اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في السنة التي بعدها كانت ديار الغساسنة قد جدبت أي أصبحت أرضها جافة لا ينبت فيها الزرع وجف منها الماء ولا ينزل عليها مطراً، لذا اضطرت قبيلة غسان على أن ترتحل لفترة إلى أرض أُخرى تُنبت وتزرع فذهبوا في الشتاء إلى وادٍ يُقال له المحفف فمضى الشتاء عليهم هُناك بصعوبةٍ شديدة، وفي ذات الوقت حيثُ كان الغساسنة يُعانون من نقص الطعام والماء والمال أرسل إليهم القيصر رسولاً له عربياً من قبيلة بنو سليح من عشيرة الضجاعم اسمه وسيط بن عوف الضجعمي قام القيصر بإرساله مع أصحابٍ له وكان معه أيضًا 100 رجل رومي من أسياد وأشراف ووجهاء الروم الموجودين في الشام، وقد أرسله القيصر حتى يقوم بجمع الإتاوة (ملحوظة 4)، وأمر القيصر وسيط بن عوف الضجعمي بأن يكون غليظاً فظاً ومُسيئاً، وقال لرجاله قبل أن يذهبوا إلى الغساسنة: «ألقوا بهم الشر بالشر فإن كان شراً كان برؤوسهم، وإن كان خيراً فلنا»، وقد قصد بذلك أن يقوم رجاله بمعاملتهم بالسوء فإذا ما عاملهم الغساسنة بسوء أيضًا فإنهم كانوا يريدون الشر منذُ الأساس سواءً عاملهم الروم بسوء أو غيره وإذا كان الغساسنة يريدون الخير فسيعاملون الروم بالخير رغم سوء معاملتهم وهذا خيرٌ وأمرٌ جيدٌ للروم أي نصحهم بمعاملة العرب بالسوء سواءً كانوا طيبين أو لا.
ذهب وجهاء الروم في الشام إلى ديار الغساسنة بقيادة وسيط بن عوف الضجعمي حيثُ قاموا بزيارة بيت كُلِّ غساني حتى يأخذون منه الدينار الذهبي وتعمدوا أثناء ذلك إهانتهم والإساءة لهم بطرقٍ مباشرة وغير مباشرة، وبعد أن انتهوا من جمع كُلِّ الجزية من الغساسنة كان قد بقيَّ بيت رجل غساني واحد وهُوّ بيت الفارس جذع بن سنان الغساني فذهب وسيط ورجال الروم إلى دارهـ فوجدوه جالساً مع امرأته حيثُ كانت زوجته تقوم بغسل شعرهـ، وكان رأسه مليء بالشيب فقد كان جذع شيخاً عجوزاً وأصمٌ بعض الشيء فعندما شاهده الروم على هذه الحال ضحكوا ولم يسمعهم جذع جيداً ولكنه فهم أنهم يضحكون عليه فأخذ ذلك في نفسه وكتم غيظه، ولمّا سمعت زوجة جذع صوت ضحك رجال الروم ووسيط انتفضت وقامت بتغطية شعرها وأجزاء من وجهها بكم لبسها حتى تستتر عنهم وكانت من أجمل النساء فجعل الروم يحاولون أن يختلسوا النظر إليها لرؤية شيئاً منها بينما كان جذع ينظر لهم، فقال وسيط لزوجته: «أعطيني ما عليكِ، وأتركي جذعاً»، فرد عليه جذع: «يا وسيط، أما ترى ما نحنُ فيه الهُزَالُ ؟! وما بينك وبين الخصب إلا انسلاخ هذا الشهر! فاصبر إلى أن تأخذ»، وقصد جذع بـ "الهُزَالُ" النحف الشديد الذي يُعاني منه بسبب مرضه وسقمه بسبب قلة الأمطار والتغذية، وعنى بالخصب نبات الأرض وإخراجها للمحاصيل والثمار وانسلاخ الشهر أي أنّه بقي شهر على إثمار الزرع وإذا ما نبتت الأرض وباع الثمار ورُزِق بالمال فسيُعطيه إياه، فرد عليه وسيط: «ما أنا بفاعلٌ» إشارةً إلى أنّه لن يرحل بدون قطعة الدينار الذهبية، فقال له جذعٌ: «اصبر أغسل رأسي وأعطيكَ!»، فقال لوسيط رجلٌ من الروم: «دع الكلب يغسل صرفه!»، فقال وسيط لجذع: «والله لئن لم تُعجلنَّ لأخذنَّ بيد امرأتك!!»، عندها قام جذع وترك الغسل وقال: «عليَّ أبي وبني أخي أودي عنهم»، وقصد أنّه يجب أن يدفع المال أيضًا نيابةً عن والده وأبناء أخيه إضافةً إلى نفسه، عندها صرخ يُنادي على والده وأبناء أخيه فظن وسيط ومن معه أنّه ناداهم كما قال لهم لكي يدفعون جزيتهم أيضًا، ثُمّ تركهم جذع بغية مناداة أقاربه فدخل بيته وأخذ سيفه ثُمّ نادى وسيطاً وخدعه وقام بإعطاؤه حذاءً بدلاً من المال وفي ذات الوقت وثب عليه من خلفه وقبض عليه فأخذه إلى خارج البيت وقطع رأسه أمام الروم وأخذ رأسه ورماه على الأرض باتجاه الروم ثُمّ نادى أولاده وأولاد أخيه وقال لهم: «عليكم بأولئك العلوج» فتواثب أقارب جذع على رجال الروم فقتلوهم جميعهم وأخذوا ما معهم من المال الذي جمعوه من الغساسنة، ثُمّ قال: «لا يردُّ الشر إلا الشرَّ» فأصبحت هذه المقولة مثلاً مشهوراً بين العرب.
بعد ذلك نادى جذع مباشرة على الناس وقال لهم أن يأتوا ويأخذ كُلَّ واحدٍ منهم ماله الذي أعطاه للروم ووسيط فأتت الناس وأخذت مالها وأملاكها، وبقيّ الأموال التي كانت مع الروم فأخذ جذع وبنوه هذه الأموال وكساؤهم.