اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تكتنـز زحلـة آثـاراً قديمـة تـدل على أن تاريخهـا يعـود على الأقـل إلى (3000-1200) ق.م. لكـن ليـس هنـاك من دراسـات علميـة في هـذا المجـال، إذ يمكننـا مشاهـدة كهـوف مـا بيـن صخـور وادي العرائـش وفي التـلال المحيطـة بالمدينـة، كمـا نجـد آثـار مقابـر من حجـر وبرونـز، والعديـد من بقايـا الجـرر والفخاريـات القديمـة.
ويجمـع المؤرخـون بـأن جـل مـا يعرفونـه عـن قـدم زحلـة أنهـا، في القـرن السابـع عشـر، كانـت إحـدى مزارع مدينـة الكـرك التـي كانـت حاضـرة زاهـرة من حواضـر الأمراء الحرافشة في البقـاع القديـم. وعندمـا حمـل فخـر الديـن المعنـي الكبيـر على هـؤلاء، وأحـرق جميـع الكـرك في العـام 1622، كانـت زحلـة غابـات غبيـاء على ضفتـي النهـر تسمـى بـوادي النمـورة لكثـرة النمـر فيهـا، وكثيـراً مـا كـان يقصدهـا أمـراء لبنـان وبعلبـك ووادي التيـم للصيـد والتنـزه.
في آخر كانون الأول 1791م وضع جهجاه بن مصطفى الحرفوشي خطة لاحتلال بعلبك وطرد عسكر والي الشام أحمد باشا الجزار منها ولم يكن معه أكثر من مئة محارب صلداتي فاستأجر مئة آخرين من أهل زحلة والجبل لمدة يوم واحد بخمسة قروش أو سبعة قروش لكل منهم.
كان هناك حرس على المدينة من جهة الغرب حيث تمتد السهول الفسيحة فاختار الدخول من الشمال من ناحية اللبوة. وكانت خطته تقضي بالدخول خلسة إلى وسط المدينة دون أن يشعر به أحد ومنع رجاله من القيام بأي حركة أو صوت قبله وأعطاهم كلمة السر "عبد الله" فمن لا يرد عليها بمثلها يطلق النار عليه فوراً. بعد قتل الحرس دخل وشقيقه سلطان ورجاله إلى المدينة بعد منتصف الليل ولما وصلوا إلى وسطها، أعطى جهجاه الإشارة بإطلاق الرصاص وارتفاع الصياح فظن العسكر الموجودون فيها أن جيشاً كبيراً يداهمهم، فلم يقدروا على المحاربة وأذهلتهم المفاجأة فأركنوا إلى الفرار والقليل منهم من استطاع أن يحمل سلاحه أو يركب فرسه فقتل منهم أكثر من نصفهم وهرب الباقون إلى دمشق واحتل جهجاه المدينة وأقام في زحلة منتظراً.
"وصل الهاربون إلى الشام وأخبروا بما حدث لهم فتعهد الملا إسماعيل بالثأر من جهجاه وقصد زحلة مع ألف ومائتي فارس ولم يكن في زحلة يومها أكثر من مائتي بارودة بالإضافة إلى خمسين أو ستين هم مجموع رجال جهجاه فطلب من الأهالي حفر خندقاً حول زحلة يسورها من جميع الجهات بحيث لا تقدر الخيل على الدخول اليها إلا من معابر ممهدة"
"هاجم إسماعيل البلدة من جهتي الشمال والجنوب فاحتمى الرجال في الخنادق حتى إذا قربت الخيل منهم أطلقوا النار عليها دون أن يظهروا أمام العسكر فينكفئ مهزوما وكانت مهمة سلطان ومعه عشرون من رجاله أن يقاوم الفرقة الثانية من العسكر فإذا تعرض لهجوم تحميه الرجال الذين كمنوا في الكروم فجعل سلطان من نفسه فخاً يطارده العسكر حتى يدفعهم إلى الاقتراب من المكمن حيث يصبحون هدفاً سهلاً لسلاح الكامنين".
استمرت هذه المعركة أكثر من خمسة ساعات إنهزم العسكر( الملا إسماعيل) على أثرها بعد أن قتل وجرح منه كثيرون ولم يقتل من المدافعين (جهجاه وسلطان والمدافعين معهم) سوى رجل واحد هو ابن مبارك.
هذه المعركة التي اشترك فيها ووصفها بدقة القس المؤرخ حنانيا المنير بعد أن استبدل لباسه الكهنوتي، حيث قال تظهر مواهب جهجاه الخارقة في رسم الخطط الحربية الناجحة والتي تعتمد غالباً على عنصر المفاجأة والسرعة والتي يمكن الاستعاضة بهما، بالإضافة إلى الشجاعة والمراس، عند التفوق الكاسح في العدد والسلاح.
فقرة فتنة 1841م ودور الأمير خنجر في إسترجاع زحلة
أثار موقف خنجر بن ملحم الحرفوشي في دفاعه عن زحلة إعجاب الكثيرين من الذين أرخوا هذا الحدث ومن المعاصرين له. يقول بازيلي قنصل روسيا في بيروت (1839- 1853) لو لم يدافع الأمير خنجر الحرفوشي عن شعاب زحلة ومداخلها لاجتاح الدروز كل لبنان. للمزيد انظر صفحة صاحب الغبطة البطريرك مار يوسف بطرس حبيش بالويكيبيديا (آخر فقرة فتنة 1841م).
ويقول مؤرخ مسيحي معاصر لحصار زحلة: "بالحقيقة إن للحرافشة الفضل ليس على زحلة فقط بل على كل النصرانية في لبنان لأنه لولا انكسار الدروز في زحلة لكانوا أذلوا النصرانية لدرجة متناهية بعد فوزهم السابق على أهالي دير القمر"
حفظ بعض المؤرخين النصارى للحرافشة جميلهم في صد الغزاة عن زحلة وإبعاد العسكر العثماني عن الدخول إليها بحجة المحافظة كما فعلوا بدير القمر ولكن بعضهم تعمد تجاهل هذا الواقع. فكل ما ذكره الشدياق عن الأمير خنجر أنه فر من زحلة بجماعته إلى الفرزل متأهباً للهرب إن ظفرت الدروز، دون أن يأتي على ذكر سقوط أميرين قتلى في المعركة هما يوسف ومنصور فضلا عن رجالهما الآخرين، ولم تفِ زحلة بتعهدها بأن تكون حمى للحرافشة فوشى بعض أهلها بالأمير سلمان بن ملحم الشهير إلى العثمانيين في 12 كانون الثاني 1859 م.
إن عريضة أرسلها وكلاء عموم زحلة إلى البطريرك إثر وصول جماعة من قبله إلى المدينة لمعاينة الأحوال عن كثب تنقل صورة واضحة عن أوضاع زحلة، وسائر النصارى في البقاع، وعلاقتهم بالحرافشة وشعورهم بأن وجودهم في البقاع لا يستقيم بدونهم (أي بدون الحرافشة). وهو شعور حقيقي ليس فيه محاباة ولا مداراة ولا مجاملة، لأنه موجّه إلى المسيحي الأول ولن يصل إلى مسامع غيرة في كل حال.
بيـد أن هـذه الأرض غيـر المأهولـة، مـا إن استهـل القـرن الثامـن عشـر، حتـى أطلـت منهـا مدينـة ذات حيويـة عظيمـة، راحـت تنمـو بسرعـة كبيرة، ومـا زالـت حتـى علـت على سائـر حواضـر البقـاع، ثـم غـدت إحـدى المحطـات الكبـرى في تاريـخ لبنـان. ولقد أجاب البروفسور ونتر على موضوع سؤال كبير في هذا الصدد حيث قال:
أول من استعمـر زحلـة الأمـراء اللمعيـون، كـان ذلـك سنـة 1711 على أثـر بلائهـم الحسـن في معركة عين دارة التـي نشبـت بيـن الأميـر حيـدر الشهابـي حاكـم لبنان ورأس الحـزب القيسـي، وبيـن مناوئيـه اليمنييـن. شـد اللمعيـون يومـذاك أزر الاميـر، فمـا أن تـم لـه النصـر حتـى صاهرهـم ثـم أقطعهـم الاقطاعـات الواسعـة.
أعجـب اللمعييـن من زحلـة، خصـب تربتهـا وكثـرة شجرهـا وغزارة مائهـا وجمـال مناخهـا فأولوهـا اهتمامهـم، ونشطـوا يستقدمـون إليهـا السكـان من المتنيْـن الأعلـى والأدنـى، ويشجعـون على حـرث أرضهـا، وبنـاء البيـوت فيهـا، حتـى أهلـت وعمـرت. فقسمـت إلى ثلاثـة أحـواش لثلاثـة أمـراء لمعييـن، حـوش الأميـر مـراد وحـوش الأميـر يوسـف وحـوش الحواطمـة. وكـان الحـوش مجموعـة من البيـوت المتقاربـة، على شكـل مستعمـرة صغيـرة مسـورة.
في مطلـع القـرن الثامـن عشـر كـان لزحلـة علـم خـاص بهـا لونـه أحمـر وأخضـر وفي أعـلاه حربـة في رأسهـا صليـب وقـد صنـع من الحريـر المنسـوج في زحلـة.
ولهـا نشيدهـا الوطنـي المعـروف ويقول مطلعه: زحلـة يا دار السـلام فيـك مربـى الأسـودي على الضيـم والله ما ننـام المـوت ببـوز البـارودي
أحرقت زحلة ثلاث مرّات عام 1777 و 1791، وكانت نكبتها الكبرى عام 1860. وفي العام 1861 بعد قيام المتصرّفيّة، شكّلت زحلة قاعدة البقاع والمديريّة الثالثة بين الست مديريّات. واستطاعت النهوض وإعادة البناء؛ فعادت أقوى، وعمرت أكثر، وأصبحت "ميناء البقاع وسوريا" البرّي ومركز الأغلال والتجارة بين بيروت ودمشق والموصل وبغداد، وسُميت مدينة قبل العاصمة بيروت.
خلال فترة المتصرفية، وبعد عام 1861، أنشئ مجلس زحلة البلدي عام 1878، وبُني السراي الحكومي القديم عام 1885، ونشطت الهجرة منها، وأُنجز خط السكة الحديدية الذي وصل عام 1885 زحلة ببيروت وحوران، ممّا سهّل الأسفار وروج التجارة وحسن الأعمال.
وفي مطلع القرن العشرين، شهدت زحلة نهضة تربويّة وفكريّة وسياحيّة كبيرة. لكنّ الحرب أعاقت تقدّمها، وأبهظت كاهل أبناءها. عام 1914، دخلها جمال باشا التركي، وجعل مقرّه فندق قادري جاعلاً منه مستشفى لجيشه، وصادر مستودعات الغلال والحبوب ونكّل بالأهالي.
في نهاية الحرب، إنتُدبت فرنسا على لبنان تطبيقاً لمعاهدة سايكس – بيكو الشهيرة عام 1916، وأعلن الجنرال غورو من فندق قادري في زحلة في 3 آب 1920 ضمّ الأقضية الأربعة: البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا واعتبارها أساساً للبنان الكبير، الذي أعلنه في بيروت في أول أيلول 1920 وما زالت حدوده حدود لبنان المعترف بها اليوم دولياً.
خلال فترة الانتداب، شهدت المدينة تقدّماً عمرانيّاً وإداريّاً واقتصاديّاً، فنشطت تجارتها وأعمالها، وساعد الفرنسيون الأهالي على تنظيم مؤسساتهم وإداراتهم. وكذلك برزت أول نقابة عماليّة في زحلة عام 1923 برئاسة رشيد سويد. وكان لبعض رجالات زحلة أمثال شبل دموس وموسى نمور وغيرهم اليد الطولى في وضع الدستور اللبناني عام 1926. عام 1942، زار الجنرال ديغول زحلة، وطمأن الأهالي إلى بوادر النصر في الحرب العالمية الثانية.
بعد الاستقلال عام 1943، استطاعت زحلة أن تستعيد حيويتها؛ فازدهرت فيها الأعمال حتى عام 1975 بداية الأحداث اللبنانية، حيث شهدت ركوداً كباقي المناطق اللبنانية. لكنّها ما لبثت أن استعادت حركتها وعمرانها، بعيد الحرب. وفي عام 1989 إنتُخب أحد أبنائها الياس الهراوي رئيساً للجمهورية اللبنانية.