اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأ عزمي بشارة حياته السياسيّة مبكراً خلال دراسته الثانوية، حيثُ كان نشيطًا في صفوف "الشبيبة الشيوعية". وعندما بلغ 18 عامًا، وتحديداً في عام 1974، أسس اللجنة القُطرية للثانويين العرب، والتي انتُخب رئيساً لها ضمن المؤتمر القُطري للطلاب الثانويين العرب، من قِبل كافّة المدارس العربيّة الموجودة في الداخل الفلسطيني، وقد كان ذلك يوم 6 أبريل 1974، وكان السبب من تأسيسه هو "الشعور الوطني العام لدى الطلاب العرب بالحاجة للنضال ضد الممارسات العنصرية"، واعتبره بشارة "أول تنظيم عربي على مستوى العرب في الداخل جميعاً". وقد بقي بشارة رئيسًا له مدّة عامين. وكانت هذه اللجنة تدافع ضد برامج التهويد والتمييز التي كانت تتبعها وزارة المعارف الإسرائيلية مع المدارس العربيّة.
وأثناء دراسته الجامعية، نشِط عزمي بشارة وبرز في الحركات الطلابيّة العربيّة واعتُبر أحد رموزها البارزين في تلك الفترة، فأثناء دراسته في جامعة حيفا، قام بالمشاركة في تأسيس "اتحاد الطّلاب الجامعيين العرب"، والذي قام بتمثيله في عام 1976 ضمن "لجنة الدفاع عن الأراضي العربية"، والتي أُعلنت يوم الأرض، وكان الهدف منها هو الدّفاع عن الأراضي العربية ضد المخطّطات الإسرائيلية الهادفة لمصادرة الأراضي العربيّة في فلسطين. وفي تلك الفترة، تم اعتقاله مرتين ضمن المظاهرات التي كان يقوم بها الطلاب العرب ضدّ اليمين الإسرائيلي في الجامعات.
تخلّص عزمي بشارة من الأيديولوجية الشيوعية مبكرًا بعد مرحلة الحركة الطلابية وبدأ التعبير عن نقده لها من منطلقات عروبية ديمقراطية خلال نشاطه في الحركة الطلابية، وتحرر منها خلال دراسته في ألمانيا. وفي عام 1995 شارك عزمي بشارة بتأسيس حزب التجمع الوطني الديموقراطي من منطلقات عروبية ديمقراطية. وقد جمع هذا الحزب عددًا من الوطنيين السياسيين الناشطين، فقد جمع بين حركة "ميثاق المساواة"، وحركة "أبناء البلد"، و"القائمة التقدّمية للسّلام"، وطلاب جامعيين وأعضاء سابقين في الحزب الشيوعي والمستقلّين. وكان عزمي بشارة منظر هذا الحزب وقائده منذ بداية تأسيسه، ولحين استقالته منه وخروجه من فلسطين عام 2007.
وقد نصّ الحزب على أهدافه ومبادئه في مؤتمره الثالث عام 1999 بأنّه: "حزب قوميّ عربيّ وطنيّ فلسطيني ديمقراطي في فكره وأهدافه السياسية، ويناضل من أجل العدالة الاجتماعية. ويقوم على الربط بين الهوية القومية ومبادئ الديمقراطية في ظروف الجماهير العربية في إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي بشكل عامّ، وذلك عبر التشديد على تنظيم المواطنين العرب كأقليّة قوميّة ذات حقوق جماعية، وتطبيق فكرة المواطنة المتساوية في مواجهة الفكرة الصهيونية والنظام السياسي – الاجتماعي الذي يقوم عليها".
قرر عزمي بشارة خوض الانتخابات للدخول إلى الكنيست الإسرائيلي، موضّحًا سبب دخوله قائلاً: "قرَّرْنا الاتجاه للبرلمان لتقديم نموذج مختلف دون أن نعتنق الصهيونية، ودخلنا ليس للاحتفاء بعضوية الكنيست، ولكن لتمثيل خط نضالي، فأنا داخل لهدف تمثيل قضايا العرب في الداخل، وتشكيل نقيض للخطاب الصهيوني من خلال الخطاب الديمقراطي الذي لم يعد حكرًا عليهم". وقد نجح في المرّة الأولى فانتُخب عضوًا للكنيست في عام 1996 بعد ترشحه في القائمة المشتركة بين الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديموقراطي. وأعيد انتخابه عام 1999 مرشحًا عن التجمع الوطني الديموقراطي، ثم أعيد انتخابه عام 2003، وكذلك أعيد انتخابه في عام 2006، وبقي في المنصب حتى استقالته عام 2007، وخرج من فلسطين مشتبهًا بهِ بتهمة "التعاون مع العدو في زمن الحرب". وقد شارك في تلك الفترات في عدد من اللجان منها: لجنة التحقيق البرلمانية للتجارة في النساء، ولجنة التربية والتعليم، ولجنة الدستور والقانون والقضاء، ولجنة شؤون مراقبة الدولة، وترأس أول لجنة فحص في مصير أموال الغائبين بعد عام 1948.
وقد أثارت دعوته إلى دولة المواطنين ردود فعل حادة من طرف الأحزاب الصهيونية عبر عنها في محاولات تجريم هذه الدعوة التي اعتبرها بعض الكتاب والباحثين وقادة الأحزاب الصهيونية الدعوة الأخطر ضد الصهيونية وإسرائيل، لأنها تشخص تناقضًا بين الديمقراطية ويهودية الدولة وتقوم بتصعيد حدة هذا التناقض، مما دفعهم لطرح مجموعة قوانين تؤكد على يهودية الدولة. رشح عزمي بشارة أثناء تواجده في الكنيست لرئاسة الوزراء في إسرائيل عندما كانت الانتخابات مباشرة. ثم ألغيت بعدها الانتخابات المباشرة لرئاسة الوزراء. ليكون بذلك أوّل عربيّ يترشّح لهذا المنصب، وكان ذلك في عام 1999، وكان بشارة يقول بأنّ لهُ أهدافًا استراتيجية وتكتيكية خلف ترشّحه للرئاسة تتعلق بطرح مطالب العرب في الداخل، وتتلخص الأهداف السياسية المباشرة بطرح مطالب عينية للمواطنين العرب والتفاوض عليها، إلا أن الهدف الأساسيّ البعيد المدى هو "تحدّي الطبيعة الصهيونية الإسرائيلية، ووضع مسار مضاد "لصهينة عرب الداخل" كما يقول، ولكي لا يصوت العرب لباراك أو نتنياهو المرشحين في ذلك الوقت. إلا أنّه عاد وانسحب من المنافسة عشية الانتخابات.
يركز عزمي بشارة على طابع الفصل العنصري في الصهيونية، وعلى ضرورة وجود مشروع وطني فلسطيني ديمقراطي في مواجهتها. كما يدعم حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. وقد كتب دراسات مطوّلة حول مأزق فكرة الدولة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو، والتي عارضها منذ توقيعها باعتبارها تستبدل الحقوق الوطنية الفلسطينية بإنقاذ منظمة التحرير، ناعتًا الاتفاقية "بالنّكبة" لحركة التحرير الوطني.
وطرح مبكرًا في مقالاته ضرورة التعامل مع إسرائيل كحالة استيطان كولونيالي أقام نظام فصل عنصري، ما يتطلب برنامجًا وطنيًا ديمقراطيًا في مواجهته. وطيلة حياة عزمي بشارة كان جزءًا من مقاومة المشروع الصهيوني، ساعيًا نحو دولة ديمقراطية علمانية تقوم على المساواة، ومنذ أن كان طالبًا في المدرسة الثانوية سعى مع زملائه من أجل محاربة تهويد مناهج التعليم، وضدّ التمييز اللاحق بالعرب. وفي المرحلة الجامعية كان يُكثر من إلقاء المحاضرات والتي كانت موضوعاتها عن مصادرة الأرض، والنضال ضد الاستيطان في المناطق المحتلة، والتعذيب في السجون الإسرائيلية، والتصدي لدعوات عنصريين مثل مئير كهانا لإلقاء محاضرات في الجامعة، والدفاع عن حرية التعبير في الجامعة. وعن البعد العربي للقضية الفلسطينية، يقول بشارة: "لن يتحرر العرب ما لم يتحرر الفلسطينيون، ولن يتحرر الفلسطينيون دون أن يتحرر العرب".
في عام 1999 أصيب برصاصة مطاطية أثناء اشتراكه بمظاهرة دفاعًا عن بيت ضد أمر الهدم في مدينة اللد، وقد تعرّض بيته في الناصرة إلى اعتداء من مئات العنصريين المنظمين بعد أن اتُّهم بالمسؤولية عن مظاهرات أكتوبر عام 2000 في الداخل في بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
جرت عدة محاولات لمحاكمة بشارة ونزع الحصانة البرلمانية عنه، ومنعه من خوض الانتخابات، وقد تمّ في أكثر من مرّة توجيه عدّة تهم هدفها التضييق عليه. ففي العام 2001 سافر عزمي بشارة إلى سوريا، وألقى هناك خطابًا فُسّر على أنّه خطاب متعاطف مع المقاومة، ولدى عودته إلى إسرائيل تمّ اتّهام بشارة بدعم منظمة إرهابية بحسب التعريف الإسرائيلي للإرهاب. وفي العام 2006 قام بزيارة سوريا مرّة أخرى، وكان يرافقة أعضاء من حزبه، حيث صرّح بأنّ مقاومة حزب الله قد رفعت الروح المعنوية للشعب العربي، وإثر ذلك قام وزير الداخلية الإسرائيلي روني بار أون بالطلب من المدّعي العام الإسرائيلي ببدء تحقيق مع قادة حزب التجمع عزمي بشارة، وجمال زحالقة، وواصل طه، حيث أنه وبعد زيارة بشارة الأولى إلى سوريا كان الكنيست الإسرائيلي قد مرّر قانونًا يقضي بمنع أعضاء الكنيست من زيارة أي بلد عدوّ.
في 6 أبريل سنة 2007، وبينما كان بشارة في سفرة خارجية، نشرت الصحافة خبرًا مفاده نية أحد أعضاء الكنيست العرب الاستقالة، ولمّحت إلى وجود سبب خفي. أثار هذا النشر ضجة إعلامية وسط تكهنات حول نيته العودة إلى إسرائيل وقد أصدر أمر منع نشر حول القضية. في 22 نيسان قدّم عزمي بشارة استقالته من عضوية الكنيست، وصرّح بشارة بأنّه قرر عدم العودة على المدى المنظور، وذلك لملاحقته ومحاولة سجنه لمدة طويلة بسبب مواقفه السياسية الداعمة للقضايا العربية والمقاومة العربية والمثيرة للجدل في الأوساط الإسرائيلية، مؤكدًا بأن استقالته من الكنيست لا تعني اعتزاله العمل السياسي.
وفي 22 أبريل تمّت إزالة جزئية لأمر منع النشر وتبيّن وجود تحقيق مع بشارة بسبب شبهات بأنه قام بنقل معلومات ومساعدة حزب الله في حرب لبنان 2006. وكانت التهمة هي "تقديم العون للعدوّ في زمن الحرب"، وإدخال أموال إلى الداخل. وفي أبريل من العام 2007 تحدث بشارة للآلاف من أنصاره في مدينة الناصرة هاتفيًا قائلاً: "أنّ ذنبه الوحيد هو أنه وطني فلسطيني يحب بلاده"، فيما ردّد المتظاهرون: "بالروح بالدم نفديك يا بشارة"، و"تحيتنا بحرارة للقائد عزمي بشارة". وفي 14 فبراير من العام 2011، تمّ إقرار قانون خاص لنزع الجنسية عن بشارة وآخر من أجل إلغاء صندوق تقاعد عزمي بشارة.
وقف عزمي بشارة في صف الثورات العربية التي اجتاحت عدة بلدان في أواخر عام 2010، منطلقًا من واجبات ما يسميه هو "المثقّف العمومي الأخلاقية" باتخاذ موقفًا ضد الظلم والارتباط بتطلعات الناس العادلة، وخصوصًا جيل الشباب الذي فجّر الربيع العربي، وهذا بالإضافة إلى واجبات المثقف العمومي التنويرية في عقلنة التفكير في قضايا المجتمع والدولة واتخاذ مواقف نقدية من الشعبوية. ورافق بشارة أصوات المتظاهرين في الميادين العربيّة، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل -وقبل ذلك- من خلال تطوير خطاب ديمقراطي وعقلاني في الوقت نفسه. ويمكن ملامسة ذلك أنّ كتبه الأخيرة مثل "أن تكون عربيا في أيامنا" و"المسألة العربية"، أصرت على أن مهمة الديمقراطية هي طرح مسألة نظام الحكم الديمقراطي بالتوازي مع التثقيف على قيم الديمقراطية وعدم انتظار انتشار الثقافة الديمقراطية، هذا إضافة إلى أنّ مقالاته وخطابه المعروف منذ نهاية التسعينيات مما روج لفكرة "دول المواطنين"، كانت في العديد من الحالات مراجع وبيانات للتغيير استند لها كثيرون في تحليل الأوضاع التي ثاروا عليها. واعتبر الانتفاضات الأولى للربيع العربي في نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 صرخة وجودية من أجل الحرية والكرامة.
انشغل بشارة منذ بداية الربيع العربي في مشروع بحثي يواكب الثورات تباعًا، فبدأ مع الثورة التونسية في كتابهِ "الثورة التونسية المجيدة" متعقّبًا الأسبابَ الجوهريّةَ التي أدت إلى الثورة التونسيّة، وعاقدًا مقارناتٍ علميّةً بين بعض المظاهر الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي سادت في تونس قبل الثورة، وبين مثيلاتها من المظاهر في دول عربيّة أخرى مرشحة للثورة. وشكّل الكتابة محاولة تحليليّة لفهم بنية الثورة التونسيّة، وصيرورتها من خلال يومياتها. كما يرصد الكتاب تاريخ الانتفاضات، ويشرح خريطة الأحزاب في تونس عشيّة نشوب الثورة. ثم يعرض تفاصيل الوقائع في يوميّات الانتفاضة، وكيف تطورت الأحداث تدريجيًا حتى لم يبقَ أمام زين العابدين بن علي غير الهرب.
ومع بداية الثورة السورية، كان عزمي بشارة مؤيدًا للثورة بالكتابة والظهور الإعلامي. وأرّخ لها في كتابهِ "سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن" (2013) ضمن مرحلتيها: المدنية السلمية والمسلحة، ومنطلقًا من تحليل بنية النظام وعلاقة المجتمع والدولة في سورية. مع رصد دقيق بالوثائق والشهادات لمظاهر الإستراتيجية التي اتبعها النظام السوري القائمة على قمع الثورة بالعنف، الأمر الذي أدى إلى توليد أنماط من العنف لم تكن مألوفةً قط في سورية. ويتناول الكتاب الوقائع المتحركة التي شبّت في المدن الرئيسة في سورية، وكيف بدأت الاحتجاجات سلميةً ثم انتقلت إلى العسكرة وحمل السلاح لاحقًا.
وقد واكب عزمي بشارة الثورة المصرية بمقولاته الفكرية وتنظيره السياسي وتحليلاته، وأنجز مجموعة من المقالات والدراسات عن الثورة المصرية، وكان بشارة من أبرز المعلقين السياسيين على أحداث الثورة المصرية ومواكبًا لها يوما بيوم، وأصدر أخيرًا كتابًا بحثيًا ضخمًا بمجلدين هو "ثورة مصر"، راجع فيها تاريخ ما أسماه جمهورية يوليو وانتقال مركز النفوذ والقوة في السلطة من الجيش إلى منصب الرئاسة وأجهزة الأمن، ونشوء صراع المؤسسات وتاريخ الاحتجاج في مصر، ووثق الثورة منذ 25 يناير وحتى الانقلاب العسكري مبينًا الأفكار التي أوصلت إلى الانقلاب في طموح الجيش للحكم، والصراع بين النخب المصرية قبل استلام السلطة وتفكيك الدولة العميقة، وفي عدم توافقها مع النظام الديمقراطي وأسسه قبل اللجوء إلى الانتخابات.
في بداية عام 2017 صدر كتاب "في نفي المنفى" وهو عبارة عن مقابلة مطولة أجراها عزمي بشارة مع الصحفي صقر أبو فخر، لخّص فيها سيرته الفكرية والسياسية، وأعلن فيها اعتزاله العمل السياسي المباشر، قائلاً عن سبب اعتزاله: "للتفرغ للبحث والكتابة والإنتاج الفكري، فهو الأهم والملحّ والممكن في هذه الظروف". وأوضح في مقابلة له مع التلفزيون العربي بأن قراره اختمر لديه منذ عامين، ويريد التركيز فقط على الجانب الفكري والبحثي وتثقيف الأجيال كمهمّة أساسية، مضيفًا: "ولكنني سأتخذ مواقف بوصفي مثقفاً ملتزماً بقضايا الناس كما عرف عني، ولن أغادر شخصي أو ضميري، وسأبقى حيث أنا".