اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يخوض الشخص في كثير من الأحيان في أحاديث عميقة ويتبادل الأفكار المختلفة مع نفسه وليس فقط مع الآخرين، ولا تقتصر هذه الأحاديث على مجرّد أسئلة بديهية بل قد تشتمل على حوارات يطرح الشخص فيها الأسئلة ويصل إلى إجابات، ويُشار إلى أنّ هذا السلوك يُعدّ سلوكاً صحيّاً جداً، ويتأثّر حديث النفس باللاواعي، ويكشف عن أفكار الشخص، ومعتقداته، وآرائه، و يعكس الصورة التي يرسمها الشخص لنفسه والتي تكون نتاج خبراته وتجاربه الحياتية وتفاعل صفاته الشخصية مع المحيط الخارجي من أسرة ومجتمع.
يبقى حديث النفس سريّاً يسمعه الشخص وحده ولا يبوح به علناً أو بصوت مرتفع، فهو أفكار صامتة يهمس بها الشخص لنفسه، وهذه الأفكار ما هي إلّا نتاج تفاعل العقل مع الأحداث اليومية التي يمرّ بها الشخص، وهو ما يختلف عن الحوارات التي ينخرط بها الأشخاص الذين يُعانون من مشاكل نفسية كالفصام، والتي تكون مسموعةً للآخرين وكأنّ الشخص يتحدّث لشخص آخر معه في نفس المكان، وسواء كان الشخص يعيش وحيداً أو يُشارك آخرين مكان السكن فإنّه رفيق نفسه دائماً؛ لذا عليه الحرص على اتّباع أسلوب مهذّب في الحديث معها، إذ لا يُعّد ذلك من علامات الجنون إنّما يدل على صحة نفسية سليمة.
يُجري الأشخاص الكثير من المحادثات في عقولهم أيّ مع أنفسهم بصمت دون إصدار أصوات خارجية في ظاهرة يُشير إليها علماء النفس بالحديث الداخلي، وتتصف طبيعة الحوار العقلي بالمرونة والتنظيم، فالشخص لا يحتاج إلى من يُدير حواره مع نفسه، وكأيّة محادثة طبيعية هناك فرصة لطرح الأسئلة، والتجاوب مع الحديث، وإبداء الاعتراضات؛ لذلك لا حدود للتفكير البشري فلا يُشترط أن يكون هناك هدف محدّد من الحديث مع النفس، فقد يستمر الشخص في الحديث مع نفسه لوقتٍ طويلٍ دون الوصول إلى غاية محددة.
يعتقد الأخصائيّون النفسيّون أنّ ثرثرة العقل خلال حديث النفس تُمكّن الإنسان من إدراك التجارب الحسيّة التي يمرّ بها بشكل أوضح ما لم تتخطّى حدود المعقول، حيث إنّ التحاور مع النفس يُقرّب الشخص من ذاته ويُعمّق معرفته بها، وعليه يكون بمقدوره التعامل مع نفسه زمع الآخرين بشكل أفضل.
أثبتت الكثير من الدراسات فوائد حديث النفس وآثاره الإيجابية في جوانب كثيرة من حياة الإنسان خلال كافة المراحل الحياتية، فحديث النفس ينقل الشخص بين الماضي والمستقبل ممّا يمنحه رؤيةً أوضح تُمكّنه من التخطيط لمستقبل أفضل، ويُساعده على مواجهة صعوبات الحياة من خلال تعزيز اليقظة والتركيز، والتحكّم بالمشاعر، وحلّ المشكلات العالقة، وتحفيزه على المواجهة والصمود، والتعلّم من الأخطاء وتجنّبها.
وفقاً لعالمة النفس ليندا سابادين هناك 4 أنواع لحديث النفس، وهي كالآتي:
تنقسم أفكار حديث النفس إلى صنفين؛ إمّا أن تكون إيجابيةً فيمتّع للشخص بنظرة تفاؤلية للحياة، أو قد تُسيطر الأفكار السلبية فيطغى شعور التشاؤم عليه؛ لذا فإنّ من المهم ممارسة التفكير الإيجابي للحصول على حياة صحية، حيث أكّدت العديد من الأبحاث على أنّ التفكير الإيجابي ينعكس إيجاباً على الشخص من حيث خفض معدلات الاكتئاب، وتقليل الشعور بالتوتر، وزيادة مقاومة نزلات البرد، وتحسين صحة القلب والأوعية الدموية، وزيادة القدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة، ممّا يُقلّل الضغط النفسي الذي يؤثّر سلباً على الصحة الجسدية والنفسية.
توجد عدّة طرق يُمكن للشخص من خلالها تحديد ما إذا كانت أفكاره سلبيةً لتجنبّها قدر المستطاع أثناء حديثه مع نفسه، ومنها؛ تجاهل الشخص ما هو إيجابي والتركيز على النواحي السلبية لموقف ما، وشخصنة الأمور بلوم نفسه بشكل مستمر في حال لم تجرِ الأمور كما هو مُخطّط لها، كذلك توقّع أسوأ النتائج بسبب حدوث موقف سيّئ بداية اليوم، بالإضافة إلى افتراض أنّ الأمور إمّا جيدة أو سيئة وعدم المرونة في التفكير.
قد يُحَدِّث المرء نفسه بفعل أمرٍ يترتّب عليه الثّواب؛ كأن يحدث نفسه بأن يقوم بفعل أمرٍ يترتّب عليه العقاب دون أن يقوم بذلك الفعل في الواقع، ومن غير أن يُتْبَع هذا الحديث تنفيذاً لما حدّث به نفسه، وهذا المستوى من حديث النفس من الأمور التي لا يؤاخذ الله بها عباده، فالمؤاخذة مقتصرة على الأعمال والنوايا التي تتبع حديث النفس، وذلك من ظواهر التيسير على العباد، حيث إن حديث النّفس من الأمور التي يصعُب التّخلص منها، ولو حاسبنا الله عليها لوقع العباد في المشقّة، لذلك نزل قوله -تعالى-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) بعد تخوّف الصحابة من المؤاخذة الواردة في قوله -تعالى-: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ)، ولتأكيد هذا المعنى يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي ما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا، ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بهِ).
وحديث النفس كما هو معفوٌّ عنه في الآخرة بحيث لا يترتب عليه ذنب، فإنه كذلك لا يترتب عليه ما يترتب على الأقوال من أحكام المعاملات، فلا يُحكَم على صاحبه بالردة ولا بالكفر، كما لا يقع به طلاقاً، ولا يتسبّب في بطلان العبادة، ولا تثبت بسببه العقوبات بغض النظر عما يدور في النفس من الحديث.
أما في حالة كان حديث النفس يتعلَّق بفعل أمرٍ فيه خير وبفعل ما يترتّب عليه الثواب والأجر، فإن التحدث مع النفس بأداء هذا الفعل سببٌ في الحصول على الأجر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كُتِبَتْ له حَسَنَةً، ومَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَعَمِلَها، كُتِبَتْ له عَشْرًا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، لَمْ تُكْتَبْ، وإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ).
يُشرع للمسلم في صلاته أن يدفع ما تُحدّثه به نفسه من أمور الدنيا ومشاغلها، ويدلّ على ذلك قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَن تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِما نَفْسَهُ، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)، ويُقصد بقول النبيّ (لا يُحَدِّثُ فِيهِما نَفْسَهُ)؛ أي لا يسترسل فيما يُعرض له من الأمور والأفكار، أمّا ما يطرأ من الوساوس فجأة ويتعذّر دفعه فذلك لا حرج فيه ومعفوٌ وعنه، وهو ما فسّره ابن حجر -رحمه الله-، وقال ابن عياض -رحمه الله- إن المقصود في الحديث الشريف هو من لن يُعرض له حديث النفس في صلاته أبداً، أمّا النووي -رحمه الله- فعدّ من طرأت عليه الخواطر فدفعها مطلقاً داخلٌ في فضل هذا الحديث من المغفرة، فإذا لم تُحدّثه نفسه أبداً في صلاته فهو الأفضل والأعلى منزلة، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)؛ قيّده أكثر العلماء بمغفرة الصغائر دون الكبائر لورود الحديث مقيّدا بذلك في روايةٍ أخرى.
وقد تعدّدت آراء العلماء في حكم من غلبت على صلاته كثرة الوسوسة والخواطر، فقال ابن تيمية -رحمه الله- إن الصلاة لا تبطل بذلك؛ لأن الخشوع فيها سنّة، ولا تبطل الصلاة بترك السُّنن، أمّا ابن حامد وابن الجوزي -رحمهما الله- فقالوا إنّ الخشوع في الصلاة واجبٌ، فتبطل الصلاة إذا غلب على معظمها الخواطر والوساوس.