اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هل يمكن أن يعيش الإنسان يغير دين؟، التجربة التاريخية تقول لا !، فقد حاول الإنسان أن يُحل العلم محل الدين وفشل، حاول أن يستغني عن ربه وفشل!، حاول أن ينكر وجوده وفشل! .. ما زالت الروح الإنسانية في قلق وتعب تبحث عن ركناً ركيناً لراحتها وهو الدين، إلا أن تعدد الأديان وتنوعها واختلافها ما يجعل بعض الناس في حيرة: أيهما الدين الحق؟، ومن الطبيعي أن الأديان تحتكر الحقيقة وتحتكر النجاة وترمي الآخرين بالكفر، فما العمل؟..
البعض يري الصراع حلاً !، من ينتصر يسود !، والدنيا لمن غلب !، البعض يري المقارنة والمناظرة والسجال صراع دون دم؛ فالبعض يضع الحجج والبراهين والحيل البلاغية والمنطق، والبعض يري الحوار- أي حوار الأديان ! .. لا من أجل تغيير المؤمن لدينه، بل لأجل مزيد من وعي المؤمنين بأديانهم، مزيد من القبول، والتفهم بغيرهم .. مزيد من التعايش، من التفاهم لا العنف، من المودة لا الكراهية، فكيف يتحاور أصحاب الأديان المختلفة؟ ولماذا يخوضون هذه المغامرة وسط مزايدات المتطرفين من مختلف الأطراف؟ وهل هو حوار مجدي وفعال؟ أم أنه محاولات لتأجيل المواجهة؟ وهل يملك كل طرف ما يؤهله لخوض حوار ندي أم أن طرفا يطغي علي الآخر؟ وما هو ماضي هذا الحوار؟ وتاريخه وما حاضره؟ والمهم ما مستقبله؟
في هذا المقال نحاول أن نجيب علي تلك التساؤلات، حيث يمكن القول بأنه: حين هاجر المسلمون إلي الحبشة هرباً من البطش القرشي، أرسل القرشيون خلفهم من يأتي بهم، ووقف الفريقان يتناظران بالحجة أمام النجاشي (ملك الحبشة) وكان مسيحياً، فحاول كفار مكة أن يكيدوا للمسلمين وادعوا كذباً أن المسلمين يسيئون للمسيحية، فقرأ جعفر بن أبي طالب علي ملك الأحباش آيات القرآن الكريم التي تتحدث المسيح وأمه مريم ( سيدة نساء العالمين) فأنصت النجاشي لما يتلي، ثم قال: إن هذا (أي القرآن) هو الذي جاء به عيسي (أي الإنجيل) ليخرج من مشكاة واحدة (أي من مصدر واحد) ..
أدرك النجاشي أن الرسالة واحدة، وأن المصدر واحد، وإن اختلفت المذاهب وتنوعت التشريعات، والمتأمل للتشريعات الإلهية في الأديان الإبراهيمية يجدها واحدة في جوهرها وغاياتها ومقاصدها، لكنها تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والمقامات، وقد تبادل أصحاب الشرائع السماوية التأثير في بعضهم البعض ؛ تجد ذلك في التصوف والرهبنة، كما تجده في التأثير الإسلامي الواضح في صياغات التلمود وبعض التشريعات اليهودية .
وقد ساهم هذا التفاعل والتأثير والتأثر في تعزيز التعايش السلمي بين أصحاب الديانات السماوية، وعاش اليهود والمسيحيون والصابئة قروناً طويلة في ظل الحكم الإسلامي، وتركوا من الآثار الفكرية والأدبية الدينية وكتب النقاش والحوار والتناظر، بل والاشتباك الفكري مع المسلمين ما سجله التراث الإسلامي واحتفي به، وأعاد استكشاف الآخر من خلاله، بل واكتشاف نفسه وعقيدته وذاته الدينية والحضارية .