اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا يزال علم التاريخ عرضة للجدل الدائر في القرن التاسع عشر الميلادي (عصر التنوير الأوروبي) حول مدى علمية الدراسات الإنسانية ومنها التاريخ.
والسؤال الأكثر هل التاريخ علم أم فن؟ كان للغة دور في إثارة هذا التساؤل ونشأته في الغرب فضلاً عن انتقاله إلى العرب.
بداية الحركة التنويرية في أوروبا ( الدراسات التاريخية):
بعد ظهور تقنية دراسة الوثائق وألفاظها على يد المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه (1886)، وإسهامه بشكل رئيس في إدخال علم التاريخ إلى الجامعات الأوروبية كتخصص مستقل بذاته، وتشديده على التفريق بين المصادر والمراجع أدى ذلك إلى اعتبار علم التاريخ علمًا تطبيقيًا كسائر العلوم التطبيقية. وفي ذلك يقول هيربرت آدمز" :تطوّر من حاضنة للعقائد، إلى مختبر للحقائق العلمية"، ورغم ذلك استمر الجدل حول علمية التاريخ إلى عشرينيات القرن العشرين الميلادي، وظهر خلال النقاش الحاد بين كبار مؤرخي أوروبا الأكاديميين حول موضوع أصل الحروب، ودعمهم جميعًأ لأجندات حكوماتهم بأساليب بعيدة عن الأساليب العلمية التي نادوا بها من قبل.
وفي ستينيات القرن العشرين، بدأ مؤرخو أوروبا بالتوجه مرة أخرى إلى علمية التاريخ بأسلوب جديد تمثل في تضمين العلوم الأخرى كتخصصات فرعية في التاريخ، ومن أشهرهم إدوارد هاليت كار.
ومع دخول الحاسب الآلي إلى الجامعات واستخدامه في الأبحاث العلمية التطبيقية، نادى المؤرخون إلى استخدامه في الأبحاث التاريخية؛ لتحقيق العلمية بها، وعلى أساس هذه الدعوة تم تقسيم التاريخ إلى قسمين: تقليدي يعتمد على الجهد الإنساني، وعلمي، يقوم على استخدام الحاسب الآلي في البحث، والقسم الأخير موجه إلى مجموعة مقننة من العلماء المختصين لا إلى عامة القراء.
سبب الجدل اللغوي:
لماذا لم ينتقل الجدل إلى اللغة العربية؟ ولماذا لا ينبغي لنا في عالمنا العربي الخوض في التفضيل بين لفظتي علم أو فن أصلاً؟
يشير إدوارد كار إلى منشأ الجدل اللغوي بقوله:" هذا السؤال الاصطلاحي هو بسبب شذوذ في اللغة الإنجليزية". وكانت بداية الإشكال في اللغة الإنجليزية عند ترجمة اللفظ الألماني (Wissenschaft) بمعنى تخصص أو فرع من فروع المعرفة، بينما العلم في اللغة الإنجليزية (science) يعني:" النشاط الفكري العلمي المشتمل على الدراسة المنهجية لبُنيَة وسلوك العالم المادي الطبيعي من خلال المراقبة والاختبار"، ويلاحظ في هذا التعريف أنه لا مكان فيه للعلوم الإنسانية بما فيها التاريخ. ويأتي بديل في اللغة الإنجليزية في مفردة ART –فن- ومعناها: "حقل دراسة مهتم بشكل أولي بالثقافة الإنسانية"، و"مهارة تكتسسب بالدراسة والتطبيق والمراقبة". ومما سبق يتضح أن الصراع في اللغة الإنجليزية قد انسحب حول مناهج البحث ومساواتها بمناهج العلوم التطبيقية، على الاسم الذي يجب أن يطلق على كل منهما.
وانسحب هذا الجدل اللغوي إلى اللغة العربية بالتساؤل ذاته -هل التاريخ علم أم فن؟- وقد بحث بعض المؤرخين العرب عن لفظ في المصادر التاريخية يعكس هذا الاتجاه، فوجدوا ضالتهم عند ابن خلدون في المقدمة لكتابه العبر: "أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال.."، واعتقد أولئك المؤرخون أن الفن في اللغة العربية مساو لكمة ART وليس من العلوم كما هي الحال في اللغة الإنجليزية. "فماذا يعني الفن في اللغة العربية باستخدام العلماء له عند حديثهم عن الفنون؟ الفن واحد الفنون، وهي الأنواع. والفن الضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون وأفانين". وعليه فالفن في الغة العربية غير مماثل لكلمة ART في المعنى، وهو يعني ضرب، أي نوع من العلوم، فالعلم في اللغة العربية نقيض الجهل. وبذلك يكون الالتزام بهذه الدقة في الفصل بين اللفظين كان في المعاجم فقط أما في الكتب فالعلم والفن هما مترادفان غالبًا ويقل التفريق بينهما. وفي حال التفريق يبقى الفرق هو بين المعرفة "العلم"، والتخصص "الفن" وليس كما في اللغة الإنجليزية. وقد حفلت العديد من الكتب العربية على النصوص الدالة على أن الكلمة تعني المعنى الذي ورد في المعاجم ولم يتغير. ومنها قول ابن خلدون: "المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه..."، وقال: "فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال".