اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
المراد من لفظة العالم كما يذكر أبو المعين عند المتكلمين جميع ما سوى الله تعالى من الموجودات من الأعيان والأعراض، وهو مكون من جواهر وأجسام وأعراض. لكن أبو منصور الماتريدي يرى أنه منقسم إلى قسمين: أعيان وأعراض، لأن الأجسام هو جواهر لأنها متركبة منها وهي القسمة التي يقول بها أبو المعين لكنه يخالف أستاذه في القول بأن الجواهر قائمة بنفسها، لكن الماتريدي يرفض هذا التعريف لأنه لا قائم بنفسه سوى الله تعالى لكن أبو المعين يقول بأن الجواهر قائمة بنفسها وأنه يصح وجودها عن غيرها، فلا ضير في التعريف بهذا المعنى. فالأعيان (الجواهر) هي ما تقوم بنفسها وهي إما مركبة وهي الجسم أو غير مركبة وهي الجزء الذي لا يتجزأ، والأعراض ما لا قيام لها بذاتها وتحدث في الجواهر والأجسام وهي كالألوان والطعوم والروائح.
وأبو المعين ينهج نهج أستاذه الماتريدي في عدم البحث عن أصل الأشياء وحقائقها لأن هذا لا يدخل في معرفة أصل الدين فبعد أن يذكر تعريف المعتزلة وأبو الحسن الأشعري للجسم وينقل تلك التعريفات يميل إلى رأي الماتريدي الذي يثبت أن الجسم مركب وذلك لاستحالة ذلك على الله سواء أكان اسما لإطلاق التركيب أو لمخصوص التركيب فهو لا يبحث المسائل الطبيعية في ذاتها ولكن يبحث فيها بالقدر الذي ينفع في أمر دينه وإثبات عقيدته فليس الغرض هو تفسير العالم بل الغرض إثبات أن العالم محدث (مخلوق) وأن له محدثا (خالق) ومعنى الحدث ما لوجوده ابتداء والقديم (أي الأزلي) هو ما لا أول لوجوده.
وطريقة أبو المعين في إثبات حدوث العالم هي نفس طريقة سائر المتكلمين والتي أساسها أن العالم مكون من أعيان وأعراض ولم يسبقها ولا يخلو منها وأن الأعيان والأعراض حادثة وأن ما لاي يخلو من الحوادث ولا يسبقها فهو حادث ونفس طريقته في إثبات حدوث الأعراض والأعيان هي نفس طريقة عامة المتكلمين، ودليل حدوث الأعراض هو ما نشاهده من الحركة والسكون فإننا نرى ساكنا تحرك بعد سكونه فكان السكون قائما بالجسم حين كان ساكنا وقد حدثت فيه الحركة بعدما صار متحركا، والحركة لم تكن موجودة حال كون الجسم ساكنا فحدثت الآن فعلمنا حدوثها بالحس والمشاهدة، والسكون كان موجودا وقد انعدم حين حدثت الحركة فعلم أنه كان محدثا حيث قبل العدم لأن القديم مما يستحيل عليه العدم.
والدليل على حدوث الأعيان أنها لا توجد متعرية عن الأعراض التي تثبت حدوثها فإذا كانت الأعراض كلها محدثة يستحيل خلو الجواهر عنها إذ وجود جوهرين غير متفرقين ولا مجتمعين وتوهم جسم في مكان في حالة البقاء غير متحرك ولا ساكن محال وكذلك خلو الجواهر عن الألوان كلها والطعوم والروائح مما يحيله العقل كما يحيل اجتماع المتضادات في محل واحد ووقت واحد، وإذا استحال خلو الجواهر عنها استحال سبق الجواهر عليها لما أن في السبق الخلو والخلو محال فكان السبق محالا فإذا لم تسبق الجواهر والأعراض وما لا يسبق الحادث فهو حادث ضرورة لمشاركة المحدث فيما كان لأجله محدثا وهو أن لوجوده ابتداء.
ويذكر أبو المعين دليلا آخر على حدوث العالم يقوم على التفرقة بين واجب الوجود وهو القديم وبين جائز الوجود وهو المحدث، والقديم ينبغي أن يكون واجب الوجود، لأنه لو لم يكن واجب الوجود لكان جائز الوجود أو ممتنع الوجود، لكن وجوده متحقق ومحال تحقق وجود ما هو ممتنع لما فيه اجتماع الجواز والامتناع، وليس بجائز أن يقال إنه جائز الوجود لأنه لو كان جائز الوجود لكان جائز العدم، لاستحالة القول بكونه ما يمتنع عدم جائز الوجود بل هو واجب الوجود ضرورة، فلو كان جائز الوجود لكان جائز العدم وإذا كان الوجود والعدم كل واحد منهما في حيز الجواز، ولم يختص أحدهما بالتحقيق إلا بتخصيص مخصص، وما كان وجوده لتخصيص مخصص كان محدثا، إذ المحدث هو الذي يتعلق وجوده بإيجاز غيره، أما القديم فمستغن في وجوده عن غيره. وفي هذا الدليل نجد تأثره بفكرة الواجب والممكن عند الفارابي وابن سينا والتي نجد جذورها عند الماتريدي. وعلى هذا فإذا كان العالم محدثا (مخلوقا) فلابد له من محدث (خالق) وهو الله تعالى.