English  

كتب ثقافة الإلحاد

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ثقافة الإلحاد (معلومة)


قاومت الكنيسة علماء الكونيات والعلوم التجريبية بدعوى مخالفة اكتشافاتهم لحرفية التوراة والإنجيل، وزاد تشديد القبضة الحديدية من جانب البابا الطين بلة، مضافا إليه الدور الرهيب الذي قامت به الرهبنة اليسوعية من إنزال العقوبات الأليمة بالمعارضين، وكذا دور ديوان التفتيش. كذا تراشق الفرق الدينية وتطاير الاتهامات المتبادلة، والتعدي على أرسخ القضايا الكنسية المتوارثة جيلا بعد جيل في أتون المناقشات الحامية بين الطوائف والرهبان، والكنيسة وخصومها من داخلها، كل ذلك مضافا إليه النزعة العقلية العلمية التي بدأ يفجرها رواد العلم الحديث بالفلسفة والتجارب العلمية، والحقائق المحسوسة التي تناقض صراحة أقوال الكتاب المقدس. والاستماتة في سبيل ترسيخ منهج المشاهدة والتجربة، وإن عارضت مقررات الكنيسة. هذا التهارج العظيم أدى إلى تفجر القضايا المرعبة، وظهور الكلمة المخيفة (الإلحاد) و(ملحد) (Athee)، و(ناكر المسيح) (Achriste)، حيث خرج من المسيحيين من كفر بكل شيء وأعلن ذلك صراحة. في عام 1534 م قام أحد الطبيعيين من مقاطعة هينو، يدعى كوانتين يدعو إلى الاتحاد الحر والشيوعية المطلقة، وتكاثر أتباعه في مقاطعة نورمانديا. وفي عام 1547 م كفر أحد الرهبان وخلع الثوب الرهباني ودعا إلى نفس التعاليم في مدينة روان، وكان رد البابا صاعقا. فقد أصدر حكما بإعدام كوانتين في مدينة تورنيه عام 1546 م.

هذه البراكين المتفجرة ضد الديانة المسيحية رأسا، والمزلزلة أركانها في قلوب الناس، والتي تبنتها ألمع الشخصيات، وأشهر الأسماء، مثل الصحافي والناشر الذائع الصيت إيتان وليه الذي تبنى مذهب الطبيعية ، وتم اتهامه بأنه ملحد معضل كافر، وكان رد الكنيسة هائلا، حيث أعدمته حرقا في ميدان موبرت في باريس. ولكن قذائف الكفر بكل شيء لم تتوقف، فهذا بونافنتورا دي برييه في كتابه صنوج العالم الصادر عام 1538 م، يشن حملات لاذعة، منكرا الوحي والإنجيل والمسيح، أما الأسباني ميشال سرفيه، فأصدر كتابه مغالط الثالوث يندد بأصل عقيدة التثليث، ويشن الغارة عليها. فلما أحس بالخطر فر إلى جنيف، حيث طالته يد الكنيسة وتمت محاكمته، وكان الحكم المرعب: الموت حرقا عام 1553 م.

لقد كانت هذه النزعات الرافضة لمعتقدات الكنيسة الأساسية من جانب الرهبان، وهذه الثورة الدافقة على مقولات الكتاب المقدس، من داخل الكنيسة، مندفعة كأثر حتمي لثورة العلوم الطبيعية، ذلك أن العلماء الطبيعيين لم يواجهوا ألغاز وطلاسم الكنيسة بنظريات تخيلية أو واجهوا الفلسفة الأرسطية التي لا فهم للمسيحية بدونها بفلسفة تخمينية أو آراء اجتهادية، لقد كانت ردود علماء الفيزياء والفلك والطب – على مسالمتها ووداعتها – زلزالا حقيقيا هدم كل شيء. وكانت النظرة المعتمدة المقرة عند الكنيسة الكاثوليكية، أن أرسطو أحد الأنبياء الذين تجلى الله عليهم بنوره قبل أن يعلم ذاته للبشر، ولا يمكن فهم المسيحية من غيره لقد بدا العلماء الطبيعيون أوثق الناس قاطبة بما يقولون، إذ يستحيل تكذيب المحسوسات أو أن تزيغ الرياضيات، وماذا عسى أرباب الديانة أن يجبيوا على جاليليو وكوبرنيكس وكبلر وهم يلزمون العلم بالمعادلات الرياضية، لا بالبلاغات الكلامية. وماذا يقولون لوليم هارفي إذ يثبت بالتجربة العلمية المحسوسة شرود نظرية الثبات والسكون التي اعتبرها أرسطو عمودا ناصبا وركنا ركينا في فلسفته.

هذا الاشتباك البالغ الضراوة بين ديانة محرفة مبدلة منسوبة ظلما إلى الله تعالى وإلى المسيح، وبين علوم واقعية مادية تجريبية مشاهدة تتفجر كالأتون الملتهب في قذائف متتابعة لوضع البشرية على مفترق طريق، وهكذا كانت الخاتمة بانهيار الديانة المسيحية انهيارا شاملا هائلا في نفوس أصحابها ونفوس مناوئيها على حد سواء، وإثباتها عدم استحقاقها لمجاراة العقل الإنساني والطموح الإنساني والفطرة الإنسانية، بما يقطع بأنها ليست هي التي أنزلها على الإنسان خالق الإنسان. وقد أثبتت هذه المعركة، وخاصة ما يتعلق بالبراهين العلمية الواقعية الدامغة على كذب الكتاب المقدس ومخالفته لحقيقة الأمر، أثبت هذا أنها ديانة محرفة، وأنه كتاب يستحيل أن يوحي به إله خلق هذا الكون. لقد أثبتت هذه المعركة أن أن القرآن كان صادقا ولمدة ألف عام – قبل أن يرى العلم التجريبي النور ويصطدم في هذا العنف بنصوص الكتاب المقدس – إذ كان ينادي بالليل والنهار بأن التوراة والإنجيل إنما هي كتب محرفة مكذوبة لا يقرها الله تعالى على نفسه ولا على أنبيائه، حتى جاءت الاكتشافات الكثيرة في السموات والأرض والنفس لتثبت من غير جدل كثير وبصورة قاطعة دامغى لا التواء فيها أن القرآن كان صادقا في تبرئة الله تعالى من هذه الكتب، وتحميل الأحبار والرهبان المسؤولية الكاملة على النتائج المأساوية لتحريفهم كلام الله تعالى وافترائهم عليه، فبات الناس في كفر عظيم، وكانت النهاية الدامية التي أدت بالبشر إلى الكفر بالله والأنبياء جميعا.

بدخول القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وبعد انفلات علماء الكونيات من أسر الكنيسة، وبعد لعق الجراح النازفة، والتقاط الأنفاس اللاهثة، وبوادر الأمن والطمأنينة بعيدا عن العيون المتوحشة للباباوات، والأظفار الدامية للكهنة والرهبان ومحاكم التفتيش، بدأت مرحلة جديدة تتميز بتأصيل الإلحاد والكفر، وترسيخ مفاهيم نبذ الدين، والانفصال الكامل وبصورة عقائدية عن كل ما هو سماوي. إنها الصبغة الفكرية الجديدة للثقافة الأوربية المعتمدة تماما على المنهج التجريبي، والمنطق العلمي ورفض كل ما هو غيبي غير محسوس. وظهر ما يسمى بدين العقل، وقد ظهرت هذه الفكرة خافتة ضعيفة في القرن السادس عشر بين فرقة السوسيني التي طاردتها الكنيسة، ولكن هذه الديانة العقلية قد لاقت رواجا عظيما بين المفكرين في القرن الثامن عشر، بل تطور تأصيل الإلحاد، فاضطرب الأمر جدا بين الديانة العقلية والإلحاد، وبين إثبات وجود الله في الطبيعة. فمن بين مؤيدي الوحي ولكنه يقول بالدين الطبعي نجد جون لوك ونيوتن، أما المنكرون للوحي رأسا غير أنهم يؤمنون بالدين الطبعي (الله في الطبيعة) فأمثال هيوم وفولتير وسبينوزا وديدرو، أما الملاحدة الخالصون فكانوا أمثال فيورباخ وآخرين. ومع دخول القرن التاسع عشر، فقد تقاطر الفلاسفة والمفكرون في كثرة ملفتة للنظر، حيث تمت بهم البلية واستقر الأمر فلسفيا للإلحاد والكفر بالدين، وتثبيت القواعد وترسيخ الأسس بعيدا عن أي ضغط من الكنيسة وغيرها. وجاء المفكرون وفلاسفة القرن العشرين ليسايروا إخوانهم أصحاب القرن التاسع عشر في ذات الأفكار الإلحادية مع إثرائها بحجج جديدة ومنطق جديد. ثم جاء سارتر (1905 – 1980 م) بالوجودية الملحدة: (إن الإنسان في جوهره رغبة في أن يكون إلها، وعلى هذا يجب على الإنسان أن يبدع قيمه الخاصة دو اعتماد على أي معيار إلهي). وهكذا انتهى الأمر فعليا باستبعاد فكرة الدين من عقل الثقافة الأوروبية، واعتبار الإنسان هو المعبود الجديد، والعلم هو الرسول الجديد، واعتماد الحرية الكاملة الغير مقيدة بأية شروط أو ضوابط.

المصدر: wikipedia.org
 
(4)
الحاد

الحاد