اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عُثر على أول مخطوطة تم ذكر مدينة موسكو فيها في السجلات الرهبانية القديمة الخاصة بعام 1147م، وقد كان التاريخ المذكور عندما تم دعوة "فلاديميروفيتش دولجوروكي" أمير سوزدال في الرابع من شهر نيسان إلى مأدبة عظيمة لحليفه أمير "نوفغورود سفرسكي" أي موسكو أنذاك، وعلى الرغم من أن هذا هو التاريخ الرسمي المعترف فيه لتأسيس موسكو، إلا أن الدلائل الأثرية أشارت إلى وجود مستوطنة في الموقع نفسه تعود إلى العصر الحجري الحديث، وقد وَجدت بعض الأعمال الأثرية الأخرى بقايا طرق متعرجة وأدلة على اعمال الحديد والدباغة تعود إلى القرن الحادي عشر.
تعرضت موسكو كغيرها من المدن الروسية إلى هجوم التتار (المغول)، حيث تم الاستيلاء عليها وحرقها في الغزو الأعظم الذي حدث في الفترة الواقعة من 1236م-1240م، مما اضطر أمير موسكو آنذاك إلى قبول حكم المغول على المدينة؛ ثم ما لبثت أن تعافت وتم إعادة بنائها، وعلى الرغم من ذلك قام التتار بنهبها مرة أخرى عام 1293م، الأمر الذي دفع الأمير إلى إصدار قرار بعد 3 أعوام بتعزيز بناء الكرملين* بإضافة جدار ترابي إضافي وسياج مصنوع من خشب البلوط، وتوالت المواجهات بعدها بين المدينة وهجمات التتار حيث حدث أكثر من نزاع بين الفترة الممتدة من 1378م إلى 1408م صمدت موسكو ضدها، وبهذا استمرت موسكو بالنمو بشكل ثابت من حيث الأهمية والحجم، ومن الجدير بالذكر أنه تم تعظيم نفوذ موسكو بشكل كبير عندما نقل المطران الأرثوذكسي مقعده من مدينة فلاديمير إلى موسكو.
مع تنامي الأهمية السياسية لموسكو العاصمة، أصبحت مركزاً دينياً؛ خاصةً مع تشييد الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا بشكلٍ مستقل عن الكنيسة اليونانية في نصف القرن الخامس عشر، ومع سقوط القسطنطينية على يد الأتراك قامت موسكو باتخاذ لقب "روما الثالثة" وأعلنت نفسها كوريث شرعي للمسيحيّة، وقد اكتسبت أيضاً لقب "موسكو القبة الذهبية"؛ وذلك لكثرة الأديرة المحصنة وما تحتويه من كنائس، وتزايد عدد سكان موسكو في بداية القرن الخامس عشر فتجاوز 50,000 نسمة، وأصبحت في بداية القرن السابع عشر أكبر مدينة في العالم بعدد سكان بلغ 200,000 نسمة.
كان بطرس الأكبر رئيس روسيا عازماً على تطوير البلاد لمواكبة العصر، فأمر ببناء أطول برج في موسكو "برج سوخاريف"، الذي يبلغ طوله 90 متراً، وبجانبه أنشأ كلية الرياضيات والملاحة، وفي عام 1712م فاجأ البلاد بقرار نقل العاصمة من موسكو إلى الشمال الغربي من مدينة سانت بطرسبرغ، وقد قوبل قراره بالرفض؛ الأمر الذي أدى إلى انحدار العاصمة السابقة وقد تفاقم هذا الانحدار بسبب تفشي الطاعون في وقت لاحق.
نهضت موسكو بحلول القرن التاسع عشر، حيث قامت خلال هذه الفترة ببناء أول جامعة في روسيا وتم افتتاح أول متحف وجريدة محلية في البلاد، ونظراً إلى تطوّر النهضة الفكرية لدى الشعب الروسي فقد ظهرت حركة "سلافوفيليا" القومية التي احتفلت بتميّز المظاهر الثقافية لروسيا عن الغرب، وفي أوائل القرن التاسع عشر استأنف القيصر الكسندر الأول الاتفاقية التجارية مع بريطانيا مما عنى خرقه لمعاهدته مع فرنسا، الأمر الذي جعل نابليون بونبارت حاكم فرنسا يعد العدة للهجوم المباشر على موسكو بقوة عسكرية لم يشهدها العالم من قبل، وحدثت معركة لم تستمر الا ليوم واحد، وتم قتل أكثر من 100,000 جندي وقد تمكن بونبارت من الدخول إلى موسكو، فقام سكانها المتحدون بإحراقها لكي لا يروا مدينتهم محتلة من قِبل العدو.
أُعيد بناء موسكو بهمم عالية بعد هزيمة الفرنسيين، إذ عبر السكان عن فخرهم بنصرهم ببناء الآثار لإحياء تلك الذكرى، فقاموا بتشييد قوس النصر وكاتدرائية المسيح المخلص، أما في مركز المدينة فقد حوّل المهندسون نهر "Neglinnaya" إلى قناة تحت الأرض فقسمت ما حولها إلى مساحات حضارية، وفي الوقت نفسه استبدلوا الحلقتين الدفاعيتين خارج المدينة بشارع دائري وحديقة محاطة بالأشجار، أما في منتصف القرن التاسع عشر فقد برزت الصناعة بشكل أوسع من التجارة بسبب إمدادات القطن الثابتة من آسيا الوسطى، مما جعل روسيا تتفوق في صناعة النسيج، وما إن حلّ عام 1900م حتى وصل التعداد السكاني في موسكو إلى أكثر من مليون نسمة.
انتقل فلاديمير ايليتش لينين مع الحكومة السوفيتية إلى موسكو في آذار/ مارس عام 1918م، وبذلك استعادت موسكو وضعها السابق كعاصمة للبلاد، وفي أثناء الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1918م-1920م عانت موسكو كغيرها من المدن الروسية من نقص حاد في الغذاء، والصناعة، وانحدار في عدد السكان؛ حيث انخفض إلى 1,027,300 نسمة في عام 1920م، واستمرت تلك الحالة إلى أن تم تأسيس الاتحاد السوفيتي وإعلان السلام من الحرب، عندها كان الانتعاش سريعاً فقد أتت الخطة الخمسية التي وضعت في عام 1928م بتطور صناعي عظيم.
أما خلال الحرب العالمية الثانية وفي نهاية 1941م وصلت القوات الألمانية إلى حدود موسكو على بعد ما يقارب 40 كم عن الكرملين، ونتيجة لذلك تم إخلاء عدد كبير من المصانع والدوائر الحكومية ومعظم السكان، ثم في تاريخ 20 تشرين الأول تم إعلان المدينة تحت الحصار الألماني؛ لذا قام السكان الباقين ببناء دفاعات مضادة للدبابات بالوقت الذي كانت المدينة تتعرض فيه للقصف الجوي، وقد أدى الهجوم المضاد من السكان إلى رجوع القوات الألمانية من الضواحي في تاريخ 6 كانون الأول وإنقاذ موسكو.
انتعش اقتصاد موسكو سريعاً بعد الحرب، وكان هنالك حدثان رئيسيان ساهما في تقدم المدينة، كان الأول بعد انتهاء الحرب بعامين أي عام 1947م؛ حيث احتفلت موسكو بالذكرى السنوية ال800، أما الحدث الثاني فقد كان استضافتها لدورة الالعاب الأولمبية عام 1980م، وتجدر الإشارة إلى أن الهجرة المكثفة إلى موسكو في فترة ما بعد الحرب أدت إلى نقص في المساكن حيث وصلت أبعاد هذا الأمر إلى حدود خطيرة، وفي آب/ أغسطس عام 1991م كانت هناك محاولة انقلاب من الشيوعيين المتشددين ضد الرئيس ميخائيل غورباتشوف؛ الذي كان يتمتع بخلفية فكرية إصلاحية ولكنها باءت بالفشل.
كانت موسكو مركز التحول التاريخي الناتج عن انهيار الاتحاد السوفيتي نظراً لكونها عاصمة روسيا، حيث خضعت العديد من المباني التاريخية وخاصة الكنائس لتجديدات لم يسبق لها مثيل على مر تاريخ المدينة، وقد انفتحت على العالم واستقطبت استثمارات أجنبية ساهمت في انتشار المطاعم، ووكلاء السيارات، والأسواق التجارية؛ التي كانت تتميز بميلها للطابع الغربي، لكنها تأثرت بالأزمة المالية التي حدثت عام 1998م؛ حيث تسببت هذه الأزمة في فشل البنوك وانخفاض قيمة العملة الروسية، إلا أنه تم السيطرة على الأزمة ونجحوا بتجاوزها خلال عام واحد فقط، وعلى العكس مما هو متوقع فقد ازدهرت ظروف المعيشة وارتفعت أجور العمال.