اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يبدو كما هو نتائج ومقتضى الآثار المقروءة والمشاهدة أن هذه المدينة لم تزل خلال الظرف الزمني المحدد منارة علم ومعقل عز وملك وملتقى شبكة اتصالات بكبريات المدن في بلاد المغرب الإسلامي وغيره.
وقد تناولتها أقلام من المؤرخين القدامى ممن زارها أو عاصرها هذا القاضي عياض في صدد الكلام على مختصر محمد بن المواز من أهل القرن الثالث يذكر أنه أخذه عنه بتمامه قوم من تادمكة ونص ابن فرحون في ديباجه ص233, آخر ترجمة ابن المواز على أن الكتاب بكماله أخذه عنه قوم من أهل تادمكة وهو كذلك من أهل القرن الثالث.
وبعدهما يضيف لنا ابن حوقل أن ملوكها بنو (تنماك) وفيهم رياسة وعلم وفقه وسياسة إلى علم بالسير واضطلاع بالأثر والخبر.
وهذا تصريح كاف في مدى قوة النشاط العلمي في مدينة السوق تادمكة في فترة لم يحن فيها بعد ميلاد تنبكتو وريثتها فضلا عن المعلمة الثالثة في المنطقة شنقيط بل يكفي من تغلغل العلم في طبقات فئات المدينة في ذلك التأريخ وما بعده أنه شمل حتى من وصفهم ابن حوقل بالملوك فكان فيهم علماء ومحدثون وفقهاء وينطوي في ذلك من تشجيع العلم الشرعي وتقديره ما يحفز وينهض بسائر شرائح المجتمع إلى التعلق به وإعطائه الأولوية الأمر الذي استمر فيهم لدرجة أن أصبح المعنى الاصطلاحي للقب السوقي هو العالم الرباني القدوة وكان له نفس صدى لقب الأزهري في مصر في أذهان أهل المنطقة عامة.
يقول البكري في الروض المعطار: "وتادمكة أشبه بلاد الدنيا بمكة ومعنى تادمكة هذه مكة وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو(كاوا)..إلخ فذكر من إسلام أهلها وأشاد في وصفهم ونعت عيشهم وملابسهم والزي الخاص بملوكهم وذكر أن عملتهم تسمى الصلع لأنها من الذهب المحض غير مختومة وفي أصل تسميتها تادمكة تنقل رواية أن الحجاج المغاربة مروا بها راجعين فرأوها كما نعتها البكري فقالوا تادمكة يعني هذه مكة، على سبيل التشبيه في المظهر الطبيعي للموقع"
و يضيف: "تادمكة في بلاد السودان، وهي أشبه بلاد الدنيا بمكة شرفها الله، ومعنى تاد عندهم هيئة أي على هيئة مكة، وهي منيعة كبيرة بين جبال وشعاب وهي أحسن بناء من مدينة غانة وكوكو (كاوا). وأهل تادمكة بربر مسلمون، وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء وعيشهم من اللحم ومن اللبن ومن حب تنبته الأرض من غير اعتمال"
و ذكرت في صبح الأعشى: "وتجلب إليهم الذرة وسائر الحبوب من بلاد السودان، ويلبسون الثياب المصبغة من القطن والصوف وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصاً أصفر، ودنانيرهم تسمى الصلع لأنها ذهب محض غير مختومة، ونساؤهم فائقات الجمال لا يعدل بهن نساء بلد حسناً، وبين تادمكة وغانة نحو خمسين مرحلة، وبينهما مدن وعمائر للسودان والبربر."
كما ذكرت في مسالك الأبصار: "المملكة الخامسة من بلاد المغرب جبال البربر في جنوب الغرب بين مملكة بر العدوة وبين بلاد مالي وما معها من بلاد السودان ثلاثة ملوك من البربر بيض مسلمون وهم سلطان آير وسلطان دموسة وسلطان تادمكة كل واحد منهم ملك مستقل بنفسه لا يحكم أحد منهم على الآخر وأكبرهم ملك آهير وزيهم نحو زي المغاربة يلبسون الدراريع إلا أنها أضيق وعمائم بأحناك وركوبهم الإبل ولا خيل عندهم ولا للمريني عليهم حكم ولا لصاحب مالي وهم في قلة أقوات ونقل عن الشيخ عيسى الزواوي أن لهم جبالا عامرة كثيرة الفواكه.
وذكر أن ما بأيدي الثلاثة تقدير نصف ما لملك مالي من ملوك السودان أو أرجح بقليل ولكن صاحب مالي أكثر في تحصيل الأموال لا ستيلائه على بلاد الذهب وما يباع بمملكته من السلع وما يغنمه في الغزوات من بلاد الكفار لمجاورته لهم بخلاف هؤلاء فإنه ليس لهم يد تمتد إلى كسب بل غالب أرزاقهم من دوابهم.
ثم قال ودون هؤلاء فيما بينهم وبين مراكش من بلاد المغرب جبال المصامدة وهم خلق لا يعد وأمم لا تحصى وهم يفتخرون بالشجاعة والكرم.
ثم ذكر أنهم كانوا لا يدينون لسطان إلا أنهم دانوا للسلطان أبي الحسن المريني ودخلوا تحت ذيل طاعته على أنهم لا يملكون أحدا قيادهم ولا يسلمون إليه بلادهم وبكل حال فهم معه بين صحة واعتلال.
ويتفق هذا مع ما قول صاحب الحلل الموشاة:لم يسجل التأريخ البتة أن هؤلاء القوم ولوا الأدبار مرة واحدة. بواسطة محمد صالح منصور في كتابه العلاقات بين المرابطين وملوك الطوائف، وهذا وإن كان صفة مشتركة بين قبائل صنهاجة اللثام إلا أن لأبناء الطوارق في القديم خصوصية لا تجهل فاحتساء كأس المنون ألذ وأهون لديهم من الرضوخ لحظة لخطة الخسف والهون
وفي طرف جبل لونيا الغربي بين جبال وأودية مدينة تادمكه، وهي معروفة عند المسافرين مذكورة في الكتب وأهلها برابرة مسلمون يكثرون من التجارة والسفر إلى بلاد السودان وموضوعها في جنوبي الجبل وشمالي خط الإقليم الثاني حيث الطول أربع وأربعون درجة ودقائق. وفي آخر هذا الجزء من الجانب الشرقي الواحات الجنوبية وأكثرها قفار وفيها جزائر نخل في الرمال ومياه أكثرها غير عذبة.
وقوله في تادمكة أن تاد تعني الهيئة، وليس الأمر كذلك بل إن " تاد " تعني لفظ الإشارة " هذه ". ومن يراجع الروض المعطار يجد أن بعض هذه الأمور قد رددها الحميري أيضاً نقلاً عن البكري، فليس الخطأ من عنده، وإنما مصدره ثقته فيما يقرؤه لغيره. ولكن الخطأ يشيع بالنقل، وتصبح أخطاء الحميري نفسه مظنة قبول عند من ينقلون عنه مضافةً إلى أخطاء غيره.
وذهب البكري كذلك إلى أن المسافة الفاصلة بين ورجلة وتادمكت تقدر بخمسين يوماً، وبين تادمكة وغاو بعشرة أيام.
وأشار ابن عذارى إلى أنهم ممن أعان عبد الله بن ياسين على نشر السنة وإخماد البدعة في وطنهم وقد مر بنا أنها وصلها النفوذ المرابطي في قلب الصحراء وخضعت بعض الشيء لدولة بني مرين إلا أنها بقي لها استقلالها مع ذلك.
ويذكر أنها من أهم الممالك في غربي إفريقيا خلال القرن الثامن إلى العاشر وبعدها تضاءل صداها وأخذت في مرحلة الشيخوخة والبلى ليختفي شخصها ويبقى اسمها ساطعا وشائعا في نخب من أهل العلم التي حافظت على تلك التقاليد من رفع راية العلم واحتضانها والتخلق بأخلاقه حتى وإن لم يكن لهم بالمدينة رحم ماسة فالمهم الوصف العلمي والسلوكي فذلك وسمها ورمز بقائها.