اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تاريخ اليهود في ألمانيا رمز لتاريخ اليهود في أوروبا الغربية بين معاداة اليهودية ومعاداة السامية "الحديثة". ازدهر المجتمع اليهودي بعد وصوله إلى منطقة الراينلاند في عصر الإمبراطورية الرومانية حتى نهاية القرن الحادي عشر. منذ الحملة الصليبية الأولى، عاش اليهود فترة طويلة من العذاب تخللتها المذابح والاتهامات بالجرائم العشائرية والابتزاز والنفي خارج البلاد. شهد هذا العصر انحطاطاً للوضع القانوني للمجتمع اليهودي. ومُنع اليهود من معظم المهن. تفاعل فلاسفة "التنوير" خلال القرن الثامن عشر مع الحالة البائسة لليهود بفضل موسى مينديلسون. لكن طريق تحررهم كان طويلا وامتد لحوالي قرن من الزمان. صاحب هذه الفترة دمج لليهود ضمن المجتمع. إن استيعاب اليهود في المجتمع أدى إلى تقدم اقتصادي وفكري مما أثار غيرة بعض الأوساط. ووضع وصول أدولف هتلر لسدة الحكم عام 1933 اليهود في مؤخرة المجتمع الألماني. جاءت الاضطهادات ثم النفي ثم الإبادة الجماعية أثناء الحرب العالمية الثانية. بدأ المجتمع اليهودي بإعادة البناء ببطء بعد الحرب. وأحاطت الحكومة الفيدرالية المجتمع اليهودي بكل الحرص.
وصل اليهود في عصر الامبراطورية الرومانية إلى محافظات ألمانيا العليا والسفلى والتي اسموها ب“أرض اشكناز”، لذلك عرفوا بيهود أشكناز وكان اصلهم من بلاد الغال وإيطاليا ونجد من بينهم بعض التجار اليهود القادمين من فلسطين . جاء العديد من المتحولون من ديانات أخرى لنشاط التبشير اليهودى في هذا الوقت. وقد اعتنق شعوب كثيرة من آسيا الصغرى واليونان ومصر وشمال أفريقيا وألمانيا الديانة اليهودية. أول أثر رسمي لوجودهم كان في كولونيا عام 321 وهو عبارة عن نص يوضح ان الوضع القانونى لليهود واحد في الامبراطورية كلها. فهم يمتلكون كافة الحقوق المدنية ماعدا امتلاك عبد مسيحى أو الحصول على خدمة عامة. ويعملون في الزراعة والتجارة والحرف اليدوية أكثر من عملهم في الأقراض. يعتقد هنريك جرايتز ان وجود اليهود في ألمانيا جاء قبل وجود المسيحيين بها. إن الغزوات الألمانية لم تغير ظروفهم المعيشية. في بداية العصور الوسطى، وجدت المجتمعات اليهود في حوض الراين بالاخص، وبالتحديد في فورمس وسبير وماينتس وأيضا في ريغنسبورغ وفرانكفورت وباسو. في هذا الوقت، كانوا يعيشون على التجارة بشكل أساسي. كان التجار اليهود يتاجرون مع الشرق ومع البلاد السلافية المجاورة وكانوا يمتلكون استقلالية كبيرة. ازدهرت المجتمعات حتى نهاية القرن الحادي عشر بسبب التسامح الدينى للملوك الميروفنجيون والكارولنجيون. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وجد العديد من اليهود الفرنسيون ملاذا في ألمانيا. يتكلم اليهود الالمان لهجة ألمانية قريبة من الالزاسية وتسمى “اليديشية” واصبحت لغة جميع يهود أوروبا الوسطى.
في الامبراطورية الكارولنجية، يجب على اليهود كما يجب على الجميع دفع العشر على البضائع. ثبت التجار اليهود العلاقات القوية بين المسيحية الغربية والإسلام. أصبح اسحق اليهودى سفير لشارلمان مع الخليفة هارون الرشيد عام 797. لقد حمى الكارولنجيون المجتمعات اليهودية. كانوا يعفون من الخدمة العسكرية على عكس احرار الامبراطورية. احتكر اليهود نشاط الأقراض بالفوائد بعد منع الكنيسة له. في عهد الكارولنجيون وحتى نهاية القرن الحادي عشر، صدر اليهود العبيد والفرو والاسلحة لإيطاليا وإسبانيا واستوردوا التوابل والمسكنات والبلح والمعادن الثمينة. لقد ساهموا في عمل محاور لنقل البضائع الهامة من اودية الراين والدانوب. كانت الاتصالات بين امبراطورية الفرنجة وامبراطورية إسبانيا أو شمال أفريقيا في محال التجارة أو في مجال التوافق الدينى. في عهد لويس الورع، سويت ثلاثة مواثيق ولكنهم كانوا لافراد بعينهم وحسب طلبهم. كانت هذه المواثيق تضمن لليهود حماية حياتهم وممتلكاتهم وحرية التجارة وحرية العبادة («لقد سمح لهم بالحياة حسب قوانينهم»). كان اليهود تحت الرعاية المباشرة للإمبراطور وكانوا رجاله. في حالة قتل يهودى، فيجب على القاتل دفع غرامة تقدر بعشرة جنيهات من الذهب وهي ضعف غرامة قتل فارس مسيحى. تضاف هذه الأموال مباشرة إلى ثروة الإمبراطور. لقد خصص ضابط للدفاع عن امتيازاتهم.
في منتصف القرن الحادي عشر، هدد الملك هنرى الثالث من يقتل يهودى بفقد عينيه ويده اليمنى. كان الكارولنجيون يفضلون تأصيل اليهود مثلما فضل بعض العلمانيون والكنسيون. دعا روديجر اليهود للاستقرار في مدينته عام 1084 “لزيادة شرف المدينة الف مرة” حسب قوله. فقد منحهم مجموعة من الحقوق والتي سميت “امتيازات روديجر”. وقد اعطى لهم حى منفصل واعطاهم حق الوقوف على اسواره لحراسته “لكى لا يصيبهم مكروه من الجمع”. وجد هذا الحى بجانب نهر الراين وهو محاط بحائط ويتضمن مقبرة وكنيس. كان لليهود في هذا الوقت شرطة خاصة بهم ولهم الحق في تشغيل الخدام المسيحيون وبيع لحوم الكشروت لغير اليهود. كان لهم القدرة للاتيان باليهود الاجانب. كان العمدة الخاص بهم هو عمدة مدينة سبير أيضا. تحددت امتيازاته من الامبراطورية الرومانية المقدسة عام 1090. الذي مد حكم العمدة إلى فورمز . تجدد ميثاق فورمز عام 1157 على يد فريدريك الأول بربروسا والذي منح أيضا ميثاق لمدينة ريغنسبورغ عام 1182. في القرن الحادي عشر، ظهر المعهد العبرى في المجتمعات الراينية. بعض المراكز الراينية مثل سبير وماينتس وفورمز - التي تحوى كنيس بني عام 1034 على الطراز البيزنطى - اعطوا لليهودية الغربية صيت عن المعرفة والرحمة على غرار المراكز الفرنسية. أصبح التلمود كتاب غربي بفضلهم.
لقد تمتع اليهود بحرية العبادة، فكانوا يعتبرون الشهود عن آلام المسيح والمحافظين على العهد القديم والشعب المختار للهداية عند اقتراب نهاية العالم. في القرن الخامس، أصبح أسبوع الآلام فترة للمضايقات والاضطهادات ضد اليهود.
جمع الحاخام رابينو جرشوم العديد من التلاميذ حوله. تعمق في دراسة التلمود والتوراة بتطبيق طرق الأكاديميات التلمودية في بابل . ادخل إلى العقيدة منع تعدد الزوجات ومنع الطلاق دون موافقة الزوجة ومنع اهانة اليهود الذين تركوا ديانتهم ورجعوا إليه مرة أخرى. شهرة هذا الرجل وصلت لكل العالم اليهودى في القرون الوسطى.
في أثناء الحملات الصليبية الاولى، تعددت المذابح للشعب اليهودى بألمانيا بعد اشاعات ان الساراسيون استولوا على الاماكن المقدسة بمساعدة اليهود. كان اساس هذه المذابح في وادى الراين. رغم وجودهم في الارض لعدة قرون، أصبح اليهود خائنين للمسيحية ويجب معاقبتهم قبل تحرير الاماكن المقدسة. لقد ذبحت مجتمعات بطول طريق الصليبيون بسبير وماينتس وفورمز وريغنسبورغ. في ماينتس، قتل 1100 يهودى في يوم واحد وهدم الكنيس وباقى منشأت المجتمع اليهودى في المدينة. إذا كانت المجتمعات في ريغنسبورج عرضت مشهدا للغرق الجماعى للنجاة من الموت، فقد كان رد الفعل الأكثر شيوعا هو تقديس الاسم الالهى. هذه المشاهد من الانتحار الجماعى مثل قتل الام لأبناءها وقتل الزوج لزوجته ادت إلى اتهام اليهود بطقوس القتل. لقد قتل 12000 يهودى في عام 1096. كانت الاساقفة تحمى احيانا المجتمعات من المدينة. لقد ادان البابا هذا العنف وخاصة عمل “حثالة المجتمع” . في 1097، سمح الملك هنرى الرابع لليهود المتحولون بالقوة ان يعودوا إلى ديانتهم واعاد لهم بعض ممتلكاتهم من خلال تعويضات كبيرة.
بدأت المذابح من جديد في 1146 خلال الحملة الصليبية الاولى بتحريض من راهب سابق. لكنها توقفت بفضل تدخل برنارد من كليرفو ولم تصل شدتها لشدة مذابح الحملة الصليبية الاولى. وكان شكر المجتمع اليهودى لبرنارد من كليرفو كبيرا. ثم بدأت الاتهامات بالقتل العقائدى فقد اتهم اليهود بذبحهم للاطفال في عيد الفصح للحصول على دمائهم. ثم اتهموا بنفس الاتهامات في بفورزيم وفيسمبورج واوبرويسل. في 1270، ال“جيدنبرتر” دمرت المجتمعات في ألزاس . في 1285، اتهم اليهود بالقتل العقائدى فقتل 180 يهودى من الرجال والنساء والأطفال بحبسهم داخل الكنيس وحرق الكنيس. وصل عدد الضحايا إلى 941 ضحية جراء مذبحة فورتسبورغ في 1298 . دمر الفارس ريندفليش المجتمعات الموجودة في فرنكونيا في نفس العام وقد قتل 470 يهودى في مدينة روتنبرج فقط. من 1336 وحتى 1339، قام مجموعة من فقراء الفلاحين والذين سموا ب“قتلة اليهود” بنشر الذعر من ألزاس وحتى شوابيا . كان مرض الموت الأسود الذي دمر أوروبا منذ عام 1349 فرصة للمزيد من الاتهامات مثل تسميم مياه الآبار لنشر المرض وكان فرصة أيضا للمزيد من المذابح. رفض عمدة ستراسبورغ تصديق هذه الاشاعات واعلن نيته لحماية اليهود في المدينة. لذلك اقيل من منصبه وتم في 16 فبراير 1349 قتل مئات اليهود بالإعدام حرقا . ثم نهبت ممتلكات اليهود ووزعت على البرجوازيون والاساقفة والبلدية. وقد ضمنت البلدية الحصانة لكل المواطنون المشاركون في المذابح. كان الضحايا اللاحقين هم يهود فورمز الذين حرق منهم 400 يهودى حيا على الاقل في 1 مارس 1349 . في 24 يوليو، فضل اليهود التضحية بانفسم عن طريق الهولوكوست بتدمير جزء من المدينة باضرام النيران بها. أكبر عدد من الضحايا كان في ماينتس حيث قتل 600 يهودى على الاقل في 22 اغسطس 1349 . دافع اليهود عن انفسهم لاول مرة في هذه المدينة فقتلوا 200 على الاقل من مثيرى الشغب إلا أن عدد المعتدين عليهم غير متكافئ مع عددهم فحبسوا في منازلهم ووضعوا امام خيارين: اما ان يموتوا من الجوع واما ان يدخلوا المسيحية فاضرموا في منازلهم النيران وماتوا بداخلها. جاء الدور على يهود كولونيا بعد يومين من هذا الحدث وكان الشعب اليهودى في إرفورت الذي يقدر ب 3000 نسمة ضحية البطش والكره الشعبي. شهد شهر ديسمبر 1349 الهجوم على يهود نورنبيرغ وهانوفر .
بعد عودة الهدوء، وجب على قادة الإمارات والمدن الألمانية تحديد عقوبة لقتلة اليهود. فقام الإمبراطور بفرض غرامة قدرها 20 ألف مارك من الفضة بسبب الخسائر التي سببتها مذابح اليهود. ثم فرض ضباط خزانة الامبراطورية غرامات أخرى. وكانت العقوبة الأساسية هي قانون امبراطورى يعطى هذه الأموال لليهود عند وفاة الإمبراطور، لكن المدينين لم ينتفعوا كثيرا من هذا القانون بسبب الاضطرابات والمشاكل. في 1510، حرق 40 يهودى حيا في مرغريفية براندنبورغ . للحفاظ على ذكرى الشهداء الذين توفوا في مختلف المدن، تجمعت المجتمعات لكتابة “كتاب الذاكرة” . فقد قرروا ذكر أسماء الشهداء في يوم الغفران وبالاخص في ذكرى ايام مذابح الحملة الصليبية الاولى. ان الصدمة الناتجة عن مذابح اليهود في القرنين الحادي عشر والثاني عشر اعطى لليهود فكرة تحقيق بلد منعزل عن باقى البلاد. ان بيتاهيا الريغنسبورغى كتب “طريق” باللغة العبرية وهو الطريق الذي يسمح بوجود الارض المقدسة بعد التشتت.
على الصعيد الديني، يمكن شرح تغير الموقف من اليهود بسبب التأهبات الأخروية. فكانوا يعتقدون انهم يعجلون بمجئ السيد المسيح عن طريق تحويل أكبر عدد من اليهود إلى المسيحية . ان البابوية التي كانت تعتقد أن اليهود هم “خراف الكنيسة” لم تعترض على تغير وضع اليهود في الامبراطورية.
بالرغم من الاضطهادات، استمر العلماء اليهود في تفسير الانجيل والتلمود . اوصل “الاشكينازيون” تعليما اثر في اليهود إلى ما بعد البرانس . كتب الحاخامات اناشيد والحان حزينة طقسية وضعت كأجزاء في كتب الصلوات الاشكينازية. في القرن الثاني عشر، اقترح الحبر صموئيل الحصيد طقس غامض يتميز باهمية الأخلاق وأهمية تحضير القرابين من اجل الايمان. في القرن الثالث عشر، تميز ابنه الحبر جودا بتراكيبه الطقسية وكتاب “كتاب الورعون” . لم تنه فترة الطاعون الكبير انشطتهم الفكرية. خصص منصب الحاخام في منتصف القرن الرابع عشر للذين قاموا بدراسات والقادرون على توفير اذن كتابى لمدرستهم. ثبت يعقوب مولان واسحق تيرنو بشكل نهائي مذهب المعابد الألمانية. لقد ظهرت في ألمانيا “المحزوريم” وهي كتب تحتوى على الصلوات والقطع الطقسية للاعياد الثابتة وغير الثابتة للعام. بين نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، كانوا يزينوا بالمنمنمات الموضحة لكائنات حية برؤوس طيور وحيوانات لتجنب الوصف الطبيعى للإنسان. كان “محذور” فورمز هو الأشهر. تحتوى “المحذوريم” على مرثاة تتفق مع الاضطهادات التي عانوا منها.
انتجت المصانع اليهودية مخطوطات منمنمة جميلة. تميزت منمنمة المدن الألمانية بافكار مختلفة وايقونات مبتكرة مثل العديد من الكائنات المهجنة والوحوش والشخصيات الاسطورية المرسومة بخط غليظ والمجملة بالألوان القوية. في بداية القرن الرابع عشر، انتشر اثنان من تقنيات الزينة غير الرمزية وهم: كتابة صغيرة سطورها تصنع اشكال عن الموضوع التي تتحدث عنه والعلامة المائية المرسومة بالريشة أو بحبر الألوان. توقف فن المنمنمة فجأة في 1348 أثناء انتشار الطاعون الأسود والاضطهادات من جديد. في القرن الخامس عشر، صنعت “الهاجادو” ذات الخط الصغير والهوامش التي تشكل شواهد انجيلية مزاد عليها عوامل اسطورية.
يجب على المجتمع توفير ثلاثة احتياجات:
لعبت المؤسسات التطوعية دورا كبيرا في الحياة في المجتمعات. كانت تتكرس في التعليم اليهودى وتعليم الأطفال الفقراء والمحتاجين. كانت “هفرا قديشة” هي المؤسسة الأكثر نشاطا وكانت تهتم بالدفن. جعل تشتت المجتمعات في الامبراطورية الرومانية المقدسة من الصعب تأسيس سلطة مركزية.
يبنى الكنيس بشكل عام في قلب حى يهودى. فرضت الكنيسة والحكومة المحلية قيود تلزم اليهود بتقليص حجم الكنيس. في العالم الاشكينازى، يخضع الكنيس لقواعد رومانية وقوطية. لكن بما أن حجرات الصلوات ضيقة بشكل عام مثلما في فورمز وريغنسبورغ، فلا يجب مقارنة المعابد بالكنائس المسيحية الكبيرة. يمتلك الكنيس ذو الطراز القوطى صالة طويلة مقسمة على ثلاثة عواميد لحمل القبة. يشغل المقرأ المكان المركزى. وقد هدم بعد طرد اليهود من المدينة.
في 1095، كان منع اليهود من حمل السلاح (السمة التقليدية للإنسان الحر) هو اعلان التعايش السلمى بين اليهود والمسيحيين. منذ القرن الثاني عشر، تراجعت احوال اليهود الالمان على المستوى القضائي أيضا. أصبحوا خدام في غرفة الإمبراطور. الإمبراطور طلب منهم حق الحماية الخاصة ثم الحصول على قرش من الذهب للفرد. في 1215، امر المجلس الرابع ل“لاتران” اليهود بحمل علامة اختلافهم وهي قبعة خاصة بحرف مدبب. كثرت الاتهامات بالقتل الشعائرى وتدنيس القرابين. في يوليو 1236، عقد الإمبراطور فريدريك الثانى الذي يستقبل في قصره اليهود والمسلمون مجلسا لليهود التحولون للمسيحية بخصوص القتل الشعائرى وقد اكدوا انه لا وجود للقتل الشعائرى في اليهودية. فرفض الإمبراطور فريدريك الثاني علنيا جميع اتهامات القتل الشعائرى. لكن الأحوال القانونية لليهود استمرت في التدهور. في 1267، اجبر سينودس فروتسلاو اليهود على المعيشة في احياء مخصوصة لعزلهم عن المسيحيين وازداد انعزال اليهود. منذ 1349 وبعد الطاعون الأسود، كانت تغلق ابواب الغيتو كل ليلة. في 1463، اعلن الإمبراطور ان بمقدرته التصرف باليهود وممتلكاتهم كما يشاء.
تغيرت الأحوال المادية لليهود أيضا. تخلى اليهود عن الزراعة بهدف التوحد وتكوين مجتمعات منظمة، خاصة في العبادة والمدارس. ان اليهود الذين كانوا يمتلكون امتيازات كبيرة في تجارة البحر المتوسط خسروا مكانتهم بعد تطور التجارة الإيطالية والألمانية. لقد منعوا أيضا من التجارة الداخلية لكونهم غير مسيحيون. وقد خسروا أيضا دورهم كخبراء ماليين لصالح الأباطرة. ووجب عليهم ترك الحرف اليدوية التي اشتهروا بها داخل المدن الألمانية. و لم يتبقى لهم الا الأقراض بالرهن والأقراض بالمخاطرة، اعطى لهم هذا النشاط غير الشعبي سمعة تتعلق بالربا والاستغلال.
فعاش اليهود في انطواء متزايد على انفسهم، يخشون ترك الغيتو الخاص بهم خوفا من الاعتداء. هذا الانعزال شجع على ظهور اللغة اليديشية . كان التطور اللغوى لليهود الالمان مختلف عن باقى انحاء البلاد. ادخلت اليديشية كلمات عبرية إلى اللغة وأصبح من الصعب فهمها من غير اليهود.
في حين مجيْ كل إمبراطور جديد، يتم تجريد اليهود من ممتلكاتهم. في عهد رودولف الأول، بدأ اليهود ترك الإمبراطورية الرومانية المقدسة . قبضت السلطات على الحاخام الكبير “Meïr de Rothenburg” خوفا من خسارة مصدر كبير من الارباح. منذ 1355، استولى الأمراء على جزء من صلاحيات الإمبراطور وأصبح لهم الحق شئ فشئ ان يمتلكوا اليهود امتلاكا كاملا. وامتدت هذه الصلاحية للعديد من المدن الحرة. هاجر الكثير من اليهود إلى بولاندا المزدهرة. منح كل من بولسلاس العفيف في 1264 وكازيميز الكبير في 1344 لليهود أراضي ووضع مناسب لهم. لقد احتفظوا باللغة اليديشية في التعامل.
في نهاية القرن الرابع عشر، كانت الغيرة الاقتصادية والحاجة إلى المال لدى الأمراء هي الدوافع الأساسية للاضطهادات . في البداية، قام الأمراء والمدن المحتاجين لأرباح اليهود بدعوتهم للعودة مع ضمان الحماية الكاملة لهم. لم يلبث ان حصل هؤلاء الأمراء على الرخاء وبدأ الطرد والسلب من جديد: أولم في 1380 وماغديبورغ في 1384 وستراسبورغ في 1388 وسبير في 1434 وآوغسبورغ في 1410 ومطرانية ماينتس في 1420 وسكسونيا في 1232 وبافاريا بين 1450 و1555 وفورسبورغ في 1453 ونارمبورغ في 1499 وراتيسبون في 1519. في نهاية القرن الرابع عشر، الغى الإمبراطور فنتسل جميع ديونه وديون الأمراء الذين تعاقدوا عليها مع اليهود . انغلق اليهود في القرى بعد طردهم من المدن وعاش العديد منهم في الأرياف . فعاش 90% من اليهود في فورتمبيرغ . اما في الأراضي الشرقية مثل دوقية بوزنانيا الكبرى، فتجمع اليهود في بعض المدن الصغيرة. بالرغم من ذلك، لم يضع الطرد حدا للاضطهادات . كانت الحروب الهوسية في القرن الخامس عشر فرصا للمذابح والتحولات الدينية بالإكراه وانتحار اليهود لتجنب التحول للمسيحية بالإكراه. بعد الحرب، حرق 41 يهودى احياء في فروتسلاو بتحريض من الراهب كابيسترانو .
لم يهتم تيار الإنسانية الوليد بمصير اليهود . فقط جوهانس راشلن هو من كان يعارض الأفكار المشتركة لكل معاصريه . كان يعتقد أن اللغة العبرية لها قيمة روحية وبالاخص من خلال القبالة . فكان أول شخص يستخدم العبرية من غير اليهود . نشر الجزار اليهودى المتحول إلى الكاثوليكية “جوهانس بفيفيركورن” عدة كتيبات معادية للسامية تحت اسم “الاخوة ستروهمان ودومينيكان الكولونى” عام 1505 وطلب من ماكسيمليان الأول إمبراطور الرومانية المقدسة تفويضا لمصادرة وحرق جميع المكتوبات اليهودية وبالاخص التلمود وطلب أيضا منع كل الكتب المكتوبة باللغة العبرية . في 1510، فوض “أوريل فون جيمنجن” - اسقف ماينتس - “راشلن” بفحص تأثير الأدب اليهودى على المسيحية . ادى ذلك إلى حرب كتابية بين راشلن وبفيفيركورن . دافع راشلن عن موقفه ضد تدمير الكتب اليهودية في كتاب له يسمى “Augenspiegel” عام 1511 وكان معظم الكهنة متوافقين في الرأى مع راشلن . بالرغم من ذلك، تقدم راشلن إلى روما امام المحكمة لمواجهة تهمة اختلاق البدع . اخذ مجلس لاتران الخامس (1512 - 1517) موقف مدافع عن راشلن واكد ان التلمود لا يوجد به ما هو ضد المسيحية .
ساعد تطور الطباعة في أوروبا على نشر الصور النمطية المعادية لليهود . لم يغير الإصلاح البروتستانتي تغيرا كبيرا في ظروف المعيشة لليهود في البداية . في البداية، اخذ مارتن لوثر على الكنيسة الكاثوليكية الرومانية اضطهاد اليهود . كان يتمنى في الحقيقة تحويلهم إلى المسيحية لكنه فشل في ذلك فطلب من الأمراء طردهم . ونشر لوثر في 1543 كتيب باسم “Von den Juden und ihren Lügen” والذي يحتوى على افتراءات العصور الوسطى ويدعو بوضوح لاستخدام العنف ضد اليهود واحراق معابدهم. قامت فورتمبيرغ في 1551 وبراندنبورغ في 1573 ودوقية براونشفايغ لونيبورغ في 1590 بطرد اليهود خارج اراضيهم . في نهاية القرن السادس عشر، لم يكن موجود في ألمانيا إلا ثلاثة مجتمعات كبيرة وهي فرس وفورمز التي يعيش بها 14000 يهودى وفرانكفورت. قام شارل الخامس الذي اعلن حمايته لليهود منذ مجيئه والذي منع طرد اليهود خارج الامبراطورية المقدسة بالتأكيد على حقوقهم عام 1544، لكن احوال اليهود لم تتغير لانها كانت تعتمد منذ وقت طويل على المدن والأمراء.
ان الموقف اللاهوتى للمسيحيون الاصلاحيون هو نفس موقف الكاثوليك، فهم يعتقدون أن الله قد اهمل اليهود لانهم رفضوا الايمان بان يسوع هو المسيا. بالرغم من ذلك، فقد اختفت اتهامات اليهود بالقتل العقائدى وتدنيس القرابين في العالم البروتستانتى الاوروبى بعد رفض البروتستانت الاعتراف بتقديس القرابين التي تؤكد الوجود الحقيقى للمسيح أثناء الأفخارستيا. تضمن الإصلاح تعايش العديد من الديانات في ألمانيا وأصبح الاختلاف الدينى لليهود اقل اثارة . وجدت السلطات المدنية بهامبورغ التي ارادت طرد اليهود معارضة منذ 1621 بالاْراء السلبية لكليات اللاهوت بلينا وفرانكفورت. في نهاية حرب الثلاثين عاما، كرس صلح وستفاليا الاختلافات الدينية وبدأ في دمج اليهود داخل أوروبا .
منذ القرن السابع عشر، اعطت اللوثرية لليهود حق الحياة وسط المسيحيين بشرط عدم العبادة العلنية والتفكيك المجتمعى . رجع اليهود إلى براندنبورغ عام 1670 . في 1714، اصر ملك بروسيا على تأسيس كنيس في شارع هودرويتر ويشبه المعبد والذي أصبح نموذجا لمنشأت أخرى.
قام التسامح الدينى نحو اليهود بدافع تحولهم المستقبلى كما وعد بولس الطرسوسي في الرسالة إلى أهل رومية . وقد بذل جهدا كبيرا في التبشير لاقناعهم بالتحويل إلى المسيحية. ظل اليهود مسحوقين باللوائح الاستبدادية والضرائب المختلفة . في فرانكفورت، تم تقليص عدد الزواج اليهودى إلى 15 زواجا لتجنب الزيادة في عدد اليهود بشكل سريع. كان يفرض عليهم الضرائب مثل “Leibzoll” وهي ضريبة تؤخذ على حصيلة حجم الجسد و“Geleitzoll” لمرافقة ضابط شرطة والاحتماء به وذلك لكى يسمح لهم بالسفر إلى بعض المناطق .
عندما انتصرت بروسيا على سيليزيا وبوميريليا وبوزنانيا، ادخلت شعب يهودى كبير يتحدث اليديشية . لذلك فهم وتكلم الألمانية سريعا . وكان يستخدم هذا الشعب كوسيط في المدن بين الإدارة البروسية والشعب البولندى وادى ذلك لتسامح الحكومة البروسية معهم . لقد طالب فريدرخ الثاني ملك بروسيا بالتسامح الدينى مع اليهود ولكنه لم يمنهم حقوقا مدنية في ميثاق 1750 . وقام بتضييق حقوق اليهود في الزواج لتقليل عددهم . لقد قسم اليهود إلى 6 طبقات . كانت الطبقة الاولى فقط تمتلك نفس حقوق المواطنون البروسيون وتضم بعض الاسر الغنية من اليهود والذين يتواجدون في القصر والمصرفيون وتجار المجوهرات . في 1763، ارغم فريدرخ الثاني ملك بروسيا اليهود من الطبقة الرابعة والخامسة والسادسة على شراء الخزف من المصانع الملكية . عرفت هذه الضريبة تحت اسم “خزف اليهود” وكانت تفعل في الزواج وتغيير البيوت ومنح اوراق الإقامة والسفر وافتتاح المحال التجارية . في خلال اثنى عشر عاما، دفع اليهود 900000 تالر لشراء الخزف البروسى. كان موسى منديلسون واحدا من الطبقة السادسة لكنه نقل للطبقة الثالثة من اليهود البروسيون في 1763 وحصل على حق الزواج بفضل شهرته.
إن طرد اليهود من أعمالهم تسبب في فقر مدقع لهم . عاش نسبة كبيرة منهم في الفقر في القرن الثامن عشر . كانوا يعملوا بظروف صعبة أكثر منها جيدة في التجوال والأسواق والتجارة الصغيرة للماشية والقمح والنبيذ. ظلوا يتحدثوا باللغة اليديشية الغربية والتي بدأت تبعد عن الألمانية تصاعديا. كان فقر وجهل اليهود الذي كون مجتمعا منغلقا على نفسه بسبب العديد من الكتيبات المعادية للسامية . اعطت المهن غير المستقرة لليهود مولدا لاسطورة اليهودي التائه والتي تطورت منذ 1600. في القرن السابع عشر والثامن عشر، سمحت المركنتيلية والحكم المطلق بظهور نخبة صغيرة تمثل اليهود في البلد. شغل يهود القصر مناصب كبيرة في الإدارة والتمويل مثل عائلة روتشيلد . أصبح جوزيف سوس والذي كان يعرف باسم “اليهودى سوس” رمزا لليهود الذين أحدثوا تأثيرا سياسيا من خلال مواردهم المالية. كانت هذه الاقلية من اليهود الاغنياء الدليل الذي يعمل به المدافعون عن تحرير اليهود لدمجهم مع المجتمع الالمانى .
بدأ التاريخ الحديث لليهود منذ نهاية القرن السابع عشر مع تطور الرأسمالية والعقلانية . في القرن الثامن عشر، ناقش التنوير الالمانى قضية اليهود وتحرير يهود الغرب . اظهر يهود الامبراطورية المقدسة على مدار القرن نزعة للتطوير والانفتاح البطئ على اللغة والثقافة الالمانبة وعلى العلوم العلمانية . بدأ تيار التنوير اليهودى الذي يسمى “هاسكالا” في 1780 حيث كان الرائد هو موسى مينديلسون . قادته ثقافته ومهارته لمواجهة محاولة للتحويل العلنى في جدال امام اللاهوتى السويسرى جوهان كاسبر لافاتر . كتب البروتستانتى البيروقراطى “كريستيان فيلهيلم فون دوهم” ممثل ال“Aufklärung” كتابا باسم Ueber die buergerliche Verbesserung der Juden بناء على طلب ال“Aufklärung”. اوضح دوهم في كتابه ان فساد اليهود ناتج عن القوانين التعسفية التي عانوا منها وليس ناتج عن طبيعة اليهود انفسهم . واوضح انه في حالة منع هذه القوانين وتشجيعهم على التعايش مع الثقافة الغربية، فسيصبحون شعب ممتن ومحبب ومخلص. اثر هذا العمل في العديد من فلاسفة التنوير . في 1783 كتب منديلسون “اورشليم ام السلطة الدينية واليهودية” . اكد منديلسون في هذا الكتاب ان اليهودية ملائمة للحياة في ألمانيا حيث أنها لا تفرض العقيدة الفلسفية اللاهوتية مثل المسيحية ولا تملك مبدأ حصرية الخلاص . لقد اْوضح أيضا ان وصايا الطبيعة الالهية بالنسبة لليهودى يجب أن تبقى غير ملموسة حتى إذا وقع الاختيار بين احترامها وبين العتق والحرية. يعتقد منديلسون ان العقبات التي تقف امام دمج اليهود في المجتمع هي ديانتهم الاتنية واستخدام لغتهم الخاصة . كان يشجع اليهود على التخلى عن اللغة اليديشية وتعلم الألمانية والعبرية الانجيلية إلى تحظى باحترام اليهود والمسيحيون معا. كان يسعى لتطوير ذوق العلوم الحديثة . كان يحاول أيضا خلق التوافق بين التقاليد الدينية اليهودية ومجتمع التنوير الاوروبى . في 1779، ترجم التوراة إلى اللغة الألمانية ليستخدمه اليهود . قاد ال“Aufklärung” بعض اليهود «لفحص قانون موسى بافكاره واهدافه وتكييفه مع الوقت والتقاليد والجو والاشكال المعاصرة للحكومة». كان ذلك هو بداية الإصلاح اليهودى . كانت مجلة “Meassef” هي عضو للتعبير عن مدرسة من علماء وكتاب اليهود، تكتب هذه المجلة من ومن اجل ال“Maskilim” وهم اليهود التابعين لل“هاسكالا” قبل التنوير. اسست أيضا جرائد باللغة العبرية واليديشية . وجدت أيضا نصوص رومانتيكية مخصصة لنقل الأيديولوجيات الجديدة . فأصبحت ألمانيا مركز الصحافة اليهودية خلال قرن ونصف . في 1781، اعطى منشور التسامح حق حرية العبادة لليهودية مثل باقى الديانات. في 1787، اْلغيت ضريبة ال“Leibzoll” في بروسيا .
في 1791، حررت الثورة الفرنسية اليهود . وضعت الحروب الثورية وحروب نابليون الأراضي الألمانية تحت النفوذ الفرنسى . في 1798، منحت الحكومة الفرنسية الحرية الكاملة لليهود الموجودين على الضفة اليسرى لنهر الراين . على غرار المثال الفرنسى، ساهمت مختلف الإجراءات في تحسن اوضاع اليهود بشكل واضح حيث الغى نظام “الغيتو” . بالرغم من ذلك، ضيق نابليون الأول الحرية التجارية والمهنية لليهود وحرية السكن في المبانى الموجودة في شرق الامبراطورية الفرنسية في “مرسوم العار” الذي اصدره في 1808 . رغم إلغاء هذا المرسوم في فرنسا أثناء فترة “الترميم”، إلا أنه ظل مفعل في ولايات الضفة اليسرى من نهر الراين. تضمن تطبيق قانون نابليون بألمانيا المساواة القانونية لليهود . تعالت الأصوات في صالح حل القضية اليهودية عن طريق الاندماج: فقد عين نابليون الأول المؤرخ السويسرى جوهانس فون مولر سكرتيرا لوزير ولاية كاسل و“كريستيان فيلهلم فون دوهم” . في يناير 1808، صدر مرسوما يعلن المساواة المدنية الكاملة لليهود في وستفاليا. و الغيت كل القيود الخاصة بالزواج والتعليم والميراث . سبب هذا الإصلاح مناقشات ساخنة في ألمانيا وكان نموذجا لتحسن احوال اليهود في بادن وبالاخص في بروسيا مع «المرسوم الخاص بالاحوال المدنية لليهود في مملكة بروسيا» والذي صدر في 11 مارس 1812 . لكن لا يمكن لليهود المطالبة بوظائف مدنية في الإدارة وضيق القانون للاربعة محافظات المكونة لبروسيا في 1812 وهم براندبورغ وسيليسيا والبوميرانيا وبروسيا الشرقية . لم يستفاد اليهود خلال الاستحواذات البرويسة في 1815 بمرسوم 1812. دخل اليهود القوات المسلحة بعد تمتعهم بكامل المساواة المدنية فشاركوا في حرب التحرير ضد نابليون . قاتل 731 يهودى مع الجيش البروسى وكان منهم 500 متطوع وعين 23 منهم ضباطا من بينهم ناثان مينديلسون نجل موسى مينديلسون. صاحب انهيار الإمبراطورية الفرنسية الأولى ارتداد الاصلاحيون إلى محافظات ألمانيا . في 1815، خطط مؤتمر فيينا لاعطاء «حقوق المواطنون لتابعى المذهب اليهودى الذين يجب ان يباشروا جميع حقوق المواطنون». فقط محافظات دوقية ساكسونيا فايمر أيزيناخ الكبرى وهم لاندغريفية هسن كاسل وفورتمبيرغ حرروا اليهود الموجودين بهم . وتوقفت عملية التحرير في محافظات الجنوب. لقد تسبب تحسن احوال اليهود في ردود افعال معادية وعنيفة من الشعب مثل ما حدث في 1819 . بدأ هذا الرد المعادى للسامية في فورتسبورغ وفرانكفورت وانتشر فيما بعد في انحاء ألمانيا . فقيض على اليهود في جميع انحاء البلاد بمصاحبة هتاف « Hep Hep, Jud verreck » والذي يعنى «هوب، هوب، حرق اليهود» وضربوا وسلبت احيائهم. في 1822، الغى جزء من اوضاع 1812 في بروسيا ولم يحق لليهودى طلب وظيفة عامة إلا إذا تحول إلى المسيحية .
أرادت مجموعة من صغار المفكرين اليهود من برلين تعزيز دمج اليهود في المجتمع اليهودى وتسجيل الواقع اليهودى في الحداثة. ولد ال“Wissenschaft des Judentums” من اجتماعاتهم وهو علم اليهودية . لقد اكدوا أن الحملات المعادية للسامية ترجع إلى زمن ماضي في بيان لهم عام 1822. فهم يقدرون انهم سلكوا في المسار الذي عدل نظرتهم للعالم جذريا عن طريق انفصالهم عن السلطة المجتمعية التقليدية . ففكروا في حل مشكلة هويتهم داخل المجتمع الالمانى عن طريق الأبحاث العلمية. خرجت دراسة التوراة أو التلمود من الإطار الدينى فقد درست هذه الكتب لنفسها وليس لممارسة الشعائر الدينية . فكان ذلك مقاطعة كبيرة لكل ممارسات الماضي.
منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، انتشرت الأفكار الليبرالية في ألمانيا . وتعالت الأصوات للمطالبة بحقوق اليهود في المساواة . في 1843، تأصلت المساواة في جميع انحاء المملكة البروسية بما فيها التجنيد العسكرى . على الرغم من ذلك، واجه المجندون اتهامات معادية للسامية واتهامات مسبقة . في 1847، حق لليهود ان يشغلوا الوظائف العامة لكن لا يحق لهم توجيه اوامر للمواطنون المسيحيون.
طالبت الثورة الألمانية بالمساواة لليهود فدخل سبعة نواب يهود في برلمان فرانكفورت . أحدث فشل ربيع الشعوب (الاسم الذي كان يعطى للحركات الثورية التي اشعلت أوروبا في 1848) تراجع العديد من الدول للوراء. بالرغم من ذلك، اعطت هذه الثورات لليهود امكانية الدخول التدريجى في الحياة السياسية بجانب الأحزاب الليبرالية. في نهاية ستينات القرن التاسع عشر، لقت الحركات الليبرالية تأثيرها ووصلت إلى التعميم التدريجى لرفع كل القيود القضائية . بعد التردد في اتخاذ القرار، انتهت بروسيا بتطبيق التحرير لليهود في إطار الاتحاد الألماني الشمالي . لم يقر قانون 3 يوليو 1869 بوجود اختلافات في التعامل بين اليهود والمسيحيون. لكن عندما أصبح أوتو فون بسمارك مستشارا، منع اليهود من الوصول للمناصب العليا في الشئون الخارجية والجيش والإدارة . واستمر هذا الحال في عهد فيلهلم الثاني.
بالمقارنة مع باقى دول أوروبا، اعتبرت ألمانيا هي أكثر الدول دمجا لليهود في مجتمعها في نهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين . لقد حدث في هذا الوقت البوغروم في روسيا وقضية دريفوس في فرنسا وازدادت الصحافة المعادية للسامية وقلصت المملكة المتحدة دخول اليهود بحزم لاراضيها حتى 1900.
حتى القرن التاسع عشر، كان التطور الديموجرافي للشعب اليهودى اقل كثيرا من التطور الديموجرافي لباقي شعب ألمانيا بسبب المراسيم التي تحد وتقيد زيادة عددهم . في 1852، قدر عدد اليهود ب 62000 نسمة في بروسيا التي تعتبر نواة الرايخ اللاحق . غاب اليهود عن بعض المناطق في ألمانيا بسبب المنع الذي واجههم كثيرا في الفترة السابقة في بعض المدن والقرى .
مع التحرير، زادت نسبة نمو عدد اليهود عن نسبة نمو غير اليهود . هاجر اليهود بشكل جماعي نحو المدن التجارية الكبرى مثل هامبورغ وكولونبا ولايبزيغ. وقل عدد اليهود في المناطق التي شهدت افعال مدبرة ضدهم في السابق. في 1910، وصل عدد المجتمع اليهودى إلى 610000 نسمة. صاحب تحضر وتحرير اليهود علمانية الشعوب اليهودية وترك اللغة اليديشية واستخدام الألمانية.
صاحب تحرر اليهود اندماجهم الاجتماعى والاقتصادى في المجتمع الالمانى واختفت بروليتاريا اليهود الالمان تماما . أصبح مستوى معيشة الشعب اليهودى اعلى كثيرا من مستوى معيشة مجمل الشعب الالمانى . في 1815، كان 25% من اليهود في البرجوازية الوسطى ثم أصبحوا 50% في 1848 ثم 80% في 1868 . في نهاية القرن التاسع عشر، عمل نصف الشعب اليهودى في التجارة . فوجد بنهم تجارا للماشية والقمح والنبيذ وأيضا اصحابا للمحال التجارية . وكثر أيضا العاملين منهم في الوظائف الفكرية مثل المعلمين والأطباء والمحامين . عمل اليهود بهذه الوظائف للتقليد اليهودى في مناقشة وتحليل القوانين في مجال العمل الفكرى والقضائية وأيضا من اجل تفضيلهم للعمل الحر لتجنب التعامل مع اصحاب الأعمال. لم يكن هناك فلاحون اغنياء وكان عدد العمال ضئيل جدا . في القطاع الصناعى، كان العديد من اليهود يمتلك شركات صغيرة ومتوسطة في الهندسة الكهربائية والكيمياء والمعادن غير الحديدية والاقمشة . كان أكبر نجاح صناعى يهودى هو نجاح “A.E.G.” وهي ثالث شركة إلكترونية في العالم عام 1913 . في بداية القرن العشرين، امتلك اليهود من 6 إلى 7% من ثروة الرايخ ومثلوا 25% من اعضاء مجالس الإدارة و14% من مديرى الشركات الكبيرة. دخلت النخبة اليهودية بالكامل في البرجوازية الألمانية . فقد اندمجت جيدا مع القيم الفكرية للثقافة الألمانية . كتب فريدرخ نيتشه عن اليهود فقال ان «في كل مكان اكتسب فيه اليهود من التأثير، فقد علموا غيرهم التمييز بدقة كبيرة والاستنتاج بوضوح ودقة والكتابة بكثير من الوضوح، كان عملهم هو انتزاع الشعب إلى المنطق» . كان يوجد من اليهود حول القيصر كبار العلماء والصناع مثل مالك السفينة “بالين” و“وولتر راتينو” . كانت النتيجة المباشرة لعملية التحرير هي اختفاء الاحياء المخصصة لليهود فقط . قدر البرجوازيون اللوحات ذات المواضيع والأفكار اليهودية وعلقوها داخل منازلهم .
في القرن التاسع عشر، ابدع الفنانون والمفكرون في العديد من المجالات . كان اسهام اليهود أكبر كثيرا من اسهامهم في 1912، كتب الصحفى الشاب “Moritz Goldstein” : «نحن ندير الغنى الفكرى لبلد طالما رفضتنا نحن المستقيمون والأكفاء للقيام بهذا الدور». هذه الملحوظة التي لم تفعل سوى تأكيد المعاداة لليهود في هذا الوقت لم تكن دقيقة فانها لا تنتمى للعلوم والثقافات الألمانية لاْن معظم المفكرون كانوا من غير اليهود.
معظم هؤلاء الرسامون غير معروفين من جمهور كبير لكن لا تزال أعمالهم تباع في المحلات والبيع في تزايد مستمر.
في مجال الأدب، بقى هاينرش هاينه واحدا من أكبر الشعراء الالمان في النصف الأول من القرن التاسع عشر . لقد تحول إلى المسيحية في الثامنة والعشرين من عمره لكى يندمج بشكل أكبر في المجتمع الالمانى وقد اسمى هذا التحول «تذكرة الدخول في المجتمع الاوروبى». لم يكن يتوقف عن تأكيد هذه الإشارة وخاصة في نهاية عمره . لقد لخص موقفه مأزق يهود ال“Aufklärung” . عرف “برتولد اورباش” من كل معاصريه ولكنه أصبح مجهولا بعد وفاته . لقد تمت المقارنة بينه وبين تشارلز ديكنز وأيفان تورغينيف. لقد نشر أيضا “ايلس لاسكر شولر” العديد من الاشعار .
استخدمت النخب الفكرية لأوروبا المركزية اللغة الألمانية كلغة حوار وذهبوا نحو الرايخ ليعرفوا أعمالهم . كان هذا هو حال “كارل اميل فرانزوس” الذي ولد في غاليسيا وهو مؤلف للعديد من الرويات التي توضح النقاط الايجابية لليهود وفرانتس كافكا الذي نشر كتبه في لايبزيغ وفي برلين و“جوزيف روث” الذي استكمل عمله في برلين والفيلسوف واللاهوتى مارتن بوبر الذي اسس دار للنشر في برلين والماركسى “رودولف هيلفيردينج” الذي أصبح وزيرا للاقتصاد في ألمانيا في عصر جمهورية فايمر.
كان اندماج اليهود في المجتمع الالمانى فرصة للنقاشات الدينية . ظهر تيارين في القرن التاسع عشر وهم اليهودية الإصلاحية واليهودية الأرثوذكسية الحديثة .
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان أبراهام جيجر هو رائد وزعيم اليهودية الإصلاحية المنبثقة من ال“Aufklärung” . فمضى على خطى المثال البروتستانتى . كان الحاخامات يذكرون دائما في خطاباتهم فكرة التنوير وهي فكرة مسيحية بالدرجة الاولى . ظهر في هذا الوقت الاناشيد الدينية باللغة الألمانية والتي تنشد جماعيا كما ظهرت آلة الارغن في المعابد . ترجمت الصلوات وحدثت نقاشات حول ترك اللغة العبرية في الطقوس الدينية اليهودية. اسس “زكريا فرانكل” « Jüdisch-theologisches Seminar » أي المعهد اللاهوتى اليهودى في برتسلاو . كان “هنريك جرايتز” المؤرخ اليهودى المشهور واحدا من المعلمين في هذا المعهد . في محاولة منه لتوافق التقاليد والحداثة، فقد قبل استنتاجات التحليلات النقدية والتاريخية والعمل العام والاحتفالات الدينية . من هذا الاتجاه، ولدت “اليهودية الايجابية التاريخية” والتي وجدت التيار الموازى لها بعد قرن من الزمان في الولايات المتحدة الأمريكية وهو تيار اليهودية المحافظة. اختار معظم اليهود الالمان ان ينضموا إلى اليهودية الإصلاحية .
اسست اليهودية الأرثوذكسية الحديثة التي تضم قلة قليلة من اليهود على يد “شمشون رافائيل هيرش” و“ازريل هيلدشايمر” . كانوا يقبلون مكتسبات الحداثة قبولا حكيما ولكنهم كانوا يرفضون كل ما يتعلق بالتقاليد . ولد “ازريل هيلدشايمر” في هالبرستاد عام 1820 وكان نمذجا للعلماء التقليديين . بعد دراساته في المدارس اليهودية، التحق بجامعة برلين والتي درس بها اللغات الشرقية والفلسفة والتاريخ والرياضيات . لقد اسس منهجا لتعليم الحاخامات والعلمانيون الورعون في المعهد الحاخامى ببرلين الذي انشأه ورأسه عام 1873 . كان يعتقد أن الأرثوذكسية متطابقة مع الدراسة العلمية للمصادر اليهودية. كونت هذه المدرسة العديد من الحاخامات في أوروبا . في أوروبا الشرقية، رفض “موشى سوفير” مؤسس اليهودية الأرثوذكسية التي تتفق مع تيار اليهودية الحريدية النهج الفكرى لتيار التنوير رفضا قاطعا. تعلمت وتكونت الحاخامات الأرثوذكسية في اليشيفا وهي مدارس حاخامية تقليدية .
بنيت المعابد الجديدة في مختلف احياء المدن وليس في احياء محددة فأخذت نفس مكانة المبانى العامة . كانت واجهات هذه المعابد على الشوارع تمثل دورا اجتماعيا في تمثيل اليهود ومعبرة عن الهوية اليهودية . كانت تمثل رخاء المجتمع من خلال خليط من الاساليب المعمارية المختلفة . كان الطراز المعمارى الغالب على المعابد هو طراز “الرومانية الجديدة” من 1840 وحتى 1900 كما هو الحال في المعابد الاثرية التي بناها “ادوين اوبلر” والذي استخدم الرومانية الجديدة في هانوفر (1864-1870) وبراتسلاو (1865-1872) ؛ وفي معابد دوسلدورف التي بناها “جوزيف كليساتل” (1904) وبرلين ؛ ومعبد شارع “فاسانن” الذي بناه “ارينفريد هيسل” (1907-1912). بعد التعديلات العقائدية، صممت قاعات الصلوات في المعابد لتركيز مراسم الصلاة حول منطقة واحدة . وضع التابوت المقدس بجانب المقرأ. كانت قاعة الصلاة في معبد فرانكفورت الذي بنى عام 1860 نموذجا لهذا الوصف فقد قسمت إلى صفين بشكل عمودى . ويقف الحضور في مواجهة الحائط وهكذا كانت تمارس الشعائر داخل المعابد. من أهم المعابد أيضا هو معبد اللقلق الأبيض في فروتسلاو التي كانت تضم 20000 يهودى في 1910 .
على مدار القرن التاسع عشر، تخلى اليهود عن كل هويو لغوية وثقافية خاصة بهم فكانوا يطلقوا على انفسهم مواطنون ذو «عقيدة إسرائيلية» وكانوا يظهروا وطنية تتسم بالريبة . لد دافع علم التأريخ التقليدى منذ القدم عن قضية الاستيعاب الكامل لليهود في نهاية