English  

كتب تحالف فخر الدين مع أوروبا

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تحالف فخر الدين مع أوروبا (معلومة)


كانت الدول الأوروبية، في العقد الأول من القرن السابع عشر، راغبة في الاتصال بالشرق، لاستعادة نفوذها الذي زال بانتهاء الحروب الصليبية. وكان في مقدمة الأمراء الأوروبيين الذين كانوا يتابعون أحوال الدولة العثمانية وولاياتها: فرديناندو الأول دي ميديشي، دوق توسكانا، الذي أراد أن يوثق روابط تجارته بالشرق ويوطد فيه نفوذه. وكان التجار التوسكانيون منذ سنة 1602 يحاولون الإقامة في طرابلس، ولكن سوء سياسة ابن سيفا ومزاحمة تجار البندقية للتوسكانيين أرغمهم على الانسحاب منها. وكان فرديناندو الأول قد اتصل بوالي حلب علي جانبولاد وعقد معه معاهدة تجارية حربية، ولكن انهزام جانبولاد أمام الجيش العثماني لم يتح لهذه المعاهدة أن تُنفذ.

المحالفة مع توسكانا

أوفد فرديناندو الأول، سنة 1608، بعثة إلى الأمير فخر الدين برئاسة سفيره "هيبوليت ليونشيتي" تحمل إليه ألف بندقية. وبعد أن استقبل فخر الدين البعثة في قصره في صيدا، بحضور القنصل الفرنسي بصيدا، الذي كان يتولى الترجمة، تمّ الاتفاق بين الفريقين على التعاون ضد الدولة العثمانية. واشترط فخر الدين في هذه المعاهدة ما يأتي:

  • يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين خبراء في صب المدافع.
  • يفتدي فرديناندو الأول الأسرى التوسكانيين الثلاثة، من مراد باشا، الصدر الأعظم، وهؤلاء الأسرى كانوا قد حصّنوا بعض قلاع فخر الدين، وبقاؤهم لدى الدولة العثمانية يُشكل خطرا على فخر الدين لأنهم كانوا يعرفون أسرار حصونه.
  • يستحصل فرديناندو الأول من البابا على براءة يأمر فيها مسيحيي لبنان أن يقفوا مع فخر الدين في الحروب القادمة ضد العثمانيين.
  • يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين في ميناء صيدا مركبين، ليستخدمهما الأمير في تبادل الرسائل والوفود بينهما، ونقل أمواله إلى توسكانا إذا اضطر إلى ذلك.
  • يمنح فرديناندو الأول الأمير فخر الدين جواز سفر يخوّله دخول توسكانا متى شاء.

لبّى فرديناندو الأول مطالب فخر الدين بارتياح: فشرعت المراكب التوسكانية ترسو في مينائي صيدا وصور، حاملة إلى الأمير البنادق والمدافع، ثم كانت تبحر عائدة بالحرير والزيت والصابون. واستصدر فرديناندو الأول براءة من البابا بولس الخامس دعا فيها موارنة لبنان إلى المحاربة تحت لواء فخر الدين. أما الأمير فخر الدين فقد بدأ بإعداد جيش كبير، ليكون على استعداد لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع دوق توسكانة. وبعد شهور قليلة من توقيع المحالفة، مات فرديناندو الأول فخلفه ابنه قزما الثاني الذي أعلن التزامه بسياسة أبيه تجاه فخر الدين، فأرسل إلى الأمير أسطولا محملا بالعتاد الحربي، من بنادق ومدافع ومتفجرات وغيرها. وفي سنة 1611 أوفد الأمير فخر الدين المطران جرجس بن مارون الإهدني إلى قزما الثاني وإلى البابا بولس الخامس، لتجديد معاهدة التحالف مع كل منهما. ولكي لا تثير علاقات فخر الدين بتوسكانة قلق الدولة العثمانية، فإنه كان يواصل دفع الضرائب المطلوبة منه في مواعيدها بل قبل مواعيدها أحيانا.

ولكن هذه العلاقات لم تبق سرّا..فما لبثت الدولة العثمانية أن اطلعت على تفاصيلها، من جواسيسها، ومن بعض التجار الأوروبيين، ثم تأكدت منها بعد تكاثر المراكب التوسكانية في مينائيّ صيدا وصور. قلقت الدولة العثمانية من نشاط الأمير فخر الدين، وقررت أن تضع حدا لمطامحه. وكان آل سيفا من ناحيتهم، لا يستقرون على حال وهم يرون نفوذ الأمير المعني يتسع وعلاقاته تمتد إلى الخارج، فاتصلوا بحافظ أحمد باشا، والي دمشق الجديد، وأوغروا صدره عليه، بسبب سياسته المعادية للسلطان ولاتصاله بالدول الأوروبية، التي ترسو سفنها في صيدا وصور من غير استئذان الباب العالي.

حملة الحافظ باشا

ولمّا حذّر الحافظ فخر الدين من استمراره في التعاون مع الدول الأوروبية، نشأت بينهما خصومة عنيفة، فلجأ الحافظ إلى إغاظة فخر الدين بأن عزل شيخيّ سنجقيّ حوران وعجلون، وهما من أنصار فخر الدين. ولكن فخر الدين أعادهما إلى منصبهما عنوة، من خلال حملة قوامها ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والمشاة قادها ابنه الأمير علي. غضب الحافظ لهذا التحدي، وعزم على البطش بفخر الدين، ووافق نصوح باشا الصدر الأعظم على خطة والي دمشق، وأمده بجيش برّي، يدعمه الأسطول العثماني من البحر، وكذلك وافق 14 من الباشاوات الأخرى على هذا الأمر. وحاول الوسطاء من آل شهاب وبني حرفوش أن يصلحوا بين الأمير والباشا، فلم يفلحوا. وحاول الأمير أن يسترضي الوالي فأرسل إليه وفدا من أعيان صيدا وبيروت ومعهم رسالة وديّة من الأمير، ومبلغ من المال. ولكن الحافظ ردّهم ردّا قاسيا. وكان الأمير فخر الدين قد بدأ بتحصين كثير من القلاع وتزويدها بالجنود استعدادا لمثل هذا اليوم. غير أنه لم يكن يتوقع أن يأتي ذلك اليوم بسرعة. زحفت جيوش الحافظ من دمشق ومعها رجال حسين سيفا، ابن يوسف سيفا، نحو أراضي الأمير المعني. واستطاع الحافظ أن يسيطر على الموقف، وبدأ الجنود الإنكشارية يعتدون على القرى والحقول. وكان الأمير خلال ذلك، ينتقل مع جنوده من حصن إلى حصن، من غير أن يتمكن الحافظ من التغلب عليه.

وأقبل الأسطول العثماني يفرض حصارا على المرافئ اللبنانية، ليمنع الإمدادات من الوصول إلى الأمير. وبدأ البحارة العثمانيون ينزلون إلى البر ويعتدون على أراضي الإمارة. عندئذ دعا الأمير فخر الدين أنصاره إلى اجتماع يُعقد في الدامور، فلبّى دعوته الأمراء المعنيون، والتنوخيون، ومشايخ المقاطعات، والمقدمون، وآل الخازن، وطلب إليهم أن يجددوا قواهم لقتال الحافظ، ولكن ما وصفوه من الأهوال التي نزلت بأتباعهم وممتلكاتهم، دفعه أن يقرر مغادرة البلاد، ويترك لابنه عليّ زمام الحكم، على أن يُعاونه عمه الأمير يونس، شقيق فخر الدين الأصغر. ومن صيدا أبحر الأمير فخر الدين، في سبتمبر 1613، على ثلاثة مراكب، اثنان منها فرنسيان، والثالث هولندي، ترافقه حاشيته المؤلفة من زوجته "خاصكية"، ومستشاره الحاج كيوان بن عبد الله، ومن نحو خمسين رجلا، بعد أن اغتنم فرصة انشغال الأسطول العثماني بملاحقة الأسطول الإسباني الذي أسر سبعة مراكب عثمانية. وكان قد أمر أخاه يونس بأن ينقل مقر إقامته إلى دير القمر من بعقلين التي كانت مركزا لأملاك المعنيين، فأصبحت دير القمر منذ ذلك الحين، عاصمة الإمارة اللبنانية.

تابع الأمير علي بن فخر الدين، وعمه يونس، مقاومة الحافظ، بما لديهما من الحصون والرجال، وقد أنهكت هذه الحصون الحافظ وجنوده، واستعصت عليهم: فقد حاصر قلعة الشقيف 84 يوما وأصرّ على احتلالها متوهما أن أموال الأمير مودعة فيها، ثم تراجع عنها يائسا بعد أن صمدت حاميتها فيها. وحاصر الحافظ أيضا قلعة بانياس من غير جدوى أيضا. وعندئذ اشتد غيظه، فسكت عن رجاله وهم يتلفون الزرع ويحرقون القرى ويسفكون دماء الأبرياء، فتعرضت البلاد لمجزرة رهيبة، ضرب بها المثل فقيل "سنة الحافظ". ولما رأى أنصار الأمير فخر الدين ما حلّ بالبلاد، فكروا في إرضاء الحافظ: فتوجهت إليه السيدة نسب والدة الأمير، وقد بلغت السبعين من العمر، وعرضت عليه ثلاثمائة ألف قرش، لقاء انساحبه من البلاد. رضي الباشا بهذا العرض، فسلمته السيدة نسب مائة وخمسين ألفا، ودفع الأهالي مئة وثلاثين ألفا، وبقي من المبلغ عشرون ألفا، فصحب الباشا السيدة نسب معه رهينة إلى دمشق ريثما يسدد رجال الأمير المبلغ الباقي.

فخر الدين في أوروبا

توجهت مراكب فخر الدين إلى دوقية توسكانا الواقعة في القسم الشمالي من شبه الجزيرة الإيطالية، فدخلت ميناء ليفورنو في أكتوبر 1613. وبعد أن مكث فخر الدين في ليفورنو أسبوعا توجه إلى فلورنسا عاصمة توسكانا، فاستقبله قزما الثاني استقبالا حافلا شهده الأمراء والأعيان، ثم أنزله وحاشيته في "القصر العتيق" (بالإيطالية: Palazzo Vecchio) وهو من أجمل قصور آل ميديشي أمراء توسكانا. طلب الأمير إلى قزما الثاني قوة عسكرية يستعيد بها بلاده من أيدي العثمانيين، فكان جواب كوزيمو الثاني أن أوفد بعثة من الخبراء إلى لبنان ليستطلعوا أخباره، قبل أن يتخذ موقفا محددا من طلب الأمير. ولما عادت السفينة التي تحمل الخبراء إلى توسكانا في أبريل 1614 حملت معها عددا من رجال الأمير. وقدمت البعثة تقريرها إلى قزما الثاني وأنبأته بمحبة الناس لفخر الدين، وقوة حصونه، فزاد ذلك من إكرام قزما الثاني للأمير واهتمامه بمطالبه.

أما رجال الأمير الذين جاؤوا مع بعثة الخبراء فقد طالبوه بأن يعود إليهم، معلنين ندمهم على خذلانهم له، وأبدوا استعدادهم للدفاع عن بلادهم تحت رايته. وكان الأمير يفاوض قزما الثاني على ضرورة تجهيز حملة تشترك فيها أكثر الدول الأوروبية ليُكتب لها النجاح. ولكن قزما الثاني كان يُفضل أن يقوم بهذه الحملة العسكرية منفردا، ما دامت الدول الأوروبية متنازعة فيما بينها، وغير متحمسة لتحقيق رغبات الأمير. عندئذ يئس الأمير فخر الدين من المساعدة الحربيّة الفعّآلة، وشعر بفتور حماسة قزما الثاني نحوه، فأرسل مستشاره الحاج كيوان بن عبد الله إلى لبنان ليعقد صلحا مع الدولة العثمانية، مؤجلا تحقيق آماله إلى فرصة قادمة.

وكانت الدولة العثمانية قلقة من وجود فخر الدين في توسكانا، ومن اتصاله بسفراء الدول الأوروبية المعادية للعثمانيين. من أجل ذلك، لم يكد كوزيمو الثاني يوفد رسولا إلى نصوح باشا، الصدر الأعظم، في إسطنبول، ليفاوضه في العفو عن فخر الدين، حتى أبدى نصوح باشا استعداد السلطان لأن يعفو عنه، شرط أن لا يعود إلى لبنان، بل يعود إلى إسطنبول فيجعله حاكما على إحدى ولايات بلاد اليونان. ولم يثق فخر الدين بهذا العرض؛ ولو وثق به فإنه لم يكن مستعدا لقبوله.

وتحسن الجو بين الدولة العثمانية وبين المعنيين، فقد قُتل نصوح باشا بأمر من السلطان، وعُزل الحافظ عن ولاية دمشق، وكلاهما كان عدوّا لفخر الدين، وتولى ولاية دمشق محمد جركس باشا سنة 1615. وكانت بينه وبين فخر الدين مودة، فأطلق سراح السيدة نسب من سجن دمشق وسلّمها "فرمان" العفو أو "براءة العفو" عن فخر الدين. وهذا الفرمان يُخوله العودة إلى بلاده ومنصبه. أرسلت السيدة نسب براءة العفو إلى فخر الدين في توسكانا، ولكن الأمير كان قد غادرها إلى صقلية، ولو وصل إليه نبأ العفو عنه وهو في توسكانا لعاد إلى لبنان فورا، ولكن لجوءه إلى صقلية، وكانت تابعة لملك إسبانيا، عدوة الدولة العثمانية، اضطرّ فخر الدين إلى البقاء ثلاث سنوات أخرى في المنفى.

كانت الأساطيل الإسبانية تقلق الدولة العثمانية بنشاطها المريب في البحر المتوسط، وباعتداءاتها على السفن التجارية والحربية العثمانية. فقررت الدولة العثمانية أن تهاجم سواحل صقلية ردا على هذه الاعتداءات. فلمّا وجه الدوق دسّونا نائب ملك إسبانيا في صقلية، دعوة إلى الأمير فخر الدين يستضيفه لديه، كان يرمي من ذلك إلى إيهام الدولة العثمانية أنه يُعد، مع فخر الدين، حملة عسكرية على شواطئ لبنان وفلسطين، فتضطر الدولة العثمانية إلى تحويل أسطولها عن سواحل صقلية إلى سواحل لبنان وفلسطين لمنع الخطر الموهوم. لبّى فخر الدين دعوة الدوق دسّونا، وانتقل من توسكانا إلى صقلية في أغسطس 1615. وفي صقلية عاوده الحنين إلى وطنه، فأعد له الدوق دسّونا بضع سفن أقلته إلى صيدا حيث قابله أهله وأنصاره، ثم عاد مسرعا قبل أن ينتشر نبأ زيارته. وفي طريق عودته عرّج على جزيرة مالطة حيث أعد له فرسانها استقبالا حافلا. ولمّا وصل إلى مسينا عاصمة صقلية، كان الدوق دسّونا قد نُقل إلى نابولي، فدعاه إلى مرافقته، فانتقل فخر الدين معه إليها، ونزل في قصر جميل يطل على البحر. وحاول الدوق دسّونا أن يستميل فخر الدين إلى التعاون مع إسبانيا، وتسليمها صور وصيدا، ولكن الأمير كان يتخلص بلباقة ومرونة. وأخيرا عزم على العودة إلى وطنه، فأطلع الدوق على رسالة وردته من والدته السيدة نسب تحثه فيها على العودة. وكان ملك إسبانيا قد عرض على فخر الدين البقاء في إسبانيا وحكم مقاطعات أسبانية، ولكن فخر الدين ردّ عليه قائلا: "لم آت لحكم ولا لملك، إنما أتيت لحماية لبنان".

العودة إلى لبنان

عاد الأمير فخر الدين إلى لبنان عام 1618، أي بعد غياب خمس سنين قضى منها سنتين في توسكانا، وثلاث سنوات في أراضي تابعة لإسبانيا، وكانت أقوى دول أوروبا في ذلك الحين. وخلال هذه المدة اتصل فخر الدين برجال فرنسا، بالمراسلة، واتصل بالكرسي الرسولي بواسطة رجال الدين الموارنة المقيمين في روما. كان ظهور فخر الدين في إيطاليا، كأمير للطائفة الدرزية غير المعروفة حتى ذلك الوقت، قد أثار فضول أوروبا، فانتشرت شائعة في الغرب تزعم بأن الدروز - الهائمين في الجبال - هم أحفاد الصليبيين، حتى أنهم نسبوا اسم الدروز إلى الكونت "درو" (بالفرنسية: Dreux)‏، ويبدو أن فخر الدين نفسه طرب لهذه التنغيمة التي جعلت منه موضع اهتمام كبير في الغرب. ما أن سرى نبأ عودة الأمير إلى لبنان حتى اهتزت البلاد، وعم السرور جميع الناس فتوافدوا افواجا لمشاهدته والسلام عليه، بعد أن ازدادت ثقتهم وكبر أملهم فيه بعد المصائب التي حلّت بلبنان أثناء غيابه. وبالرغم من جميع جهود فخر الدين، فإنه لم يستطع أن يحقق غايته الأولى من رحلته، وهي الاستعانة بقوى الدول الأوروبية لمقاومة الدولة العثمانية، ولكن هذه الإقامة في أوروبا كان لها تأثير كبير في سياسته الداخلية والخارجية فيما بعد، حيث أنها ساعدته على بناء دولته وتدريب جيشه وفق التنظيم الأوروبي.

المصدر: wikipedia.org