اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عندما اُعتقل السيد هلال - في عام 1984م- كانت اسرته مكونة من اثنى عشر فردا، بالإضافة إلى السيدة زوجته. تركهم وجلهم شبابا واطفالا بدون عائل وبدون مصدر رزق بعد ان استولى الطاغوت على مصدر الرزق الوحيد. ترك السيد هلال اطفالا وشبابا لا حول لهم ولا قوة: رفعت (20 عاما)، وأسامة (19)، وفاطمة (15) ومنذر(13)، وحميد (12)، وسفيان (11)، واشرف (9)، وحسام (7)، وحازم (5)، وأسماء (4)، وحنان (2)، وهناء (ولدت بعد اربعة أشهر من اعتقال والدها). ولم يراها ابدا.
اعتقل رب هذه الاسرة الكبيرة عددا وقيمة ومكانة ومقاما، ولم يلتفت إلى الاسرة احد، فبدأ الشباب مبكرا، ومبكرا جدا، رحلة طويلة من الكد والكدح والكفاح من اجل توفير لقمة العيش لاسرة بهذا الحجم تحت مظلة نظام شرس ظالم لا يرقب في مؤمن الا ولا ذمة. نظام تحجرت قلوب اتباعه، هذا ان كان لهم من قلوب اصلا. نظام رجاله اقرب إلى الضباع منهم إلى اي شيء اخر.
تُركت الاسرة بين ليلة وضحاها بدون مصدر رزق وبدون مبالاة من احد وبدون عائل. بل ولم تترك هذه الاسرة في سلام، فقد توالى عليها الضيق والنكد والتضييق والمطاردة والمراقبة والملاحقة من قبل نظام الطاغوت حتى بعد ان غُيب ربها.
ولعلي اقول أن الاحزان والحيرة والالام الناجمة عن وفاة احد افراد الاسرة اهون الف مرة من تغييبه؟ فالألام - في اجواء التغييب- تتضاعف، كما تتضاعف الحيرة والقلق والترقب والاحزان اضعافا مضاعفة، عندما نجهل مصير من نحب، اين هو؟ اين اصطحبوه؟، اين قتلوه؟ ان كان قد قتل، اين دُفن؟، أين رفاته؟ كيف قُتل، هل مازال على قيد الحياة؟ كيف يبدوا صورة؟ كيف تبدوا حالته الصحية؟ والنفسية؟ ماذا يفعل؟ هل ما زال يتذكر ابناؤه واهله ومدينته وزوجته واسرته؟ عشرات الاسئلة والمخاوف والسيناريوات والوساوس والهواجس تحتل افئدة وعقول وقلوب اهالي المغيبين. عذاب متواصل متجدد دائم يوميا تعانيه كل اسرة غُيب احد افرادها. اهون مليون مرة - اذن- إن تعلم الاسرة ان احد افرادها قد قضى، من ان يعيش افرادها في دوامة من الحيرة والتوتر والعذاب والهواجس والشكوك والقلق.
بل ويزداد هذا العذاب كلما طل علينا موسم من مواسمنا: شهر رمضان الكريم، عيد الفطر، عيد الاضحى، موسم الحج، مولد الرسول الكريم، مناسبات عدة اخرى، افراح، مآتم، ايام الجمعة. ففي كل هذه المناسبات والمواسم والمواقف والاحداث تفرض صورة المغيب نفسها وبقوة على مشهد الاسرة المنكوبة فتزداد الاحزان وتتمزق القلوب مجددا وتذرف الدموع اضعافا مضاعفة. ولا تمر تلك الاعياد وتلك المناسبات على الاسرة الكريمة الا وقد غرقت في بحر من الهموم والضيق والاحزان، فرب البيت قاب قوسين أو ادنى بين يدي هوام لا يرقبون في مؤمن الا ولاذمة، قاب قوسين أو ادنى تأكل جدران المعتقلات عمره ثانية بثانية بثانية، حُرم من فلذات كبده وحرموا منه. فقدوا رعاية وحنان وعناية واهتمام الاب الذي اُعتقل ظلما وحكم عليه بالموت ظلما وزورا وعدوانا ونكاية وانتقاما وبهتانا، وحُرم السيد هلال فوق كل ذلك من رؤية احفاده الذين بلغوا أكثر من اليوم واحد واربعون حفيدا. لم يرهم ولم يروه إلى يومنا هذا. وهكذا مرت الاسرة الكريمة ومر رب بيتها الضحية بطبقات من الظلم بعضها فوق بعض.
وترفض السيدة نوارة الشارف وجدانيا - وإلى يومنا هذا- ان رب بيتها ووالد اطفالها قد قضى، بل تعتقد وتتوقع وتؤمن بان زوجها المغيب ما زال على قيد الحياة، بل لا تقبل حتى الهمس حول احتمال موته، بالرغم من ايمانها القوي.
ولا يسعني الا ان احي هذه الاسرة الكريمة العصامية الصابرة. واحي بالذات الوالدة الكريمة السيدة نوارة مصباح الشاوش والتي بالرغم من شدة المحنة وطول العذاب والحيرة والآلام، كانت خير راعية لفلذات اكبادها، الامانة التي تركها بين يديها رب بيتها المغيب، فأحسنت تربيتهم وغرست فيهم من القيم ما حفظهم من ان ينجروا وراء رغبات الطاغوت أو ان ينحازوا إلى ظالم أو يمارسوا الظلم. بل ترعرعوا عصاميين، نفوسهم عزيزة، يطمحون إلى خدمة بلادهم، يعملون من اجل استقرارها السياسي، يرسخون فيها الامن والعدل والامان، يقاتلون في سبيل العدالة والحرية والمساواة، حتى لا يصاب غيرهم بالكم الهائل من الظلم الذي وقع عليهم.
نقول لهذه الاسرة الكريمة، ولغيرها من الاسر، التي نُكبت في ابنائها، بل ونقول للوطن باكمله: باننا نسأله سبحانه وتعالى انه إن كان رب بيتكم قد انتقل إلى جوار قيوم السموات والارض ان يتغمده برحمته وان يتجاوز عن سيئاته وان يحشره مع الصديقين والانبياء والصحابة والشهداء. وان يعوضكم ويعوض الوطن عن فقدان رجل مناضل مكافح ذو عزة وعزيمة قوية كوالدكم السيد محمد الصادق هلال كل الخير. كما نسأله سبحانه وتعالى إن كان السيد هلال على قيد الحياة ان يجمع شملكم قريبا. وفي كلتا الحالتين نسأله سبحانه وتعالى ان يجمعكم وان يجمعنا مع شهدائنا ومع ضحايا الوطن ضحايا الطاغوت الارعن الاهوج الاحمق في جنة الخلد انه على كل شيء قدير.
وكلي أمل، باذن الله، في مواصلة مشوار البحث والتحقيق والتقصي، إلى أن يتم الكشف عن مصير السيد هلال، بل وأعتبر أن هذا واجبا وطنيا جماعيا لابد ان تقوم به - بجانب الاسرة- مؤسسات الدولة الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني ولجان حقوق الانسان المحلية والعالمية والمحامين ورجال العدالة، واصدقاء واقرباء الضحية.
كما انه من ابسط حقوق الاسرة التي نُكبت ظلما وعدوانا في رب بيتها ان تتلقى التعويض المعنوي والمادي والحسي الكامل عما مرت به من محن وعذاب والآم. فذلك اقل واجبات الوطن تجاه ضحاياه، وتلك ادنى حقوق هذه الاسرة، حقوق كفلها لهم الشرع والعرف والمنطق والمروة والوطنية والعدل والوطن. ولابد ايضاً من تكريم السيد هلال تكريماً معنويا يليق به وبامثاله من رجال الوطن، ليتحول كفاحهم وصمودهم وتاريخهم إلى منارة تقتدي بها اجيالنا القادمة.
وهكذا فنحن امام سيرة مناضل عملاق بدأ بممارسة مهنة الانبياء (العلم والتعليم والتعلم) وتدرج في خدمة وطنه وامته فخدم بلاده ووطنه وأبناء وطنه وناضل من اجل ليبيا سلميا بجميع السبل المشروعة، فعلم، وتحدث، وكتب، وتظاهر، وضحى من اجلها، ووقف وقفة الرجال الابطال مع القضية الجزائرية والفلسطينية، واعتقل وعُذب وسجن وتم الاستيلاء على مصدر رزقه، واُسقط من انتخابات فاز فيها بجدارة، واُسقط اسمه ظلما من تكريم دولة وقف معها وقفة الاسود، وطورد واتهم زورا وبهتانا بشتى التهم وحرم فوق كل ذلك من اثمن ما يملكه الانسان زوجته ام اطفاله، وحرم من فلذات كبده، وغُيب إلى يومنا هذا، ولأكثر من ثلث قرن.
نحن بين يدي سيرة رجل لم تثنه المحن عن عزمه في مواصلة مشواره النضالي كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، فوقف السيد هلال وهو قيد الاعتقال بعزة وشموخ واباء، ضد طاغوت عاث في الارض فسادا، وصمد داخل المعتقل، وكان صابرا مصبرا لزملائه، ورفض ان يسترضي الجلاد بكلمات يخطها في ثوان قليلة تريحه من عذابات ثلث قرن، وفضل ان يبقى -بدلا من ذلك- رهين المعتقل، ورهين القمع والنكد والعذاب، على ان يستجدي طاغية ظالم جلاد. فضل ان يفعل ذلك، حتى لا يظلم غيره، فقد تجرع مرارة الظلم، فرفض ان يتعرض بني وطنه إلى الظلم. ليس ذلك فحسب بل استمسك بكتاب الله وحفظه ظهرا عن قلب، داخل المعتقل، نكاية في الظالمين، وسخرية من المحن، وتقرباً إلى الله.