اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حوار الحضارات فكرة من أول من تكلم بها المفكر الفرنسي روجيه جارودي عبر نظريته الرائدة ومشروعه للجمع بين الحضارات المختلفة على أساس أرضية مشتركة للتفاهم على مستوى شعوب الأرض وسماه بـ" حوار الحضارات ".
تم إنشاء العديد من المؤتمرات، والجمعيات، والمؤسسات، الداعية لترسيخ (سياسة الحوار)، والتفاهم، والتعايش السلمي .. بدلا من الصدام، وتبني العديد من الكتاب هذه النظرية، ودعوا إلى تنمية الحوار بين العالم الإسلامي والغرب.. حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه.. وقد حددت الأمم المتحدة عام 2001 م، عام حوار الحضارات، وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب.
نعم، إن الحضارات يجب أن تتحاور ولا تتصادم، فالعالم يعيش مرحلة مخيفة، ويمر بمتغيرات صعبة في ظل تنامي العولمة، فنجد أن المجتمع أصبح يتصدى للكثير من أخطار الأفكار الرائجة والتي تهدف أساساً لانهيار وزعزعة الأمن في الكثير من الدول والأمم سواء كانت تلك الأخطار مباشرة أوغير مباشرة، داخلية أو خارجية.
وفي الآونة الأخيرة جاء مشروع «حوار الحضارات» ليوضح ويعبر لنا ما هو يمكن أن يكون مشتركاً بين الدول من أجل تقوية علاقاتهم وإن وجد الاختلاف، آخذين في عين الاعتبار أن مقاييس الاختلاف والتشابه لا تقاس بين البشر بمقياس محدد فلابد من التنازل من اجل زمن صعب وجيل مختلف وعالم متغير بفضائه المشاع المتسع للجميع.
إن الحوار بين الحضارات، يتطلب الوعي والحضور والشهود .. وعي بالعالم بمتغيراته وأحواله ووقائعه المتسارعة، ووعي بالإمكانات المتوفرة في فضائنا المعرفي والإنساني، وحضور وشهود من أجل ألا تبقى هذه العناصر والأمور، حبراً على ورق، وإرادة وأمنيات ليس لها أي نصيب من التحقق والتنفيذ.
وإن امتزاج الوعي بالإرادة، والمعرفة بالشهود، والقدرة بالحكمة، والفكرة بالتدبير، هو الذي يجعلنا أصحاب مبادرة استراتيجية في الحوار الحضاري.
فالامتزاج الرشيد الآنف الذكر، هو الذي يخرجنا من قوقعتنا الفكرية، وعزلتنا داخل أسوار ذواتنا وعقولنا، وبه نتوجه إلى الأمم والعوالم المختلفة للتعرف على ثقافتهم ومعارفهم وتاريخهم، كمقدمة ضرورية للمشاركة في الصياغة والتشكيل وفتح الآفاق الجديدة.
وبالتالي فإن الدعوة إلى حوار الحضارات، تكون دعوة إلى ممارسة الخصوصية والتعلق بالهوية على نحو فعال ومنتج.
تتيح لنا أن نبني راهننا، دون رمي ماضينا في سلة المهملات، كما أن عيوننا ستستمر في التحديق صوب المستقبل والقبض على كل الأسباب التي تجعل مستقبلنا متقدماً وزاخراً بالإبداع والمدنية.
كما أن عملية الحوار بين الحضارات، تهيئ الأرضية الاجتماعية والمعرفية والسياسية، لانبثاق مجموعة من الأفكار والمشاريع التي تهتم بوضع الإنسان ومستقبله. وكلما تعمقت تقاليد الحوار والتواصل، نتجت أفكار جديدة ومشروعات متطورة، تهتم ببعد تطوير وضع الإنسان ومستقبله.
فحوار الثقافات والحضارات، ليس حواراً من أجل تحديد نسبة الصح أو الخطأ في كل ثقافة وحضارة، وإنما من أجل استفزاز العقول وتحفيز المعارف، من أجل توليد الأفكار الجديدة، وخلق المشروعات الحضارية، التي تأخذ على عاتقها رعاية وتطوير حقول التواصل، والحوار بين الثقافات والحضارات.
كما أن الحوار بين الحضارات، يتم من أجل استيعاب الصفات الجمالية في كل حضارة. وبهذا يتبادل الناس خبراتهم، وتزداد معارفهم، وتعم مشاركة كل ثقافة في تطوير الثقافات الأخرى.
وجماع القول ان الإسلام كمنظومة قيمية ومثل ومبادئ عليا، يحفز ويحرض المسلمين في كل العصور، على ممارسة دور الشهود، والحضور، في هذه الحياة. ولا يمكن أن يمارس المسلمون هذا الدور إلا بالتفوق الحضاري، الذي يؤهل المجال الإسلام،ي لممارسة دوره ووظيفته التاريخية.
وفي إطار ممارسة دوره التاريخي، يؤكد الإسلام على ضرورة التواصل والحوار مع الثقافات، والحضارات الأخرى، وذلك من أجل تعميق الجوامع المشتركة، وتفعيلها وصيانة المنجزات الإنسانية، والحضارية، وبلورة دعائم نظام عالمي يكون أقرب إلى الحرية، والعدل، والتسامح.
يقول البروفيسور حامد الرفاعي، في كتابه (شركاء .. لا أوصياء): وحيث أن الناس اليوم ومن قبل على تنوع في الاعتقاد، وعلى تنوع في الثقافات، وعلى تنوع في الفلسفة، والنظرة للحياة والكون، جاء على أساس من ذلك "التنوع في التعددية الحضارية".
وبرزت في إطار "التعددية الحضارية"، تعددية قيم ومبادئ، وسلوكيات الأداء الحضاري بين الناس بكافة، وبين المجتمعات الدولية بخاصة، وأحسب أن الخطورة التي تواجهها المسيرة الحضارية في الأرض اليوم، مصدرها التناقضات الثقافية والمعايير المضطربة والسلوكيات الشاذة في الأداء الحضاري، ومردها إلى التدهور الأخلاقي والقيمي، في ميادين استثمار وتوظيف العطاء الحضاري المادي، والذي كما أوضحنا من قبل هو عطاء حيادي، فالمادة ليس لديها إلا الخير، ولم تسخر بين يدي الإنسان إلا لخير، ولكن سلوكيات الإنسان، وقيمه وأخلاقياته، هي التي تحدد وترسم سلوكيات وأخلاقيات استخدام العطاء الحضاري، واستثمار وتوظيف الناتج الحضاري، ومن هنا يبرز جوهر العلاقة بين الشق المادي للحضارة، وهوية شقها الثقافي الذي أنتجها.
والتاريخ قديمه، وحديثه، يقدم لنا نماذج واقعية عن مسؤولية الثقافة، والقيم، والمبادئ، في تحديد هوية الحضارات، وسيرها سلباً أو إيجاباً، تقدماً أو تخلفاً، استمرارية أو اندثاراً.
فالتاريخ يحدثنا، أن أقواماً منذ بدء حركة الإنسان في الأرض، بذلوا جهدهم وأعملوا عقولهم، في تفعيل واستثمار طاقة الأشياء من حولهم، وقامت حضارات، واندثرت أخرى، وأبدعت ثقافات أقوام في عطائها الحضاري، وأخفقت أخرى، وأحسن قوم، وأساء آخرون.
والدراسات والتأملات في سيرة الحضارات البائدة، تؤكد أن الجانب الثقافي، والقيمي، كان المسؤول الأول عن نمو وارتقاء الحضارات أو تخلفها واندثارها، كما يجده الباحث واضحاً وبيناً في تتبع سيرة بعض الحضارات مثل: حضارة حمورابي، وحضارة مانو، وبوذا، وكونفوشيوس، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، مما لا يحتمل المقام التفصيل بشأنها واستعراضها، ولكن يمكن القول وباختصار أنها بجملتها قامت على مزيج من الأوامر الدينية، والأعراف، والفلسفات، وأنها خلطت في مسيرتها بين الخير والشر، والعدل والظلم، واحترام الإنسان في جانب، واحتقاره وإذلاله من جانب آخر.
وقد قامت هذه الحضارات، وبادت بسبب من ظلم أهلها، وتخلفهم الثقافي والقيمي، رغم أنهم جميعاً بذلوا جهوداً كبيرة في البحث عن مكنونات الأرض وتفعيل طاقاتها، وأشادوا ضروحاً شامخة من البناء الحضاري المادي، التي لا يزال الكثير من آثارها شاهداً على عظمة إبداع ومهارات تلك الأقوام في أزمنتهم، إلا أنهم للأسف بادوا واندثروا، ولم يخلفوا للأجيال البشرية، ما تستفيد منه.
وعلى حساب إنسانية الإنسان، يقول الرئيس الأسبق الإتحاد السوفييتي، ميخائيل جورباتشوف، في كتابه (البيريسترويكا) ، محاولاً تدارك ذلك، باعثاً صرخاته، ولكن بعد فوات الأوان .. وإليكم نماذج مما يقول :
إن الجانب الأكبر من الأسلحة النووية يتركز لدى الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن عشرة في المائة، أو حتى واحد في المائة من إمكانياتها، كاف لإنزال أضرار لا يمكن إصلاحها مالم تتداركه قيادته قبل فوات الأوان، أو تتداركه العناية الربانية بالهداية والرشد.
ويقول الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية، ريتشارد نيكسون، في كتابه الشهير (الفرصة السانحة)
أما في كتابه (نصر بلا حرب) ، 1999م، يقول الرئيس نيكسون:
ويقول (جـون فوستر دالاس) وزير الـخارجية الأمريكـية الشهير:
أما (الكسيس كاريل) الحائز على جائزة نوبل للعلوم ، يقول في كتابه الإنسان ذلك المجهول :
ويقول البروفيسور جود، رئيس قسم الفلسفة في جامعة لندن:
ويقول المستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا المشهور:
ومع كل ما يؤكد كرامة الإنسان وآدميته، ويطلق حريته في اختيار معتقده ومنهج حياته وقيمه، التي تلبي نداءه الفطري وعالمه الداخلي المادي والروحي، نحن المسلمين مع كل كلمة مسؤولة، وتحرك مسؤول ومنهج مسؤول، يعمل على تحقيق العدل والاستقرار والسلام من أجل تعايش إنساني حضاري آمن.
ولكن مع ترحيبنا، بكل ما جاء من كلام إيجابي مسؤول على لسان كل من الرئيس جورياتشوف، والرئيس نيكسون، وغيرهما من عقلاء العالم، مما ذكر بعض منه.. فإننا نأسف للتناقضات الميدانية والممارسات الظالمة المشهودة في أوروبا، وأمريكا، وفي كثير من بلدان العالم، التي تنتقص من مصداقية هذه الأقوال، وتحرجنا نحن عقلاء المسلمين، من التحدث بها بين يدي أجيالنا، والتي واجهت، ولا تزال تواجه الظلم، والقهر، والذبح، والإبادة، والانتهاك الوقح للحرمات والقيم ولأدنى حقوق الإنسان في أكثر من مكان.
لذا فإننا نطالب، وننصح، بأن يصغي المسؤولون في الغرب، وفي العالم، إلى نداءات وصرخات الإصلاح التي ترتفع بها أصوات العقلاء والحكماء في العالم. بما يؤكد حرصهم المعلن على نظام عالمي تسوده القيم والمبادئ، ويقوم على التوازنية بين عالم المادة وطموحاته، وعالم الحضارة البشرية.