اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن موهبة جهجاه العسكرية أمنت له الفوز في أكثر من عشر معارك على الأقل خاضها ضد الولاة العثمانيين بمن فيهم أحمد باشا الجزار، ورد بنجاح حملات متتابعة تهدف إلى القضاء عليه وتعيين موظف عثماني مكانه، لقد صمد في فترة عصيبة على الشيعة، كان الجزار خلالها قد اجتاز جبل عامل وشرد رجاله وأعيانه، كما خسروا مواقع حكمهم ولا زالوا يتعرضون لضغط متواصل لإستئصالهم من ديارهم. فلم تبقى غير بلاد بعلبك ملجأ يأوون إليه يضمدون جراحهم ويتخذون منها قاعدة انطلاق لجهودهم الرامية إلى العودة إلى ديارهم وبيوتهم وقراهم، وميداناً ينطلقون منه في حملات قتالية متتالية لإستعادة ما فقدوه، في ظل قوة عثمانية طاغية تتفوق على طاقتهم المتبقية بغارات إلى ديارهم الأولى يواجهون بها من أجبرهم على تركها ثم يعودون لتنظيم غارة أخرى بانتظار تغير الظروف. فكانت بلاد بعلبك هي القلعة الشيعية الأخيرة التي لم تسقط بعد وربما هذا هو السبب الذي جعل جهجاه هدفاً لهذا العدد من الحملات التي ترمي إلى اجتياح بعلبك والقضاء على الحكم الشيعي فيها وإقفالها بوجه الهاربين من الشيعة، بل وربما تهجير أهلها أنفسهم كي لا يبقى أمام الجميع من ملاذ آمن وقرى وسهول خصبة والخالية من السكان إلا من القليل من القبائل بدوية من الرعاة الرحل.
وبداية احتدام الصراع بدأ عندما تولى أحمد باشا الجزار ولاية الشام بالإضافة إلى ولاية عكا سنة 1790م، فأراد أن يسدد حساباته القديمة مع جهجاه فإتفق مع بشير شهاب على عزله والاستعانة على إتمام ذلك بحرفوشي آخر هو قاسم بن حيدر الحرفوشي فجهز الاثنان عسكراً سار من دير القمر وإنضم اليه خمسماية رجل من زحلة والمتن من الأمراء اللمعيين، وكان جهجاه في تمنين فالتقى العسكران في أبلح فانتصر عليهم وهربت فرسان الجبل، "أما الزلم فأدركتهم رجال أبو ملحم، الذي من كبر مروءته، كما نبه على رجاله أن لا يقتلوا أحداً بل يشلحوهم فقط سلاحهم وثيابهم ويطلقونهم. وقد قبض على الأمير مراد بن شديد اللمعي فأعاد له حوائجه وفرسه وأطلقه مكرما لأجل صداقة أبيه، وكان رجال جهجاه أقل من ربع العسكر المهاجم ولم يخسر في هذه المعركة سوى أربعة رجال فقط"
يقول مؤرخ معاصر في وصف المعركة" كان جهجاه جامعاً عسكره معه في قرية تمنين فحالما بلغه حضور العدو قام من تمنين إلى أبلح، فلما نظرته عساكر لبنان (الجبل) وقع الخوف في قلوبهم، فهربت الخيالة، أما المشاة فأمسكوهم وأخذوا منهم أسلحتهم بعد أن قتل كم واحد منهم وكان ذلك في 21 حزيران 1790م".
لم تهدأ الحرب بين الجزار وجهجاه حتى تاريخ عزله من ولاية الشام سنة 1795م، فاستمرت الحملات تتوالى من دمشق إلى بعلبك ولكن حنكة جهجاه وشجاعته لم تتركا لها مجالا لتحقيق أي هدف سياسي فتعود فاشلة بعد أن تترك آثار التدمير والخراب والقتل في أمكنة مرورها. وسنأتي باختصار شديد على بعض الحملات وكيف واجهها أمير بعلبك الصامد.
بعد مقتل قاسم الحرفوش ودخول جهجاه إلى بعلبك أرسل الجزار عسكراً لمهاجمة المدينة والقبض عليه وأو قتله فإنسحب جهجاه إلى الزبداني هذه المرة حيث جمع رجالا وهاجم بعلبك فقتل نحو ثلثي العسكر ودخل السرايا. وجاء في بعض المصادر أن شهابي وادي التيم أعانه بمائة درزي قاتلوا معه.
" فأعاد الجزار الكرة بعسكر أكبر فإنسحب إلى حوض الأمير سلمان تحت زحلة فتبعوه إلى هناك في 20 كانون الثاني 1792م فهاجمهم وقتل خمسة عشر رجلا منهم وطردهم إلى القرعون في آخر البقاع وعاد إلى قب الياس"
في شباط من العام نفسه أمر الجزار عسكر الشام في البقاع أن يهاجم جهجاه حيث هو في قلعة قب الياس فإنسحب إلى الشمال وتبعه العسكر ونهبوا الفرزل وأبلح ولما عجزوا عن جهجاه قتلوا في طريقهم بعض الرعاة من الأولاد وبعثوا برؤسهم إلى الجزار فلما رآها عرف أنها رؤوس رعاة مواشي، فحنق على جنوده وأرسل لهم يقول " لقد أرسلتكم لتقطعوا رأس جهجاه الحرفوش وأنتم لم تستطيعوا إلا قتل أولاد فإتركوا البقاع. فعادوا إلى عكا وأراحوا البلاد من شرهم"
و كانت آخر حملة شنها الجزار على بعلبك في السنة الأخيرة من ولايته الثانية على الشام ولم تختلف عن سابقتها، فقد إنسحب جهجاه إلى رأس بعلبك وأخلى الناس بمن فيهم الرهبان، وتعطل موسم القز إذ كان قريباً وعاد عسكر الجزار مخذولا كعادته.
نجح الجزار في اجتياح جبل عامل وقتل زعيمه الأكبر وشرد أهله، كما نجح عثمان باشا وأولاده في تنصيب يوسف شهاب والياً على جبيل والبترون وجبة بشري وكسر شوكة الشيعة في جبل لبنان، إلا أن هذه القوى القادرة ومن يحركها ويقف وراءها فشلت في النيل من جهجاه الحرفوشي رغم محاولاتها المتكررة بسبب عبقريته العسكرية الفذة وجرأته القتالية النادرة، وهذا ما حفظ للشيعة في سائر أنحاء لبنان ملجأً آمناً يأوون إليه ونقطة انطلاق يتحركون منها ويتحصنون فيها. وهكذا استطاعوا الصمود أمام المخططات هادفة ألى إفنائهم وتلاشيهم كما توقع الكثيرون، ولجهجاه في منع ذلك فضل لا يجحـد وذلك كما جاء في كتاب الشيعة في لبنان الطبعة الثانية صفحة 324 و 325.