English  

كتب جمال حمدان وسيمفونيته الجغرافية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

جمال حمدان وسيمفونيته الجغرافية (كتاب)


في هذه الأيام تحل علينا ذكرى ميلاد جمال حمدان عام 1928م، بمحافظة القليوبية، وكانت الجغرافيا بالنسبة له رؤية استراتيجية متكاملة للمقومات الكلية لكل تكوين جغرافي وبشري وحضاري ورؤية لتكوينات وعوامل قومتها وضعفها، كما أنه لم يتوقف عند تحليل الأحداث الآتية في الظواهر الجزئية، ولكن سعى إلى وضعها في سياق أعم وأشمل وذو بعد مستقبلي أيضًا، وكان جمال حمدان أحد أكبر المفكرين المصريين والملقب بـ"فيلسوف الجغرافيا"، شخصية أثرت في الأوساط السياسية والثقافية والفنية.
جمال حمدان، اسم يحتمل الكثير من الألقاب، فحياة صاحبه سيرة يجب أن تتغنى بها مختلف الأجيال، فصاحبها هو جواهرجى الشخصية المصرية، الرجل الذى اعتزل الحياة، وضحى بقصة حبه الوحيدة، لينجز مشروعه العلمى؛ والعلم بالنسبة له ليس مجرد مؤلفات أكاديمية تتراص على أرفف المكتبات أو تدرس للطلاب، فصنع من علم الجغرافيا فلسفة للحياة، ومنهجا يصلح لكل زمان ومكان، انشغل بالشخصية المصرية.. ليثبت أن هذا الوطن يمتلك مقومات الريادة والزعامة.
كان جمال حمدان أحد أفذاذ عصره، فهو لم يكن مجرد جغرافي بارع، ولكنه كان مُفكراً مُبهراً، تميَّز من خلال قراءته المتعمقة للتاريخ، وقدرته على ربط الجغرافيا بالتاريخ، وإضفاء الطابع الاستراتيجي على أفكاره وتحليلاته، الأمر الذي منحها العمر المديد، والقدرة على التعايش مع تقلبات السياسة بعد مرور كل هذه الأعوام، فهو من أصدر عام 1964 كتاباً بعنوان "بترول العرب" ليلقي الضوء – لأول مرة – على أهمية البترول من الناحية السياسية والاستراتيجية، وهو ما استفاد منه زعماء الدول العربية بعد ذلك بـ 9 أعوام في حرب أكتوبر 1973.
كما كان جمال حمدان يمتلك قدرة ثاقبة على استشراف المستقبل متسلحًا في ذلك بفهم عميق لحقائق التاريخ ووعي متميز بوقائع الحاضر. وقد اشتهر بتوقعه الأشياء قبل حدوثها، حيث تنبأ بتفكك الكتلة الشرقية وابتعادها عن الاتحاد السوفيتي قبل 21 عاما من حدوثها بالفعل، ثم توقع أيضا تفكيك الاتحاد السوفيتي نفسه في كتابه "استراتيجية الاستعمار والتحرير"، كما كشف في كتابه عن اليهود وأبعاد الصراع العربي الإسرائيلي قبل النكسة بـ4 أشهر؛ حيث أدرك ببصيرته أن تفكك الكتلة الشرقية وافع لا محالة عام 1968م، وبعد 21 سنة وتحديدا في عام 1989 وقع الزلزال الذي هز أركان أوروبا الشرقية، وانتهى الأمر بانهيار أحجار الكتلة الشرقية وتباعد دولها الأوروبية عن الاتحاد السوفيتي، ثم تفكك وانهار الاتحاد السوفيتي نفسه عام 1991.
وكان جمال حمدان يتمتع بقدرة هائلة على قراءة المستقبل، حيث فضح أكذوبة أن اليهود الحاليين هم أحفاد بنى إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين خلال حقب ما قبل الميلاد، وأثبت فى كتابه «اليهود أنثروبولوجيا» الصادر فى عام 1967، بالأدلة العملية أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلى أرض فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمى هؤلاء إلى إمبراطورية "الخزر التترية" التى قامت بين «بحر قزوين» و»البحر الأسود»، واعتنقت اليهودية فى القرن الثامن الميلادى، وهو ما أكده بعد ذلك بعشر سنوات «آرثر كوستلر» مؤلف كتاب القبيلة الثالثة عشرة الذى صدر عام 1976.