اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الأصل في اللغة العربية ألّا يُحذف شيء من الكلام، إلّا أنَّ جزءاً منه قد يخفى إذا ما ذُكر من قبل، وهو ما يسميه بعض النحاة «حذفاً». والمشهور أن حذف الفاعل ممنوع، إلا في مواضع خاصة تناولها النحاة. فيحذف الفاعل إذا سَبَقَ الحديث عنه ولم تقتضِ الحاجة إعادة ذكره، فيقال مثلاً: «جَاءَ» جواباً لمن يسأل: «هَل جَاءَ أَحمَدُ؟» فالملاحظ أنَّ الفاعل حُذِفَ لأنَّ الحديث بأكمله يدور حوله، فلم يعد هناك داع للإشارة إليه بحكم أنَّ هويته معروفة فعلاً بين المتحدثين، وتقدير الجملة قبل حذف الفاعل: «جَاءَ أَحمَدُ». وقد يحذف الفاعل إذا دلَّ عليه السياق، حتى وإنْ لم يسبق ذكره، مثل: «حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» بمعنى "حتى توارت الشمس بالحجاب". حيث عُرف الفاعل بالسياق الذي دلَّ عليه، بينما لم يسبق ذكر الشمس قبل هذه الآية. وهناك خلاف حول هذه المسألة، حول ما إذا كان الفاعل يُحذف، أي لا يوجد بتاتاً، أو أنَّه فقط يُضمر فيكون الفاعل في الجمل السابقة ضميراً مستتراً. ويستشهد القائلون بحذف الفاعل بحديث صحيح يُذكر فيه: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» ويصرّحون أنَّ فاعل «يشرب» محذوف، إذ لا يمكن أن يكون ضميراً مستتراً عائداً على «الزاني» لاختلاف المعنى، وبدلاً من هذا يُقدّرون فاعلاً محذوفاً وهو «شارب». وقد أجاز حذف الفاعل كل من الكسائي والسهيلي وابن مضاء.
وفي المقابل، فإنَّ هناك من النحاة من يرفض حذف الفاعل عامةً، مع وجود استثناءات يُحذف فيها. ويكتب عبده الراجحي، أستاذ اللغة العربية بجامعتي الإسكندرية وبيروت، أنَّ «مِن أحكام الفاعل أنَّه لا يحذف، بل يستتر جوازاً أو وجوباً»، ويستدرك لاحقاً ويستثني حالة واحدة يوجب فيها حذف الفاعل، وهي عندما يُسند الفعل المضارع إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة مع دخول نون التوكيد عليه. ويمنع عباس حسن حذف الفاعل لأنَّه كما يقول جزء أساسي من الجملة. ويمنع محمد النادري حذف الفاعل، لأنَّه حسب قوله «عمدة لا بد منه ظاهراً أو مستتراً في الكلام». ويرى جرجي شاهين عطية أنَّ الفعل لا يمكن أن يوجد بدون الفاعل، فهما معاً كالكلمة الواحدة على حدِّ تعبيره، فإن لم يكن الفاعل ظاهراً فهو إذاً مستتر. ويشترط فؤاد نعمة وجود فاعل لأيِّ فعل مبني للمعلوم. ويجيز ابن كمال باشا حذف الفعل والفاعل إذا دَلَّت عليهما قرينة، إِلَّا أنَّه يمنع حذف الفاعل وحده دون حذف فعله.
ذهب جمهور النحاة إلى منع حذف الفاعل، مع وجود عدد من الاستثناءات يُحذف فيها الفاعل على وجه الوجوب أو الجواز، ويوجب حذف الفاعل أو يجوز حذفه في الحالات الآتية:
بعض الأفعال لا تحتاج إلى فاعل، لذا فلا يكون فاعلها مذكوراً في الجملة ولا هو محذوفاً، وقد يتوهم المرء خطأً أنَّه حُذف لسبب من الأسباب. وهذه الأفعال استغنت عن فاعلها استغناءً تاماً فهو غير موجود ولا يمكن أن يوجد لا ظاهراً ولا مُضمَراً، ويُطلق على الأفعال من هذا الصنف «الأفعال الساذجة» أو «الأفعال المفرغة» أو «الأفعال المفردة»، والمصطلح الأخير هو الأكثر شهرة، وسُمِّيت هذه الأفعال مفردةً لعدم قدرتها تكوين جمل فعلية. ويُفَرِّق النحاة بين مصطلحي «الفاعل المحذوف» و«الفاعل المستغنى عنه»، فالفاعل المحذوف موجود ومطلوب حتى يستقيم معنى الكلام، وذلك قبل أن تُوجِب أو تسمح مواضع بحدِّ ذاتها حذفه، وحتى يكتمل معنى الجملة بعد حذفه فلا بُدَّ من تراكيب لغوية تقوم مقامه وتملأ فراغه. بينما الفاعل المستغنى عنه ليس مطلوباً ليكتمل معنى الجملة، ولا ضرورة لمَلْءِ فراغَ انعدامه. ومن هذه الأفعال التي لا ترفع فاعلاً، الأفعال الناقصة التي تدخل على الجملة الاسمية فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، مثل كان وأخواتها وأفعال المقاربة والرجاء والشروع، ففاعلها ليس محذوفاً مع أنَّه ليس موجوداً، وذلك لأنَّه لم يكن موجوداً أصلاً حتى يُحذَف، فهذه الأفعال لا تحتاج إلى فاعل حتى يوجد ويحذف في البداية. ومن الأفعال التي لا تحتاج إلى فاعل كان الزائدة، مثل: «الوَضعُ - كَانَ - مُعَقَّدٌ ويَتَحَسَّنُ تَدرِيجِياً» أو «لَم يَتَكَلَّم - كَانَ - عَالِمٌ»، و«كَانَ» هنا غير كان الفعل الناقص أو كان الفعل التام، وهي تأتي في صيغة الفعل الماضي فقط وتتوسط بين شيئين متلازمين كالمبتدأ والخبر كما في المثال الأول والفعل والفاعل كما في المثال الثاني، وفاعل كان الزائدة غير موجود ولا يمكن أن يوجد على الإطلاق.
ومن هذه الأفعال المستغنية عن الفاعل، الفعل الذي يأتي للتوكيد اللفظي، مثل: «احذَر - احذَر - الاحتِكَاكَ بِالمَرضَى» فالفعل الثاني هو توكيد لفظي الغرض منه التأكيد على معنى الفعل الأول، ولا يلحقه أي فاعل سوى فاعل الفعل الأول. والفعل إذا اتصلت به «مَا» التي تكفُّ العامل عن العمل لم يرفع فاعلاً ولا يعتبر كذلك محذوفاً وفقاً لبعض النحاة، مثل: «يَأمَنَكَ النَّاسُ طَالَمَا تَصدُقُ فِي قَولِكَ» حيث فاعل «طَالَمَا» لا يُذكر على الإطلاق ولا هو محذوف ولكنه غير موجود، لدخول ما الكافة على الفعل، وأفعال أخرى تدخل عليها ما الكافة مثل: «قَلَّمَا» و«كَثُرَمَا». غير أنَّ المسألةَ فيها خلاف، حيث يرى بعض آخر من النحاة أنَّ «مَا» هذه هي في الواقع حرف مصدري، والمصدر المسبوك منها ومن الجملة الفعلية التي تليها فاعل للفعل. ويفسر بعض النحاة عدم احتياج هذه الأفعال إلى فاعلٍ بشبهها بالحرف «رُبَّ»، وهي حجة يصفها عباس حسن أنَّها واهية. ويعتقد خليل عمايرة أنَّ «طَالَمَا» ومثلها «قَلَّمَا» و«كَثُرَمَا» ليست أفعالاً، بل هي في واقع الأمر أدوات، ويبرهن على ذلك بافتقار تلك الألفاظ إلى الدلالة على الحدث والزمان، وهما السمتان المشتركتان في جميع الأفعال، وينفي في الوقت نفسه أن تكون «طَالَمَا» مكونة من الفعل «طَالَ» بالإضافة إلى «مَا».
البعض يرى أنَّ الفعل المعطوف على فعل آخر منصوب أو مجزوم لا يحتاج إلى أيِّ فاعل، أما إذا عُطِفَ على فعل مرفوع فله وجهان، فيمكن أن يَرفَع فاعلاً مضمراً ويمكن أن يُضَمَّ إلى البقية ولا يوضع له فاعل، والفصل عند المُعرِب. وكذلك الفعل الذي يفصل بين المضاف والمضاف إليه، فلا يعمل في أي اسمِ. ويرى بعض النحاة أنَّ الفعل الذي يأتي مُفَسِّراً لفعل آخر محذوف وجوباً لا يحتاج إلى أيِّ فاعل، كالفعل الذي يأتي بعد اسم مرفوع مسبوق بأداة شرط، مثل الآية: «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرهُ» حيث «أَحَدٌ» فاعل لفعل محذوف وجوباً تقديره «استجارك»، والفعل «اسْتَجَارَكَ» الظاهر في الآية مُفَسِّر للفعل المحذوف وفاعله غير موجود وغير محذوف طبقاً لرأي جماعة من النحاة، وعلى رأي نحاة آخرين فإنَّ فاعل «اسْتَجَارَكَ» هو ضمير مستتر عائد على فاعل الفعل المحذوف، وغيرهم يرى أنَّ الفاعل هو اسم مضاف إلى ضمير مستتر يعود على الفاعل الأول.