اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ربما يكون من المثير للاستغراب للمتابع للدول التوتاليتارية في حاضرها لكنه يعيش تحت سماء دولة أخرى أو للذي يقرأ تاريخها على ضفة أخرى من الزمان أن القادة التوتاليتاريين يستمدون شرعيتهم من الجماهير التي تهتف بأسمائهم في الشوارع وأنهم فعلا وصلوا إلى الحكم عبر صناديق الاقتراعفلا أحد يشكك في انتخابات ألمانيا التي أوصلت هتلر إلى سدة الحكم ويغلب على الظن أيضا أن ستالين كانت غالبية الشعب السوفيتي تريده وموسوليني في إيطاليا تسلق شرفة قصر الحكم عبر حبال الحب التي كنه له الشعب الإيطالي في وقتٍ ما _نفس الشعب الذي سيعلقه جثة هامدة ويرميها بالأحذية والبصاق _ إذا كيف لنظام توتاليتاري يعرف نفسه بهذا الشكل ويهدف بشكل سافر إلى انتهاك حقوق المواطنين أن يصل إلى الحكم ويستمر فيه عبر أصوات الشعب ؟! تقول حنة أرندت من الصعب إرجاع هذه الشعبية التي تمتع بها ستالين وهتلر إلى “الحملة الدعاية” الكاذبة التي تدمج فيها الكذب والجهل وأيضا ليس من عادة الديكتاتور _المتطرف منهم_ أن يواري جرائمه بل يمضون متفاخرين بجرائمهم السابقة ومعلنين بالتفصيل عن جرائمهم الآتية لذلك كان النازيون على قناعة بأن الشر يمارس في عصرنا قوة جذب مرَضية للجماهير وإن افتتان الناس بالقوة المطلقة والجريمة قديم وليس بالأمر الجديد ويدل عليه حب الناس لروايات الجريمة وأفلام العنف، إذا هي خاصية سيكولوجية لدى الناس، وبجانب النازيين كان الشيوعيون يقرون في الداخل والخارج أنهم لا يخضعون لمعايير الأخلاق المعتمدة، ومن المهم للنظام التوليتاري أن يخرج على شعبه وهو يرتدي بردة القوة، فالبشر بطبيعتهم يحملون بجانب خوفهم الشديد من الطاغية صاحب الجبروت احتراما كبيرا له وكما تقول حنة أرندت (( لطالما ثبت أن الرعاع يرحبون بأعمال العنف قائلين بإعجاب لئن كان هذا غير جميل، فإنه بالتأكيد بالغ القوة )) , إن سعي الحركة التوليتارية إلى تفكيك الأحزاب سنة لا يمكن أن يقوم النظام التوتاليتاري بدونها، فإن الأحزاب بطبيعتها تستقطب بالدرجة الأولى ذوي المصالح وتهتم بطبقات معينة وتسعى إلى جعل الرأي العام يؤثر في مسار الشؤون المحلية، هذا النمط الكلاسيكي من الأحزاب لا يستطيع العيش في الدولة التوتاليتارية لأنه إبان قيام الدولة التوتاليتارية يكون هنالك انهيار في نظام الطبقات فبعد الحرب العالمية الأولى فاقم التضخم والبطالة تصدع بنية المجتمع الذي كان منهارا أصلا بعد الهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى وفي الاتحاد السوفيتي قيام الثورة البلشفية أدى إلى إلغاء حقيقي لنظام الطبقات، فلنتخيل أن الشاب العاطل عن العمل الذي كان يرى في الأحزاب اليسارية الاجتماعية ممثلا له وأن أصحاب الممتلكات الصغيرة الذين كانون يستظلون بمظلة حزب من الوسط واليمين والأغنياء كانوا ينتمون إلى الأحزاب اليمينية كل هؤلاء فقد مكانتهم وبالتالي فقدت الأحزاب نفسها مكانتها ولم يعد لوجودها أية قيمة على أرض الواقع وتحول هؤلاء اليائسين إلى جمهور عريض من الناس وشكلت المرارة الشائعة في المجتمع أقوى رابط مشترك بين الجماهير، وهذا الشعور بالمرارة لم يوحد هذه الجماهير تحت لواء الخيبة لكنه وأكثر من ذلك محا الاختلافات الفردية بين الشعب. والشيء الملفت أن كل الجماعات السياسية تنسب إلى مراكز قوى نسبية في المجتمع سواء تمثيل نقابة أو مصالح فئة أو حتى ايدولوجيا معينة فإن الحركات التوتاليتارية تنبع من قوة الأعداد وحدها، ولذلك ترى حنة أرندت أنه من المحال قيام دولة توتاليتارية في دولة قليلة العدد نسبيا، ولذلك كانت هنالك حركات توتاليتارية في أوروبا وتولت هذه الحركات زمام السلطة فعلا لكنها لم تستطيع إقامة نظام توتاليتاري كما فعل هتلر وستالين وليس ذلك لأنهم لم يكونوا يريدون ذلك بل لم يستطيعوا فالتوتاليتارية تشترط نظام استبدادي قاهر وما كانت هذه الأنظمة تمتلك الجهاز البشري الكافي يخولها بالاستبداد وليست حتى لديها من الثروة البشرية يجعلها قادرة على تحمل خسائر فادحة في البشر، لذلك كان على فرانكو رئيس أسبانيا وغيره أن ينتهجوا منهجا أكثر ألفة وعدلا من صدقيه هتلر وموسوليني. و أما حزب “الخمير الحمر” الذي استولى على السلطة في كومبيوديا فلأنه أراد أن يكون توتاليتاريا مثل هتلر وستالين فقد اضطر إلى قتل ما بين مليون شخص إلى ثلاثة ملايين من أصل عدد سكان يبلغ عدده ثمانية ملايين، أي أن هذا الحزب تخلص تقريبا من ربع السكان وهذا أدى إلى انهياره فلم يبقى في السلطة إلا أربع سنوات فقط. لكن ستالين تسبب في قتل 50 مليون إنسان ومع ذلك استطاع الاستمرار في الحكم لأكثر من عقدين من الزمان.