، وتقول الماتريدية بجواز العفو عنه ولله أن يعذبه بقدر ذنبه أو يعفو عنه، لكنه لا يخلد في النار. ولقد احتجت المعتزلة على خلود صاحب الكبيرة في النار، وأن القول بجواز العفو عنه، فيه خلف لآيات الوعيد، إذ أن الأخبار بتعذيب مرتكبي الذنوب عامة ومطلقة، ولو أخرج منها شيء لكان خلفا وكذبا على الله تعالى، ولا وجه إلى القول بالتخصيص، لأن حقيقة العموم متى وردت متعرية عن دليل الخصوص، كانت دلالة على إرادة المتكلم جميع ما تناوله اللفظ، وكأنه نص على كل فرد باسمه الخاص، فلا وجه للتخصيص إذ التخصيص هو دليل يدل على أن المخصوص غير داخل في العموم، وذلك لن يكون إلا بدليل متصل، وعند انعدام الدليل تبقى الصيغة متعرية عن الدليل، وهي عند تعريها دليل إرادة العموم فإخراج بعض ما تناوله العموم يكون نسخا وإنهاء للحكم، وذلك مستحيل على الله تعالى، أي أن المعتزلة تقول بالعموم في آيات الوعيد ولا وجه للتخصيص.
ولقد رد أبو المعين بأن أصحابه من الماتريدية لا يسلمون بأن القول بالعموم واجد الاعتقاد، لما أن التكلم بلفظة العموم والمراد بها الخصوص سائغ في اللغة حتى كان ذلك يغلب على رأي إرادة الحقيقة وهو العموم. وعلى هذا فالعموم يذكر ويراد به الخصوص، وما يقوم من دليل الخصوص متأخرا أو دليل القيد فهو بيان المراد لا النسخ، والصيغة المتعرية عن دليل الخصوص أو القيد ليست بدليل إرادة والعموم والإطلاق. أيضا القول فيمن آمن ثم ارتد يخلد في النار، ومن ارتكب كبيرة أو كان كافرا ثم تاب يخلد في الجنة، والصيغة مطلقة في الوعد والوعيد جميعا، فلا يوجد في صيغة الوعد شرط الموت على الإيمان، والوعيد شرط الموت على الكفر، فإما أن تقول بأن الشرط غير ملتحق بآيات الوعد والوعيد، فيكون الله كاذبا في إدخال صاحب الكبيرة الذي تاب أو الكافر الذي أسلم الجنة، وإما أن تقول بأن قيد الموت على الإيمان أو التوبة ملتحق بالوعد والوعيد وإن لم يكن مقرونا به، فإن قلت بالأول كفرت، وإن قلت بالثاني فقد تركت مذهبك. ولو قلت: وردت آيات الوعد وآيات الوعيد وجهل تاريخ نزولها، فجعلت كأنها منزلة مقترنة، فيصير البعض قيدا أو تخصيصا من البعض، قيل له: فلم أنت بجعلك آيات الوعيد قيدا في آيات الوعد أولى من خصمك بجعل آيات الوعد قيدا في آيات الوعيد؟ وأيضا قول الله تعالى لآدم حين أسكنه الجنة: ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ سورة طه:118-119 ثم لما وجدت منه الزلة عرى، قال الله تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ سورة الأعراف:22 أكان ذلك الوعد يتناول حال وجود الزلة أم لا؟ فإن قال: تناول، فقد ظهر كذب الله تعالى حيث وعد له أن لا تعرى، وإن قال: لم يتناول ترك مذهبه. وهكذا يحاول أبو المعين أن يبطل رأي المعتزلة في القول بالعموم في آيات الوعيد، وذلك ليثبت جواز العفو عن صاحب الكبيرة.
تلك بإيجاز أهم الآراء الكلامية لأبي المعين النسفي، وهو كان تابعا فيها لإمامه أبو منصور الماتريدي لكنه كان شارحا ومفصلا لما أجمله الماتريدي في عبارة أسهل وأوضح بالمقارنة مع مؤلفات الماتريدي خاصة كتابه "التوحيد" لغموض عبارته واستغلاقها أحيانا، كما يعد أبو المعين المدافع الأول عن آراء الماتريدي ضد الخصوم من معتزلة وغيرهم، وكذلك كان مبتكرا في أدلته التي أوردها على صحة مذهب الماتريدي.