اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قسَّم طارق بن زياد الجيش الإسلامي أربعة أقسام: بعث قسمًا منهُ بِقيادة مُغيث الرومي إلى قُرطُبة كما أُسلف، وبعث قسمًا آخر إلى مالقة، ثُمَّ بعث قسمًا ثالثًا إلى إلبيرة وأمرهُ بِأن يُتابع طريقه بعد ذلك إلى مرسية. ثُمَّ سار هو بِبقيَّة الجيش في اتجاه طُليطلة. وكان قد جعل في كُلٍ من هذه الأقسام أدلَّاء من أصحاب يُليان. أمَّا الجيش الذي توجَّه إلى قُرطُبة فقد فتحها كما أُسلف، وأمَّا الجيش الذي توجَّه إلى مالقة، على الشاطئ الجنوبي من الأندلُس، فقد فتحها وجميع أعمالها فتحًا يسيرًا هيِّنًا، بعد أن هربت حاميتها من القوط والفرنجة إلى جبال رية واعتصموا بها. ولم يجد المُسلمين في مالقة يهودًا. وأمَّا الجيش الذاهب إلى إلبيرة فاتجه أولًا جنوبًا في شرق حتَّى فتح أُرشُذونة ثُمَّ عطف شرقًا نحو غرناطة مدينة كورة إلبيرة ففتحها فتحًا هيِّنًا، لِأنَّ كثيرًا من أهلها كانوا يهودًا، وقد استعان المُسلمين بهم على ضبط المدينة وإدارتها ومُساندة الحامية الإسلاميَّة فيها. وكان في الجيش الذي فتح غرناطة المُجاهد المشهور حنش بن عبد الله الصنعاني، فأسَّس فيها مسجدًا. ثُمَّ سار الجيش نفسه الذي كان قد سار إلى غرناطة إلى مرسية، في الجانب الشرقي الجنوبي من الأندلُس. وكان في مرسية نبيلٌ قوطيّ عرفهُ المُسلمين باسم «تُدمير بن عبدوس» (ويُلفظ في لُغته الأُم «ثيوديمير» أو «تيودمير») يعيشُ شبه مُستقل في تلك المنطقة مُنذ أيَّام لُذريق، الذي قيل بأنَّهُ استخلفهُ على الأندلُس قُبيل اندلاع معركة وادي لكة وقال لهُ: «قَد وَقَعَ بِأَرضِنَا قَومٌ لَا نَدرِي مِن أَهلِ الأَرضِ هُم أَم مِن السَّمَاء». واختار تُدمير هذا أن يُقاوم المُسلمين فانهزم أمامهم هزيمة مُنكرة في قرطاجنة، وهي ثغر مدينة مرسية، حتَّى كاد جيشه أن يفنى. عندئذٍ انسحب تُدمير بِمن بقي معه إلى مدينة أوريولة، وعمد إلى الحيلة، فأمر النساء فنشرن شُعورهُنَّ ثُمَّ أعطاهُنَّ القصب وأوقفهُنَّ على سور المدينة وأوقف معهُنَّ بقيَّة الرجال لِيُوهم المُسلمين بِأنَّ في المدينة حُماةً كثيرين، كما ذهب بنفسه إلى المُسلمين مُتنكرًا على هيئة رسولٍ مُفاوض، فاستأمن على نفسه وما يملك من بلاد، فأمَّنهُ المُسلمين على ذلك كُلِّه، وعقد عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير بينه وبين تُدمير مُعاهدة، جاء فيها:
كتابٌ من عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير لِتُدمير بن عبدوس أنَّهُ نزل على الصُلح، وأنَّ لهُ عهد الله وذمَّة نبيِّه ألَّا يُقدَّم لهُ ولا لِأحدٍ من أصحابه ولا يُؤخَّر، ولا يُنزع من مُلكه، وأنَّهُم لا يُقتلون ولا يُسبون ولا يُفرَّق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يُكرهوا على دينهم ولا تُحرق كنائسهم ولا يُنزع من كنائسهم ما يُعبد. وذلك ما أدَّى الذي اشترطنا عليه. وأنَّهُ صالح على سبع مدائن: أوريولة وبلتنة ولقنت ومولُه وبلَّانة ولورقة وألُه، لا يُؤوي لنا آبقًا ولا يُؤوي لنا عدُوًّا ولا يُخيفُ لنا آمنًا ولا يكتُمُ خبر عدوٍّ علمه. وصالح على أنَّ عليه وعلى كُل واحدٍ من أصحابه دينارًا كُلَّ سنة وأربعة أمداد قمح وأربعة أمداد شعير وأربعة أقساط طِلاء وأربعة أقساطٍ خل وقِسطيّ عسل وقسطيّ زيت. وعلى العبد نصف ذلك. وكُتب في رجب في سنة 94 من الهجرة.
فلمَّا تسلَّم تُدمير كتاب الصُلح هذا من عبد العزيز بن مُوسى أدخل المُسلمين إلى أوريولة فرأوا ما فيها من ضعف الحامية وأدركوا خدعة تُدمير وعلموا أنَّهُ كان بإمكانهم دُخُول المدينة عنوة. وقد أسفوا لِما حدث، ولكنَّهم وفوا لِتُدمير بما كانوا قد شرطوا له على أنفُسهم في كتاب الصُلح.