English  

كتب حكم الأندلس

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

حُكم الأندلس (معلومة)


كانت ميادين الجهاد أمام المرابطين متعددة، فهناك الجنوب وأفريقيا، ولكنهم أقلعوا عن هذا الاتجاه بسبب وجود الأمير أبي بكر بن عمر الذي اختار الصحراء ميدانًا لجهاده، وكان هناك مجال نحو الشرق حيث توقف الفتح عند حدود بجاية التي يحكمها بنو حماد الصنهاجيين، ولكن يوسف آثر ألا يتقدم شرقًا بسبب القرابة التي تربطه ببني حماد. بعد أن أطلت دولة المرابطين على شواطيء البحر المتوسط التي كانت عرضة لغارات الفرنجة، كان لا بدّ من اتخاذ إجراءات وقائية لصد هذه الغارات، يضاف إلى ذلك أوضاع الأندلس المضطربة بعد سقوط الخلافة الأموية وقيام دول الطوائف، وآلت أوضاع الأندلس إلى السوء، وأصبح لا حول لها ولا قوة مما شجع النصارى على توجيه الضربات المتتالية للمسلمين. استمرت حالة التردي في الأندلس حتى استطاع ألفونسو السادس الاستيلاء على طليطلة عام 478 هـ الموافق 1085، ثم واصل غاراته حتى استطاع الاستيلاء على المدن والقرى مابين وادي الحجارة إلى طلبيرة، ثم بدأ ألفونسو في الضغط على مملكتي بطليوس وإشبيلية، وأرسل إلى المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس يطلب إليه تسليم بعض الحصون والقلاع المتاخمة لحدوده مع تأدية الجزية.

استنجاد أهل الأندلس بالمرابطين

أرسل المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس رسالة إلى يوسف بن تاشفين يرثي إليه حالهم وما آل إليه أمرهم وقال: «لما كان نور الهدى دليلك وسبيل الخير سبيلك، وصح العلم بأنك لدولة الإسلام أعز ناصر، وعلى غزو الشرك أقدر قادر، وجب أن تستدعى لما أعضل الداء، وتستغاث فيما أحاط الجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو تطيف بها عند إفراط تسلطها واعتدائها، وشدة ظلمها واستشرائها، ولم يزل دأبها التشكيك والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى نفذ الطارف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المتن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، وأُضرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هم في أيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، فيا لله ويا للمسلمين، أيسطو هكذا بالحق الإفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ألا ناصرًا لهذا الدين المهتضم، ألا حاميًا لما استبيح من حمى الحرم، وما أحضك على الجهاد بما في كتاب الله، فإنكم له أتلى، ولا بما في حديث رسول الله، فإنكم إلى معرفته أهدى، وفي كتابي هذا الذي يحمله إليكم الفقيه الواعظ، مسائل مجمله يفصلها ويشرحها، ومشتمل على نكت هو يبينها لكم ويوضحها، وقد عولت على بيانه، ووثقت بفصاحة لسلانه، والسلام»، فلما وصلت الرسالة لابن تاشفين أكرم حامليها وطمأنهم، ووعدهم بالإمداد والعبور للأندلس، وفتح باب الجهاد في سبيل الله عندما تسنح الفرصة، وتزول العوائق التي تقف في طريق المرابطين.

ثم كان اجتماع قرطبة، حيث عقد مؤتمر شعبي شارك فيه مجموعة من أمراء وأعيان الأندلس، واجتمعوا بالقاضي عبيد الله بن محمد بن أدهم، وقالوا له: «ألا تنظر ما فيه المسلمون من الصغار والذلة، وإعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها، وقد غلب على البلاد الفرنج، ولم يبقى إلا القليل، وإن دام هذا عادت نصرانية، وقد رأينا رأيًا نعرضه عليك، قال: وما هو، قالوا: نكتب إلى عرب أفريقية ونبذل لهم إذ وصلوا إلينا شطر أموالنا، ونخرج معهم مجاهدين في سبيل الله، قال ابن أدهم: المرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا، فقالوا: كاتب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، واسأله العبور إلينا، وإعانتنا بما يتيسر من الجند». وفي غرة جمادى الأولى من عام 479 هـ أرسل ابن عباد رسالة لابن تاشفين: «إلى حضرة الإمام أمير المسلمين، إنا نحن العرب في هذه الأندلس، قد تلفت قبائلنا وتفرق جمعنا، وتوالى علينا هذا العدو المجرم اللعين أذفنش، أسر المسلمين وأخذ البلاد والقلاع والحصون، وليس لنا طاقة على نصرة جاره ولا أخيه، وقد سائت الأحوال وانقطعت الآمال، وأنت أيدك الله ملك المغرب، استنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم، لتجوزوا لجهاد هذا العدو الكافر، والسلام على حضرتكم السامية، ورحمة الله تعالى وبركاته»، ولما وصل الكتاب لابن تاشفين أكرم حامليها، ثم استشار قادته وأمراءه، وأشاروا عليه بعبور الأندلس، فأرسل للمعتمد رسالة: «من أمير المسلمين إلى المعتمد بن عباد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد، فإنه وصل خطابكم المكرم، فوافقنا على ما تضمنه من استدعائنا لنصرتك، وما ذكرته من كربتك، فنحن يمين لشمالك ومبادرون لنصرتك وحمايتك، وإنه لا يمكننا الجواز إلا أن تسلم لنا الجزيرة الخضراء، تكون لنا، لكي يكون إليك على أيدينا متى شئنا، فأن رأيت ذلك فأشهد به نفسك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ووافق المعتمد بن عباد على تسليم المدينة للمرابطين، وبذلك وافق المرابطون على العبور للأندلس.

عُبور الأندلس

ما إن أعطى المعتمد بن عباد موافقته على إعطاء المرابطين الجزيرة الخضراء، حتى أعطى يوسف بن تاشفين أمره لخمسمائة فارس بالتجهز للعبور إلى الأندلس كمقدمة لبقية الجيش، وبدأ الفرسان بالتوافد على الجزيرة الخضراء، ونزلوا بدار الصناعة، وضُرب معسكر للفرسان، وأخذ الفرسان بالتوافد حتى اكتمل عددهم وقد أحاطوا بالجزيرة من كل جهة، وأحدقوا عليها يحرسونها بقيادة داود بن عائشة، ثم انطلقت كتائب المرابطين تجوز البحر متوجهة إلى الأندلس، وركب ابن تاشفين البحر متوجهًا للأندلس العبور الأول دعا الله: «اللهم إن كنت تعلم أن جوازي هذا خيرًا وصلاحًا للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه»، وكان ابن تاشفين قد أمر بعبور الإبل من المغرب إلى الأندلس لأغراض عسكرية، فعبر منها ما أغص الصحراء، وارتفع رغائها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة قد رأوا جمالًا قط، ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان هذا قصد يوسف بن تاشفين في عبورها، فلما كانت المعركة كانت خيل الإفرنج تحجم عنها، وبهذا تكون قوة المرابطين قد أكملت عبورها إلى الأندلس، وحلت في الجزيرة الخضراء، وأصبحت قريبة من أرض المعركة، ولم يعد يفصلها بين القتال فاصل، فالقوات القشتالية كانت تغير على أي مكان في الأندلس، وتعيث وتخرب ثم تعود إلى ألفونسو، ولهذا أمر ابن تاشفين بتقوية حصون الجزيرة الخضراء، وشحنها بالسلاح والذخيرة والطعام، وتشديد الحراسة عليها لتكون قاعدة حصينة، ونقطة اتصال أمينة بين دولتي الأندلس والمغرب. ما إن علم المعتمد بوصول ابن تاشفين الجزيرة الخضراء حتى أرسل ابنه للقائه، بينما انشغل هو في بتأمين مؤن الجيش، ثم أمر المعتمد جنده بالتجهز والاستعداد للحاق بجيش المجاهدين، وسار لاستقبال ابن تاشفين، والتقيا في معسكر ابن تاشفين، ولم يبقى أحد من ملوك الطوائف في الأندلس إلا بادر وأعان وخرج وأخرج، ولما اكتملت الاستعدادات وتهيأ الجند للتحرك يقودهم ابن تاشفين، أشار عليه ابن عباد بالسير لإشبيلية ليستريح من وعثاء السفر فأبى وقال: «إنما جئت ناويًا جهاد العدو، فحيثما كان العدو وجهت نحوه».

كان يوسف بن تاشفين على رأس الجيوش الإسلامية المتجمعة في الجزيرة الخضراء، والتي وهبها المعتمد للأمير يوسف لتكون مقرًا لجنده، ومركز اتصال وإمداد للمجاهدين، وخطًا مأمونًا للعودة، وقد انضمت قوات المعتمد بن عباد أمير إشبيلية، وبعض قوات ابن صمادح أمير ألمرية، وعبد الله بن بلقين أمير غرناطة، وأخوه تميم أمير مالقة إلى معسكر المرابطين، وقدم القادر بن ذي النون والمتوكل بن الأفطس، فأمرهم أمير المسلمين ابن تاشفين أن يكونوا في معسكر ابن عباد، فأصبح المسلمون معسكرين: معسكر الأندلس ومعسكر المرابطين. أصبح القائد العام لقوات الأندلس المعتمد بن عباد، ثم وزع المسلمون جيشهم كالتالي: المقدمة ويقودها المعتمد بن عباد ويؤازره أبو سليمان داود بن عائشة في عشرة آلاف فارس من المرابطين، والميمنة يقودها المتوكل على الله عمر بن الأفطس أمير بطليوس، والميسرة فيها أهل شرق الأندلس، الساقة فيها سائر أهل الأندلس، القوة الاحتياطية يقودها أمير المسلمين وهي مؤلفة من نخبة من أنجاد المرابطين وأهل المغرب وحرسه الخاص، ثم انطلق جيش المسلمين باتجاه العدو، واستمر في سيره حتى وصل مدينة بطليوس، واستقبلهم المتوكل بن الأفطس على مقربة منها، وقدم لهم المؤن والضيافات اللازمة، وانتهى إلى سهل يقع شمال بطليوس، على مقربة من حدود البرتغال الحالية، تسمية المراجع الإسلامية الزلاقة ويسميه الأسبان Sagrajas.

جاءت أنباء عبور المرابطين إلى ألفونسو السادس وهو يشدد الحصار على مدينة سرقسطة، مما اضطره لرفع الحصار عنها، والتفرغ لإعداد الخطط وتجميع القوى، فأرسل إلى ابن ردمير الذي كان يحاصر مدينة طرطوشة، وإلى ألبار فانيث القائد القشتالي الذي كان يحاصر بلنسية، فأتياه بجيشهما، وبعث إلى قشتالة وجليقية وليون، فأتى من تلك البلاد حشود كبيرة، واستمر ألفونسو في الاستنفار والحشد من أرجاء أوروبا، وأخذت النجدات تتوافد إلى قشتالة، حتى استكمل ألفونسو استعداداته العسكرية كاملة، فسار في عدة وعتاد.

خيّر ابن تاشفين ألفونسو بين الإسلام أو دفع الجزية أو الحرب عملًا بالسنة، وجاء في رسالة بعث بها يوسف إلى ألفونسو: «بلغنا يا أذفنش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيت أن تكون لك سفن تعبر بها إلينا، فعبرنا إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه الساحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال)»، ولما وصل كتاب يوسف إلى ألفونسو لم يستجب لدعوته، وقال للرسول الذي حمل الرسالة: «إن صاحبكم يوسف بن تاشفين قد تعنى من بلاده وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقي ولا أكلفكم تعبًا، أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقًا بكم وتوفيرًا عليكم». كان معتادًا في مثل هذه الحالات، واستنادًا لبعض الأعراف المتبعة في تلك العصور أن يحدد يوم المعركة بموافقة الطرفين، وكان وصول ألفونسو أرض المعركة في شهر رجب من عام 479 هـ الموافق لشهر أكتوبر من عام 1086، فلما أصبح يوم الخميس أرسل ألفونسو رسالةً يقترح فيها تحديد يوم الإثنين ميعادًا للمعركة بين الطرفين، وكان المسلمون ومع إحساسهم بأن ألفونسو إنما أراد من يوم الإثنين الغدر والخديعة، إلا أنهم وافقوا على اقتراحه بعد أن ضاعفوا الحراسة وأخذوا الاحتياطات الازمة، وبثوا عيونهم وطلائعهم يترصدون أي حركة للعدو، وهذا ما أثبته يوسف بن تاشفين في رسالته إلى المعز بن باديس صاحب أفريقية، وذلك بعدما انتصر في الزلاقة: «فوقع الاتفاق بيننا وبينه على الملاقاة يوم الإثنين، وقال ألفونسو: الجمعة عيد المسلمين، والسبت عيد اليهود، وفي معسكرنا منهم خلق كثير، والأحد عيدنا، فافترقنا على ذلك، وأضمر اللعين خلاف ما شرطناه، وعلمنا أنهم أهل خداع ونقض عهود، فأخذنا أهبة الحرب لهم وجعلنا عليهم العيون».

معركة الزلاقة

    في عام 483 هـ الموافق 1090 عبر ابن تاشفين البحر متجهًا نحو الأندلس العبور الثالث برسم الجهاد، وعبوره هذه المرة دون طلب استغاثة أو نجدة كما حدث في الجوازين السابقين، فسار نحو طليطلة مُجتاحًا أراضي قشتالة، وكان يرغب في استرجاع المدينة، فضرب الحصار حول المدينة وكان فيها ألفونسو السادس ملك قشتالة، ولكن يوسف تراجع أمام أسوارها المنيعة وارتد نحو الجنوب، كُل ذلك ولم يتقدم أحد من الأندلسيين لمساعدته ضد عدوهم ألفونسو. اتجه يوسف نحو غرناطة وبها الأمير عبد الله بن بلقين، الذي عمد بعد حصار لييط إلى تشييد الحصون والاستعداد لحصار طويل الأجل استعدادًا لمقاومة المرابطين، قسم ابن تاشفين جيشه إلى فرق، أرسل أحدها إلى غرناطة للاستيلاء عليها، وضربت بقية الفرق شبه حصار على كورتها لمراقبة الحصون من تغلغل النصارى لمساعدة حليفهم، وبعد حصار دام شهرين أرسل عبد الله يطلب الأمان من ابن تاشفين، فأمنه واستلم منه غرناطة فملكها، وبعث بعبد الله وأخيه تميم بن بلقين أمير ملقة إلى مراكش مع حريمهما وأولادهما، فأقاما بها وأجرى عليهما الإنفاق.

    ولما خلع ابن تاشفين بني باديس وملك غرناطة وملقة، خاف المعتمد بن عباد على ملكه، ولما رجع ابن تاشفين إلى مراكش، ولى على الأندلس القائد سير بن أبي بكر، فسار نحو إشبيلية، فراسل ابن عباد على أن يسلم إليه البلاد ويدخل في طاعة ابن تاشفين، فامتنع ابن عباد، ففرض سير الحصار على إشبيلية، وبعث بعض قواده إلى قرطبة، وكان أميرها المأمون بن المعتمد بن عباد، فوقع بين الطرفين معركة انتهت بمقتل المأمون وفتح قرطبة، وكان ذلك عام 484 هـ، ثم فتح المرابطون بياسة وأبدة وحصن البلاط والمدور، ولم ينقض شهر حتى لم يبق لابن عباد مايملكه من أرض سوى إشبيلية. لما اشتد الحصار على ابن عباد بعث إلى ألفونسو يطلب منه العون لقتال المرابطين، فبعث إليه قائده القومس في جيش من عشرين ألف فارس وأربعين ألف راجل، والتقى الجيشان قرب حصن المدور، وكان النصر للمرابطين، فرجع سير وشد الحصار على إشبيلية حتى دخلها عنوة عام 484 هـ، وقُبض على المعتمد وأهله، وحملوا إلى أن وصلوا لابن تاشفين في مراكش، الذي أمر بنفيه إلى أغمات، فسجن بها واستمر سجنه إلى أن مات عام 488 هـ. ثم ملك المرابطون بعد ذلك مابقي من بلاد الأندلس، ولم يبقى لملوك الطوائف ذكر بها، وأصبحت الأندلس تحت سلطة المرابطين، وانتهى عصر ملوك الطوائف.

    معارك شرق الأندلس

    اضطربت الأحوال شرق الأندلس بعد أن تجددت رغبة النصارى في الاستيلاء عليها، فهاجموا غرسية وألمرية ومرسية وشاطبة. قرر ابن تاشفين مواجهة الأمر بتعيين ابنه محمد واليًا على شرق الأندلس، فسار محمد نحو مرسية والتقى بالنصارى في معركة انتهت بنصر المرابطين، وذلك عام 484 هـ الموافق 1092، ثم اتجه محمد إلى مدينة وبرة واستولى عليها، وواصل مسيره إلى دانية وكان يحكمها ابن مجاهد العامري، الذي فر منها والتجأ إلى مملكة بجاية، فدخلها محمد، ثم استولى على شاطبة، بعد أن فر منها أميرها ابن منقذ، وكان ذلك عام 485 هـ الموافق 1092.

    بعد حملة ابن تاشفين على لييط، احتدم الخلاف بين ألفونسو السادس والكمبيادور، لتخلف الأخير عن مساعدة الأول، فانعكس ذلك على مدينة بلنسية التي كانت مسرحًا لصراع الإثنين. استغل قاضي المدينة جعفر المعافري الوضع القائم، واتصل بالمرابطين واجتمع بمحمد بن عائشة وطلب منه المعونة إلى بلنسية. أوفد ابن عائشة كتيبة من الفرسان عدد أفرادها أربعين فارسًا، وفتح أهل بلنسية أبواب المدينة للمرابطين، واستطاعوا إخضاع المدينة بالتعاون مع أهلها. في عام 486 هـ الموافق 1093، هَجم الكمبيادور على مدينة بلنسية، وفرض عليها حصارا طويلا، طلب بعدها سكان المدينة الصلح، قَبل الكمبيادور الصلح بشروط أهمها خروج المرابطين من المدينة، وفي عام 487 هـ الموافق 1094 سقطت بلنسية بيد الكمبيادور، فأجلى المسلمين عنها وأحل محلهم النصارى.

    سير ابن تاشفين جيشًا بقيادة ابنه محمد بن عائشة لاسترجاع المدينة، وانضمت إليه قوات أندلسية، وحاصر جيش المرابطين المدينة عشرة أيام، قاوم فيها الكمبيادور الحصار واستطاع أن يهزم المرابطين ويبعدهم عن الأسوار. استمر الحصار قائمًا حتى وفاة الكمبيادور عام 492 هـ الموافق 1099، حاولت زوجته شيمين متابعة الصمود في المدينة، وطلبت النجدة من ألفونسو الذي جاء لنجدتهم، وأقام في المدينة شهرًا. في هذه الأثناء جهز ابن تاشفين جيشًا مرابطيًا بقيادة مزدلي بن تيلكان، ونزل بلنسية والتقى الجيشان ودارت بينهما معركة انسحب منها ألفونسو بعد أن قام بحرق المدينة، ودخل مزدلي بلنسية في رمضان 495 هـ الموافق 1102، استمر مزدلي في التقدم شرقًا نحو الحصون القريبة من بلنسية، واستولى على مربيطر والمنارة والسهلة، وسقطت البونت في يديه عام 496 هـ الموافق 1103، وتقدم شمالًا حتى دخلو شنتمرية، وخلع حاكمها ابن رزين. أدى توسع المرابطين شمالًا إلى مهاجمة برشلونة، فغزاها مزدلي ولكنه سرعان ماعاد إلى بلنسية.

    هاجم ألفونسو السادس ثغور المرابطين في الأندلس، واحتل قلعة أيوب، فأمر ابن تاشفيين بتجهيز جيش بقيادة ابن الحاج، والتقى المرابطون بجيش ألفونسو في كنشرة عام 492 هـ الموافق 1099، ودارت معركة انتهت بنصر المرابطين، ولجأ الفونسو إلى مدينة طليطلة، فحاصرها المرابطون سبعة أيام ثم انصرفوا. أرسل ابن تاشفين جيشًا إلى كنكة بقيادة محمد بن عائشة، فهزم البرهانس وحلفاءه الأراجونيين، ثم سار إلى جزيرة شقر وفتحها بمساعدة الأسطول المرابطي. ضم ابن تاشفين كل البلاد والنواحي التي كانت زمن الدولة الأموية في الأندلس، ولم يبق خارج سلطته إلا إمارة سرقسطة التي كان يحكمها المستعين أحمد بن هود. كانت علاقة ابن هود علاقة ودية مع أمير المسلمين ابن تاشفين، وعندما بسط المرابطون سيادتهم على شرق الأندلس، اقتربوا من حدود سرقسطة، فأرسل ابن هود رسالة إلى ابن تاشفين: «نحن بينكم وبين العدو سد لا يصل إليكم ضرر، وقد قنعنا بمسالمتكم، فاقتعوا منا بها إلى ما نعينكم به من نفيس الذخر». استقبل ابن تاشفين الرسالة بالترحاب وأجاب إلى ما طلب ابن هود، فتوطدت العلاقات بين الأميرين، وأهدى المستعين إلى الأمير يوسف سنة 496 هـ آنية من الفضة توثيقًا للعلاقة القائمة.

    المصدر: wikipedia.org