اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أوردَ خيرُ الدينِ في مذكِّراتِهِ أنَّهُ بعدَ انتهائِهِ منَ الحربِ معَ السلطانِ الحفصيِّ أمرَ بالعودةِ إلى الجزائرِ، وفي طريقِهِ استطاعَ "أحمدُ ابنِ القاضي" اعتراضَهُ حيثُ كَمَنَ لهُ في مكانٍ ضيِّقٍ فأدهشَ هذا خيرَ الدينِ، ووقعتْ بينَهُم معركةٌ دامتْ ثلاثَ ساعاتٍ ونصفَ الساعةِ تمكَّنَ فيها سبعمئةٍ وخمسونَ بحَّاراً مِنْ تجاوزِ الكمينِ واستطاعَ خيرُ الدينِ وجيشُهُ الوصولَ إلى الجزائر. بدأتْ حركاتُ العصيانِ تتوالدُ، وعمِلَ "ابنُ القاضي" على جمعِ عددٍ كبيرٍ من الأهلينَ حولَهُ، وغدا يراسلُ النواحيَ كافَّةً داعياً لتمردِ على حكمِ الأتراكِ، وكانَ ممَّنْ استجابَ لدعوتِهِ أحدُ بحَّارةِ خيرِ الدينِ ويُدْعى "قَرَه حَسَن" طمِعَ في أخذِ مكانِهِ والانقلابِ عليه فراسلَ "ابنَ القاضي"، وماإِنْ علِمَ خيرُ الدينِ بذلكَ حتى قامَ بطردِهِ. استطاعَ "ابنُ القاضي" نهايةَ الأمرِ جمعَ جيشٍ قَوَامُهُ أربعونَ ألفَ رجلٍ، وفي الوقتِ نفسِهِ كانَ خيرُ الدينِ مستعدَّاً إذْ كانتْ تبلُغُهُ أخبارُ "ابنِ القاضي" عن طريقِ جواسيسِهِ، فقامَ بإرسالِ عشرةِ آلافِ بحّارٍ للتصدِّي للثائرينَ، واشتبكُوا معهُم في معركةٍ كبيرةٍ فقدَ فيها خيرُ الدينِ ألفَيْ بحارٍ وسقطَ لهُ ألفا جريحٍ، ولكنَّ المعركةَ انتهتْ بالقضاءِ على العصاةِ عنْ بكرةِ أبيهِمْ، ولمْ ينْجُ منهُمْ سوى سبعمئةٍ، والبقيَّةُ بينَ قتيلٍ أو أسيرٍ، وجمعَ مئةً وخمسةً وثمانين من قادةِ التمردِ مقيَّدِي الأيْدِي، وجمعَ علماءِ الجزائرِ طالباً منهُمُ الحكمَ الشرعِيَّ فيهِم، فأخبرُوه بأنَّ حكمَهُمُ الموتُ لخروجِهِمْ عليهِ، غير أنَّ بينَهُم كثيراً مِمَّنْ تصَدَّوا للإسبانِ فإنْ كانَ ثمَّةَ مجالٌ للعفوِ فلْيَعْفُ عنهُم. ثمَّ سألَ رؤساءَ البحَّارةِ فأجابَهُ أحدُهم بأنَّ الوقتَ ليسَ وقتُ العفوِ والتّلَطُّفِ وأنَّه يجبُ قتلُهُم ليكُونُوا عبرةً لغيْرِهِم. فتَرَجَّحَ لخيرِ الدينِ قولُ البحّارِ وأمرَ بضربِ أعناقِهِم.