اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُوفِّي صلاح الدين في قلعة دمشق عن عُمر يناهز السابعة والخمسين عاماً، بعد أن عانى من المرض الشديد، فقد خرج صلاح الدين في 14 صفر من عام 589هـ؛ للقاء الحُجّاج عند عودتهم من مكّة، وقد كان لقاءً مُؤثِّراً؛ إذ تأثَّر السلطان صلاح الدين وبكى حينها، وعندما رجع إلى دمشق بعد استقبال الحُجّاج، أصابَته حُمّى صفراويّة، واشتدّ المرض عليه حتى أصبحت حالته خطيرة، ويئس الأطبّاء من حالته ومن علاجه، وعندما انتشر خبر مرض صلاح الدين في دمشق، خاف الناس وحزنوا حزناً شديداً، وأصبحوا يزورونه في قلعة دمشق، ويدعون له بالشفاء العاجل، إلّا أنّه لم يدخل عليه سوى القاضي ابن شدّاد، والقاضي الفاضل، حيث لازمه كلاهما طوال أيّام مرضه.
ومن المواقف التي حدثت أيّام مرضه أنّه كان يجلس في اليوم السادس عند القاضي ابن شدّاد، وعندما أراد شُرْب الدواء أحضروا له ماءً ليشربَه، فشكا من شِدّة حرارته، فأحضروا له كوباً آخر، فشكا من شِدّة برودته، ثمّ قال: (سبحان الله، ألا يمكن أحداً تعديل الماء)، ولم يكن صاخباً أو غاضباً، وعندها خرج القاضِيان من عنده، واشتدّ بهما البكاء؛ حزناً وألماً على فراقه، وعلى سماحة أخلاقه، وفي اليوم العاشر من مرضه، حُقِن بالدواء، وتناول مقداراً من ماء الشعير، فارتاح قليلاً، ففَرِح الناس، واستبشروا بشفائه، وفي اليوم الحاديَ عشر من مرضه، قِيل بأنّ العَرَق قد أفرطَ من جسده، وبلّلَ الفراش حتى تأثَّرت الأرض به، وقد احتار الأطباء في أمره، وعندما رأى الملك الأفضل، وهو أكبر أبناء صلاح الدين أنّه لا أمل في شفاء والده، استأذن الناس أن يكون الأمر لوالده طيلة حياته، وله بعد مماته.
وفي دمشق، في ليلة الأربعاء في 27 من شهر صفر سنة 589هـ، تُوفِّي صلاح الدين الأيّوبي، وقد كانت هذه الليلة الثانية عشْرة من مرضه، حيث ساءت حالته، وكان نائماً طوال الوقت، فلم يُفِق إلّا ما نَدَر، كما أنّهم أحضروا له أحد المقرئين؛ ليقرأ عنده القرآن الكريم، وعندما قرأ الآية الكريمة: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) تبسَّم صلاح الدين، وفاضت روحه إلى بارئها، وكانت وفاته بعد صلاة الفجر، وقد فَزِع الناس لموته، وأصابهم حزنٌ شديدٌ، وكان دَفْنه حيث مات في قلعة دمشق، في يوم وفاته نفسه، قريباً من وقت صلاة العصر، وقِيل في صراخ الناس وبكائهم عليه إنّه يُخيَّل للسامع أنّ الدنيا تَصرُخ في صوت واحد.