اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وحينما وصل الزيدان إلى مكة سنة 1358هـ للعمل في مكتب الشيخ حامد عبد المنان شيخ مشايخ الجاوه إذ ذاك كان يسكن في بيت الشيخ حامد عبد المنان في سوق الليل، وكان ينزل منزل الشيخ محمد سرور يرحمه الله على بعد خطوات من منزل الشيخ عبد المنان. وكان الزيدان يتردد على مكتب الشيخ محمد سرور، وكنت أرى الزيدان كثيراً في تلك الأيام. كان قد ترك المدينة المنورة، وله فيها ذكريات وصداقات، ذكريات عزيزة وصداقات حميمة، وكان يشعر بشيء من الوحشة أو مقدمه إلى مكة، وكان يتحدث عن المدينة والعواطف تتدفق في كلماته، والشوق يتجلى في ذكرياته، فكان يخرج معنا في الأصائل والأماسي إلى ظاهر مكة في المسفلة وجرول، وكنا مجموعة من الأدباء الشباب اتفقت مشاربهم، وتشابهت آمالهم، يتحدثون عما قرؤا ويزجون أوقات فراغهم في هذه المجالس التي تضمهم في المساء وصدر الليل. وحينما حل الصيف كان الزيدان أحد أفراد هذه المجموعة التي تجمع أصيل كل يوم في الطائف في قروة في سفح جبل السكارى، وفي الفضاء الفسيح الممتد أمام الثكنة العسكرية هناك. كان يزورني ذات صباح في مكتب الشيخ محمد سرور الصبان بالقشاشية، وكان له مكتب بها، وكان هذا المكتب في مواجهة مدرسة الفلاح في مكة المكرمة. وكان الحاج محمد علي زينل مؤسس الفلاح يرحمه الله قد وصل إلى مكة لزيارة المدرسة في ذلك الصباح، وكنت أرغب في السلام عليه، فاصطحبت الزيدان يرحمه الله وذهبنا إلى مدرسة الفلاح، كان الحاج محمد علي زينل يرحمه الله قد سبقنا إلى الوصل إلى المدرسة، وكان ووصحبه يجلسون في صالة الاستقبال، وكلمات الترحيب تلقى أمامه من الطلبة والمدرسين، وكان السيد علوي مالكي يرحمه الله أستاذاً بمدرسة الفلاح كما كان من قبل تلميذاً بها، ووقف السيد علوي أمام مؤسس الفلاح وقفة التلميذ أمام الأستاذ، فقد كان الجميع يقرون له بالفضل، ويعدونه الأب الروحي لهم. وقف السيد علوي مالكي أمام مؤسس الفلاح يلقي كلمة كلها الثناء والإعزاز والحب والتقدير. وانتفض الزيدان يرحمه الله وكان إلى جانبي واندفع يرتجل خطاباً يتساءل فيه ويوجه الخطاب إلى مؤسس الفلاح وكأنه يقول له: من أنت الذي يقف هذا العالم الجليل بين يديك ليرتل لك آيات الثناء. ورد الحاج محمد علي زينل بأدبه الجم وتواضعه الكبير على الزيدان ويقول: نعم من أنا حتى يقوم السيد علوي مالكي العالم الفاضل الجليل ليثني علي وماذا أكون إلى جانب علمه وفضله، ودينه وتقواه..؟ هكذا كان الزيدان إذا انفعل لا يملك زمام نفسه..؟ وهكذا كانت ملكته الخطابية وقدرته على الارتجال تفسحان له مكاناً للخطابة والكلام..؟ الزيدان مدنياً ـ مدني المولد والنشأة والهوى ـ ولم يكن الحاج محمد علي زينل معروفاً في المدينة بمقدار عرفان الناس له في مكة وجدة، ولهذا فقد كان استغراب الزيدان أن يقف السيد محمد علوي مالكي "وكانت شهرته بالعلم والفضل تعم الحجاز كله" كان استغرابه عظيماً أن يقف هذا العالم الجليل وقفة التلميذ أمام مؤسس الفلاح وعلى أي حال فإن الزيدان يرحمه الله أخذ من هذه الوقفة الدليل على عظمة مؤسس الفلاح، واستحقاقه لما لقي ويلقى من حفاوة وتقدير.