اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُعدّ ميّ ممّن أبدعوا في مَجال الصّحافة، فكانت تكتب المقالات ذي الأثر الاجتماعيّ في الصّحافة المصريّة، ومن الصُّحف التي كتبت فيها صحيفة "المحروسة" التي كان لها فيها باب خاص وثابت اسمه "يوميّات فتاة"، كانَت تستعرض في هذا الباب مَقالاتِها وتُمضي في نِهايتها بأسماء مُستعارة، كان من أسمائها المستعارة: "شجية، خالد رأفت، إيزيس كوبيا، عائدة، كنار، السندبادة البحرية الأولى". وممّا أضافته ميّ إلى عَملها في سنة 1926 أنّها ابتَكرت بابًا جَديدًا في صَحيفة "السّياسة الأسبوعيّة" وتَسمِيتٌه "خَليّة النّحل"، وكانَ هذا الباب قائِماً عَلى أساس الأسئِلة وَالأجوِبة الصّادِرَة مِمّن يُريدُ من قُرّاء الصّحيفة أن يَسأل سُؤالاً أو يُجيبَ عَلى سُؤال مَطروح.
زَادت ميّ زيادة مِن إقبال الفِئة الشّبابيّة عَلى القِراءة مِن الجَريدة بإنشائها باب خليّة النّحل التّفاعليّ، وَبِهذا تَكونُ قَد أضافَت عامِلاً مُهماً في الصّحافة، ومَع أنّ هذا الباب يُعدُّ عَملها "الفنيّ" الأول في الصّحافة إلّا أنّه كانَ الأخير؛ لِأنّها فضّلت أن تَكون كاتِبة غَير مُقيَّدة بأحَد وأنْ تَكونَ حُرّة لا تَختَلِط مَع مَن تَكتب لَهُم. حاوَلت صَحيفة "الأهرام" أن تَجتذب مَي لِتَكون عُضوًا في أسرة تَحريرها وأعَدّت لَها مَكتبًا خاصًا في غُرفة رَئيس التّحرير، ولكنّها رَفضت العَرض، وبَقِيت صِلتها قائِمةً عَلى الكِتابة الحُرّة.
وُلدت فِكرة مي زيادة بصالونها الأدبي في فَترة تَحوّل جَذريٍ شامِلٍ في جَميع مَناحي الحياة، بَعد الدَّعوة إلى الاستقلال السياسي، وظُهور الرَّغبة المُلحّة في الحريّة الفرديّة والمساواة، والدعوة إلى تحرير المرأة، فكانت بداية انعقاد صالون مي 24 نيسان 1913م، حيثُ وَقفت في خطابٍ لأول مَرة في بهو الجامعة المصرية، لإلقاء كَلمة جبران خليل جبران نيابةً عنه اشتراكاً في تَكريم الشاعر خليل مطران، وفي نهايةِ الكَلمة وَجّهت الدَّعوة لِعقد صالون أدبي في مَنزِلها، فَتلقت يَومها تَشجيعاً كبيراً من الحاضرين، وبعد ذلك ابتدأ يجتمع في بيتها مَجموعة مِن الأشخاص الذين حَضَروا صالونها الأدبي كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع، وبقي أعواماً تَحت رِئاسة الشاعر إسماعيل صبري. كانَ الصالون في بادِئ انعِقاده عام 1913 يُعقد بمسكنها في الطّابق العلوي من مَباني جريدة الأهرام في شارع مظلوم باشا، واستقطبت فيه المفكرين والكتّاب والشعراء، ونَوعياتٍ مُختلفة مِن عليّة القَوم والأثرياء والأدباء المعدومين ومنهم إسماعيل صبري، منصور فهمي، ولي الدين يكن، أحمد لطفي السيد، أحمد زكي، رشيد رضا، محيي الدين رضا، مصطفي عبد الرازق، الأمير مصطفي الشهابي، أمين المعلوف، الدكتور يعقوب صروف، الدكتور شبلي شميل، سلامة موسى، إسماعيل مظهر، محمد حسين المرصفي، أحمد شوقي، خليل مطران، إبراهيم المازني، عباس محمود العقاد، أنطون الجميل، مصطفى صادق الرافعي، طه حسين، داوود بركات، زكي مبارك، عبد الرحمن شكري. وكان صالونها واسعاً رحباً، اختارت أثاثه بنفسها، وعلقت في صدره أبيات من الإمام الشافعي وهي:
كانت تُقدم شراب الورد أو القهوة في صالونها عَلى الطَّريقة الشَّرقية، وكَانَت تَجلس في صَدرِه تُرحّب بِضيوفِها. وكانَ صالونها الصّالون الأدبي الوَحيد في مصر الذي تُديره امرأة وتستقبل فيه ضيوفاً من الجنسين. تميّز بما فيه من حريّة فكريّة واجتماعيّة وحركة ثقافيّة وفّرها كلٌّ من المضيفة والضيوف، وشكّل منبعاً للإنتاج الأدبي، وهي أحد أسباب نجاح هذا الصالون، فأثرت في أدباء عصرها من الناحيتين الإنسانية والفنية، كان حَديثها يغلب عليه التسامح والود والتَّهذيب الرَّفيع والفكر العميق، فكانَت تحرص على إفساح المَجال لَزائريها لِيُعطي كل منهم رأيه، فَلا يَشعر أحد بالاغتراب في مجلسها.
أما المُرتادون فَكانوا يَتحدثون في شَتى المَواضيع الفكرية والأدبية، ويَتكلمونَ بالعربية أو بِغيرها مِن اللغات الأجنبية، أمّا مَي فكانَ حديثها دائماً باللغة العربية الفصحى، وكانَت في صالونها وأحاديثها تُباعد بَينها وبَين التّيارات الحِزبية والتَّعصبية، فَما استطاعَت أن تُدير لَها ظَهرها والمُجتمع يُعاني مِن هُمومه، كانَت سِمة صالونها الأساسية أنه أدبي فكري، ولم يكن اجتماعيًا أوسياسياً، وكانَ الطابع هُو الطّابع الأدبي الّذي لَم يَتغير. كان أبرز أهداف صالونها البَحث عَن إنشاء جَديد يُقرّب بَين طَرفي اللغة الفصحى التقليدية واللُّغة العامية، والتَّقريب بَين الفِكر الشرقي والغربي بواسطة تعريب الروائع الأوروبية، ومُناقشة الكُتب الجَديدة والقَصائِد الحَديثة والحَملات الصّحفية. كما كانَ لِمي وصالونها دَورٌ في المعارك الفكرية في ذاكَ الوَقت، شَهدت مصر في العِشرينيات والثلاثيينات مَعارِكَ فِكرية عَديدة، ولَم تَكن مي في عزلة عَن تلك المَعارك الفكرية، وكان بمقدورها أن تُؤثر في الكَثير مِن الأحداثِ بِتدخلها، لكنّها كانَت لا تَتدخل تَدخلاً مباشراً. لَقد استمر صالون مَي قُرابة خَمسة وعشرين عاماً مُتواصِلة لا يَثنيها عَن ذلك طارِئ مِن مَرض أو سفر، وهِي أطول فَترة عَرفها صالون أدبي في الشرق أو الغرب.
أخَذَت مَي عَن والِدها المعلم والصحفي وصاحِب جريدة "المَحروسة" القُدرة عَلى مُحاورة رِجال الفكر والقلم. وإتقانِها اللغات الأجنَبِية والإطلاع الواسِع عَلى مُختلف ألوانِ الثقافة، وتوفّر فيها مُقومات قُوة الحُضور والتأثير، وبَراعَتِها في إدارة حوار جَلَسات الصالون، فكانَ أحد أسباب نَجاح صالونها وشُهرتها بَراعَتها في إدارة الحوار، وكانَت حِواراتها حافِزاً لِلإنتاج الإبداعيّ والفكريّ، فَكانت مِن الأوائِل الّذين دُعوا لِإقامة جُسور مِن الحوار والتَّفاهم والتَّبادل بَين الثقافات الإنسانيّة.
ذَكر عباس محمود العقاد أحد رُواد صالونها بَراعتها في إدارة الحوار وتوجيهه فََقال:
وَصَف د. طه حسين صالونها قائلًا:
أمّا الشاعر إسماعيل صبري الّذي اضطر لِلغياب عَن الصَّالون، فَكتبَ مُعتذرًا عَن الغِياب قائِلًا:
ويَقولُ الدّكتور مترى بولص:
وأما أمير الشعراء أحمد شوقي فَترجم انطِباعاته عَن مَي وصالونها بقصيدة يَقولُ فيها:
زار صالون مي اثنان من المفكرين الأمريكيين، كان أحَدهم هِنرى جايمس القَصصي الأمريكي وهو شقيق وليم جايمس العالم النفسي المَشهور، وكانت مي مَعهُما مثالاً للمرأة الشرقية المثقفة.
راسلت ميّ زيادة أعلام عصرها من سياسيين ومفكرين وصحفيين وشعراء وكتاب، وراسلت عددًا من الناشطات في الحركة النسائية في سوريا ولبنان ومصر، وممن راسلتهم وراسلوها: الشاعر والأديب جبران خليل جبران، وتأثرت بأسلوبه إذ كانت ميّ في الشرق، وكان حبران مهاجرًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أقصى الغرب، وراسلت دكتور يعقوب صروف ونشرت في مجلته (المقتطف) مقالات وخواطر، وعدّته أستاذها، وروز اليوسف صاحبة مجلة روز اليوسف التي تَحمِل اسمَها، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والمستشرق إتوري روسي، ومحمد لطفي جمعة، والدكتور مرشد خاطر، وباحثة البادية ملك حفني ناصف، والأمير عبد القادر الجزائري، والأديب عباس محمود العقاد، والشاعر خليل مطران.
طَوّرت ميّ فن المُراسلة مَضمونًا وشكلًا مثل: الأسئِلة الوُجودية، والوَصف البارِع لِتحولات الطّبيعة، والنّجوى الدّاخلية، ونَقد الكتب، وحقوق المرأة، كانَ أسلوبُها يَقومُ عَلى حُسن الانتقال إلى الفكرة الرئيسية وبَراعة المُحاورة، ودقّة العبارة والتكثيف، والطرافة والطلاوة والوضوح، وجَعلت مِن الرسالة مِحورًا فِكريًا لا عَلاقةَ لَهُ بالعاطفة، كانَت تَصبُّ في رسائِلها ثقافتها الواسعة وقلبها وعقلها، كتبت ميّ رسالة إلى إميل زيدان ناشر كتابها سوانح فتاة في تموز عام 1922 تقول:
كَتَبت رِسالَة إلى الأمير خالد الجزائري، حَفيد الأمير عبد القادر الجزائري، المُقيم في بيروت تَشكرُه عَلى اهتِمامِه بِأخبارِها وتُظهِر اهتِمامَها لِكُل فَردٍ مِن أفراد أُسرَته: البنات والأبناء، وقالت:
كَتبت إلى عباس محمود العقاد بَعد قِراءتها كِتابه (الفُصول) الّذي أهداهُ إليها، وَوَقَفت عِندَ الفَصل الّذي انتَقد فيهِ كتاب جبران خليل جبران (المواكب) كاشِفًا فيه أخطاء لغوية، وآلَمتها قَسوته بوصف أسلوب جبران، فَكتبت تَقول:
وكتبت إلى الدكتور يعقوب صرّوف منتقدة أداء الصحافة قائِلة:
وكتبت إليه أيضًا رسالة تشير إلى أهمية الصحافة ودور (المقتطف)، قائلة:
تبادلت أيضًا رسائل عَديدة مع محمد لطفي جمعة الّذي حاوَرَته وأُعجبت بِأفكاره، وكانَ مَوضوع إحدى رَسائلها عَن مَضمون كِتابِه (ليالي الرّوح الحائِر) الذي أصدَره عام 1912 في القاهرة وأهداه إليها. وفي رِسالة مُؤرخة في 24 أيلول عام 1913 كَتبت إليه تَقول:
قالَ لها فارس الخوري رئيس وزراء سوريا الأسبق في رسالة يَحثُها فيها عَلى زِيارة سوريا ولبنان:
ويُلحظ في رسائِلها عَدم إصدار الأحكام إلا بِرويّة واتّزان وبَعد اطلاعٍ كافٍ عَلى المَوضوع المَعنيّ، واحتِرام المُخاطَب، والمَوضوعية والإيجاز.