اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تاريخ اليمن القديم هو التاريخ الذي يتناول الحضارات الصيهدية في بلاد اليمن من الألفية الثانية قبل الميلاد حتى القرن السابع بعده. ينقسم التاريخ القديم لثلاث مراحل: الأولى مرحلة مملكة سبأ والثانية فترة الدول المستقلة وهي مملكة حضرموت ومملكة قتبان ومملكة معين والثالثة عصر مملكة حمير وهو آخر أدوار التاريخ القديم. مرت البلاد بعدة أطر من ناحية الفكر الديني بداية بتعدد الآلهة إلى توحيدها من قبل الحميريين. وشهدت البلاد تواجداً يهودياً منذ القرن الثاني للميلاد.
أغلب مصادر تاريخ اليمن القديم هي كتابات خط المسند بدرجة أولى تليها الكتابات اليونانية. أما كتابات النسابة والإخباريين بعد الإسلام فهي مصادر مهمة، ولكن لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل لعدم قدرتهم قراءة خط المسند واتساع الهوة الزمنية بينهم وبين مملكة سبأ. كان لليمنيين القدماء نظام زراعي متطور، وعرفوا ببناء السدود الصغيرة في كل واد؛ وأشهر السدود اليمنية القديمة سد مأرب. ازدهرت تجارتهم وكونوا محطات وممالك صغيرة منتشرة في أرجاء الجزيرة العربية مهمتها حماية القوافل. أسسوا إحدى أهم ممالك العالم القديم المعروفة باسم ممالك القوافل، وعرفت بلادهم باسم بلاد العرب السعيدة في كتابات المؤرخين الكلاسيكية.
كان للنمساويين الصدارة في دراسة النصوص اليمنية القديمة، وأشهر هولاء المستشرق إدورد جلازر الذي جمع خلال زياراته الثلاث إلى اليمن حوالي 1032 نقشًا قديمًا. وبالتعاون مع صديقه الفرنسي جوزيف هاليفي الذي درس وحده 800 نقش في القرن التاسع عشر، ودخل اليمن وتجول بأرجائها كيهودي متسول ليقي نفسه تحرشات القبائل. كانت هناك محاولات متواضعة من مستشرقين إيطاليين ودنماركيين في القرن السادس عشر إلا أنها لم تكن مثمرة. بعد الحرب العالمية الأولى، بدأ عدد من الباحثين المصريين والسوريين "كشيخ الآثريين" أحمد فخري، وله كتابان عن اليمن وتاريخها القديم، بزيارة اليمن والمشاركة في أعمال التنقيب والحفريات. أما أول أمريكي يزور اليمن فكان الباحث ويندل فيليبس وعدد آخر من الباحثين مثل ألبرايت وألبيرت جامه. ثم كان كتاب المؤرخ العراقي الراحل جواد علي المعنون المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وفيه أبدى الدكتور جواد رأيه في كثير من المسائل وأطروحات المستشرقين فلم يكن متوافقا معهم كليا ولا مجرد ناقل، بل تناول كتاباتهم وكتابات المؤرخين العرب بالنقد والتمحيص كذلك، فهي أبحاث علمية تحتمل الخطأ والصواب.
في عام 1987 قام الباحث الألماني ويرنر دوم بزيارة اليمن وتأليف كتاب "اليمن: ثلاثة آلاف سنة من الفن والحضارة في العربية السعيدة"، تطرق فيها الكاتب لأبحاث حديثة حول تاريخ الفنون والتماثيل والمعتقدات الدينية. المكتشف من نصوص خط المسند يمثل نسبة ضئيلة للغاية من تاريخ سبأ واليمن بشكل عام، والدراسات قليلة وغير وافية ومعظم النقوش نُسخ من قِبل سياح ومستشرقين دخلوا اليمن متنكرين خوفاً على حياتهم، ولم تتوفر لهم فرصة لدراسة النصوص والمعابد بشكل دقيق. فضلاً أن كل المُكتشف الذي تم دراسته عثر عليه على ظاهر الأرض، وما تحتها يتجاوز ذلك. هذه معوقات لا تسمح بتكوين صورة دقيقة ومكتملة عن التطور السياسي للسبئيين وهو ما فتح باباً للجدال واختلاف الآراء والتفسيرات حول دلالات المُكتشف من النصوص. وللأسف فإن الأبحاث الأثرية الحديثة في اليمن تتعرض لمضايقات وعرقلة بسبب الاضطرابات السياسية المتواصلة.
يجب أن تقرأ كتابات النسابة وأهل الأخبار بحذر وتمحيص شديد لأن مجال الوضع والكذب فيها واسع. ولاحظ الباحثون في العصر الحديث أن الموارد الإسلامية تحتوي شيئاً من الصحة عن التاريخ العربي قبل الإسلام إذا تعلق الأمر بالقرن السادس الميلادي على أكثر تقدير. كان المؤرخون المسلمون يعتمدون على الشعر لإثبات حوادث تاريخية، فيزعمون أن ملكاً أو فارساً أنشد شعراً في موقعة ما وبذلك تكون الفكرة التي أرادوا إيصالها مثبتة تاريخياً في نظرهم، ووصل بهم الأمر إلى نسب أبيات شعرية إلى آدم بل إبليس نفسه. وحتى إن نقلوا من مصادر مدونة فإنهم يقحمون آراءهم وينقلون عنها من منطلق الواعظ والناصح. لذلك اختلف المؤرخون المسلمون عن اليونان والبيزنطيين كثيراً: فكتابات اليونان وإن عابتها توجهات سياسية إلا أنها أكثر موثوقية.
وعلى هذا فإن قصص الإخباريين والنسابة ضعيفة ما تعلق الأمر بالتاريخ العربي قبل الإسلام عموماً والتاريخ اليمني بشكل خاص لأن اليمنيين كانوا يدونون بخط المسند وذكروا في كتابات اليونان والبيزنطة ومع ذلك لم يكلف النسابة والإخباريين أنفسهم الرجوع لتلك المصادر باستثناء قليل منهم كان على اطلاع على كتابات السريان. وقد تنبه مؤرخون مسلمون في عصور لاحقة لذلك وانتقدوا أساليب من سبقهم مثل ابن خلدون. ولكن من بين الإخباريين الذين بذلوا جهداً معقولاً في هذا الجانب كان المؤرخ والجغرافي اليمني أبو محمد الهمداني مؤلف صفة جزيرة العرب، إذ كان من القلائل الذين حاولوا قراءة نصوص المسند على الأقل، وقد زار المواقع الأثرية بنفسه ودون ما رآه وهو مجهود لم يفعله أحد من المؤرخين المسلمين. ولكنه مع ذلك وقع في أخطاء فادحة
ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الحضارات القديمة منبثقة من حضارات بدائية قامت في العصر البرونزي (امتدادًا للعصور الحجرية) في اليمن أم أنهم نازحون من مناطق أخرى خلال العصر الحديدي. البعض يعتقد أن السبئيين وغيرهم كانوا امتداداً لحضارات بدائية قديمة جداً قامت في اليمن، إلا أن الارتباط اللغوي للعرب الجنوبيين مع الكنعانيين بالذات يرجح نزوحهم إلى الجنوب على رأي علماء المدرسة الألمانية القديمة. وتبقى هذه مجرد نظرية، فسبب النزوح إن حدث فعلا لا يزال غير معروف. اكتشفت كتابة مصرية عن تلقي تحتمس الثالث هدايا من يمنيين في القرن الخامس العشر قبل الميلاد، وهذه الهدايا كانت بخورًا مما يدل على قدم سيطرة اليمنيين على مناطق إنتاج البخور ويضعف فرضية النزوح في العصر الحديدي. كشفت أبحاث قصيرة في عام 2001 عن وجود حضارة زراعية تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد.
ذكرت التوراة ما يٌفترض أنه نسب سبأ ثلاث مرات مختلفة فذكر سبأ من نسل الشخصية التوراتية إبراهيم من ولد اسمه "قيشان" كان شقيقاً لمدين الذي أنجب ديدان. وذكرت التوراة كذلك أن السبئيين كانوا يغيرون على أيوب ويسرقون ه ويقتلون الأطفال وهي تعطي دلالة أن عدداً من السبئيين كان بدوياً ويغير على المزارعين في مواقع قريبة من اليهود. وذكرت التوراة أيضا سبأ أخرى شقيقة لحضرموت ومن أبناء يقطان بن عابر وهو الادعاء الذي تمسك به النسابة والإخباريون الذين ظهروا بعد الإسلام. وأنهم كانوا يسكنون "ميشع" ونزحو إلى "سفار"، ويعتقد الباحثون أن المقصود بسفار عند اليهود هو ظفار يريم. وذكروا سبأ من نسل كوش وهي إشارة لشرق أفريقيا. إن أثبت هذا التعدد شيئاً، فهو امتداد نفوذ السبئيين إلى عدة مناطق، وتعدد المناطق التي قدمت منها القوافل السبئية خلط الأمور على اليهود.
ذكر الباحثون في سياسة العرب الجنوبيين تكوين مستعمرات وتمهيد الطرق للقوافل، وبناءً على ذلك فلا شك أن جماعة من السبئيين كانوا يسكنون على مقربة من أرض كنعان. وقد عثرت بعثة اسكتشاف أمريكية على آثار من النحاس والحديد وكتابات بخط المسند تعود إلى القرن الثامن ق.م في موقع تل الخليفة بالأردن يرى الباحثون أن لها علاقة بالمعينيين في العلا. هذا لا يعني اعتبار التوراة مرجعًا ولكن الوارد فيها قد يعطي لمحة لبعض التواريخ. وقد عثر الأثريون على كتابات سبئية ومعينية في مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية في قرية الفاو بل في العراق كذلك في موقع وركاء على شاهد قبر قديم. واكتشفت كتابات معينية في ميناء عصيون جابر وهو حسب العهد القديم أحد الموانئ المهمة للملك سليمان وكتابات مشابهة في القطيف. ورد في نصوص سومرية كلمة "سبا" في كتابة "لجش تلو" ويعتقد أن المقصود أرض سبأ وذلك منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد.، وقال هومل أن كلمة "سابوم" الواردة في نصوص لملوك أور هي ذاتها سبأ المذكورة في العهد القديم والقرآن.
كان التبادل التجاري مبلغ علم العبرانيين، فلا يوجد في كتبهم سوى أن السبئيين كانوا أثرياء وتجار بخور ولبان وأحجار كريمة. المهم في هذه الكتابات اليهودية هو توصيفها لحال الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية. وقد وجدت كتابات تصف وضعا مشابها في كتابات اليونانيين والرومان. كانت الكتابات اليونانية في البداية مبالغًا فيها ويشوبها عنصر الأسطورة ولكنها تحسنت بعد الاتصال المباشر لليونانيين باليمنيين القدماء. زيادة أطماع اليونان السياسية كانت دافعًا لهم لدراسة الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية، ودراسة مواطن ضعفه حتى أنهم خزنوا ما كتبوه عن اليمن القديم في خزانة مكتبة الإسكندرية واعتبروه من أسرار الدولة التي لا يطلع عليها العامة.
أما الوارد بشأن جرهم وإسماعيل فهي قصص متأثرة بتراث ديني والتأكد منها من ناحية الآثار يكاد يكون مستحيلا. ورد اسم قحطان ولكن في كتابات مسندية متأخرة للغاية عن القرن الثاني عشر أو التاسع قبل الميلاد، ولم تكن بالصورة التي صورها الإخباريون؛ فقد جاء ذكر قحطن كاسم أرض تابعة لأحد ملوك كندة. رغم أن عدد النقوش والآثار المكتشفة يتجاوز العشرة الآف نقش، إلا أن الباحثين يعتقدون أن ما تحت الأنقاض يتجاوز ذلك بكثير.
وجدت شواهد لقبور ميغاليث تعود إلى العصر الحجري القديم ولا زالت الدراسات بشأن تاريخ اليمن القديم في بداياتها، فكثير من الأمور لا تزال غامضة. بدأت تظهر علامات على التحضر في أواسط الألفية الثانية قبل الميلاد في منطقة صبر تحديدا تعود إلى العصر البرونزي وتسبق الممالك الخمس المعروفة. حيث وجدت أطلال لمدينة قديمة ولها أسواق ومباني صغيرة وحفر تقود إلى مخابئ لتخزين الأمتعة الثمينة؛ ولا زالت الأبحاث جارية حول هذه الحضارة الصغيرة من قبل مختصين ألمان. لم تجر أبحاث حول الحضارات الأصلية التي انبثقت عنها الممالك الأربع.
عرفت هذه المملكة باسم "أوسن" وتواجدت جنوب مملكة قتبان، دمرها كرب إيل وتر وبقيت مملكة صغيرة تابعة في غالب تاريخها وكانوا من أبناء الإله ود. وجدت الكثير من التماثيل المصنوعة من الذهب منقوش تحتها أسماء الملوك لكن يظهر أنها تعرضت لكسر قد يكون لحملة سبأ عليها سبب في ذلك، إذ دمر السبئيون قصرهم الملكي وأمر كرب إيل وتر بإزالة كل النقوش وتدمير الكتابات عنها كما ورد في "كتابة صرواح" التي دونها هذا الملك في القرن السابع ق.م. ويبدو أنها كانت مملكة قوية في بداياتها إذ جاء في كتابات اليونان أنها كانت تسيطر على ساحل زنجبار في أفريقيا. ولم يكونو ليتجاوزوا الساحل الغربي لليمن لشرق أفريقيا لو لم تكن مملكتهم قوية ولها سيطرة محكمة على مناطق واسعة. إلا أن أطماعها في التوسع انتهت بعد قضاء السبئيين عليها.
هي مملكة صغيرة قامت في شمال أثيوبيا في القرن الثامن ق.م. الكتابات عنها قليلة للغاية دونت بخط المسند، وهي أقدم الممالك بشواهد أركيولوجية في أثيوبيا. لا يعرف الكثير عن هذه المملكة وهناك اعتقاد أنها مملكة قامت من قبل السكان الأصليين لتلك المناطق بتأثير سبئي والبعض يعتقد أن مؤسسيها كانوا سبئيين قدموا من اليمن واختلطوا بسكان تلك المناطق. بالكاد يمكن الكتابة عنها وعن تاريخها أي شيء. وليس من المعروف ما إذا كانت هذه المملكة مرحلة سابقة لمملكة أكسوم أم أنها إحدى الممالك الصغيرة التي سيطر عليها هولاء الأكسوميين؛ فتاريخ إثيوبيا شبه مظلم قبل مملكة أكسوم التي قامت في القرن الأول للميلاد.
على الرغم من كثرة ذكر نجران في نصوص عربية جنوبية مختلفة فإن علم الباحثين عنها قليل للغاية. كانت مطمعا للسبئيين والحميريين وتعرضت للغزو والإحراق مراراً من باب إخضاعها، وهي دلالة على أهمية موقعها كمحطة للقوافل. وذكرها ملك المناذرة باسم "مدينة شمر" ويقصد شمر يهرعش. جاء في نقش اتجاه قوات حميرية منها نحو مملكة الأنباط وانتهت بانتصار هذه القوات. لا يعرف الكثير عنها رغم كثرة ذكرها في نصوص سبئية، وقد تقود الاكتشافات في منطقة نجران لاكتشاف تاريخ هذه المنطقة.
قدس اليمنيون عثتر والمقه وسين وود وعم. وكانت العقائد تتمحور حول ثالوث الشمس والقمر وابنتهما كوكب الزهرة، وهو افتراض مشكوك فيه من قبل بعض الباحثين. الآلهة الرئيسية كانت عثتر ومن ثم المقه وعم وود وسين، تليها آلهة القبائل الخاصة كتألب ريام وكاهل.
عثتر هو النسخة الذكرية من عشتار كما يعتقد البعض، لكن أبحاثا جديدة تظهر ميثولوجيا مختلفة قليلا، ترجح أن عثتر كان أنثى كما تشير إليه النصوص اليمنية "أم عثتر" وانقسم إلى قسمين، إله ذكر وإلهة أنثى كانا أب وأم البشرية جمعاء. عثتر هو أكبر آلهة اليمن ووالد الآلهة كلها. ورغم اختلاف الباحثين في تحديد فترة نشوء سبأ هناك دلائل على قيام المملكة قبل القرن التاسع سماها بعض الباحثين بالفترة "المهجورة"، وهي الفترة في القرن الثاني عشر والثالث عشر ق.م فقد وجدت كتابات تشير إلى عثتر كالإله الرئيسي لقبيلة سبأ؛ ويعتقد أن دخول المقه في المعتقدات السبئية هو نتيجة لدخول قبيلة "فيشان" في سبأ فأصبحت سبأ تجمعا عشائريا كبيرا يضم عددا كبيرا من القبائل، وانعكس هذا على ديانتهم فكثرت آلهة سبأ كنتيجة لهذا التحالف. وكان للثور أو العجل قدسية خاصة في اليمن القديم وغيره من حضارات الشرق الأدنى لتشابه قرونه مع القمر. المعينيون كانوا يصفون إلههم الأكبر ووالدهم ود، وقدس المعينيون الآلة منضح وهو مسؤول عن السقيا والماء، والإله بلو وهو إله المصائب والبلاوي، والإله رفوا وهو إله حماية الحدود، والإله حلفن وهو إله القسم والتعهدات، فيقسم به عند عقد الاتفاقيات والمعاهدات والعقود التجارية.
أما سبأ فإلهها الأكبر المقه، واختلف الباحثون حول معنى اسمه؛ فالألف واللام أول اسمه ليست أداة للتعريف فأداة التعريف عن العرب الجنوبيين كانت الحرف نون في آخر الكلمة. وأغلب الظن أنها "إيل مقه"، وكلمة مقه تعني "قوي" فيكون معنى الاسم هو إيل القوي. "إيل الحافظ" وربط بعض الباحثين بين اسمه ومدينة مكة مفسرين كلمة "مقه" السبئية بمعنى معبد فيكون معنى اسمه رب أو إله المعبد. وقد كان السبئيون واليمنيون بشكل عام يقلبون القاف كافا كما في كلمة مكرب السبئية والتي تعني "مقرب". يزداد عدد الآلهة بازدياد عدد القبائل. انضمت الإلهة "هبس" وهي زوجة عثتر إلى مجمع الآلهة السبئي مبكرا في القرن السابع ق.م وكانت مسؤولة عن الأرض اليابسة والجافة أما المقه فهو إله الدولة ورمزها وبني له أربعة وثلاثون معبدا أشهرهم معبد أوام وبرأن. وسين هو إله القمر عند الحضارم وتشير الرموز إليه بهلال ونقطة فوقه.
تراجعت أهمية الآلهة تدريجيا حتى وحد الحميريون الآلهة واعتبروا رحمن إلها أوحد إلى أن دخلت اليهودية والمسيحية إلى اليمن. مرت هذه الاعتقادات التوحيدية بعدة أطوار فقد كان ذو سماوي أو "ذو سموى" بلغة المسند يذكر مقرونا بعدد من الأصنام بداية حتى أصبح إله الأرض والسماء الأوحد ثم ترسخ التوحيد وأهملت الآلهة الأخرى. تم تقديم الإله رحمن وحده في صيغ التعبد غير مقرون بآلهة أخرى وهو ما يقلل من فرضية أن التوحيد دخل اليمن بتأثير من اليهود والمسيحيين إذ عرف الباحثون ديانة الرحمن هذا باسم "التوحيد الحميري" لخصائص لم توجد في أديان أخرى.
استطاع الأركيولوجيون معرفة لمحة بسيطة عن معتقدات اليمنيين عن الحياة بعد الموت، فقد وجدت عدة مقابر لجثث محنطة موضوعة داخل أكياس من الجلد مع ترك الرأس خارجا دون تغطيته في مشهد يشبه الولادة، فاعتبر اليمنيون الموت مرحلة لحياة أو ولادة من جديد. يطلق على المعابد في اليمن لفظة "حرم" و"محرم" وكان يحرم دخولها بملابس متسخة وتمنع النساء من دخولها خلال فترة الحيض. ويظهر أنه كان لليمنيين طقوس تعبدية تدعى "طوف" (طواف) حول الحرم لها علاقة بالطهارة الروحية يعقبه اعتراف بالذنوب للكهنة وتقديم القرابين التي غالبا ما تكون من حيوانات مفضلة للآلهة وهي الوعلان والغنم والخراف والثيران. عادة ما يكون تقديم القرابين لغفران الذنوب أو لشكر الآلهة أملا في زيادة عطاياها. واكتشفت عدة حالات تضحية بالبشر وعادة مايكونون من الغرباء عن المملكة الذين يقعون في الأسر.
كانت الزراعة والتجارة عماد الاقتصاد، وبالذات البخور والعطور والطيب لما لها من أهمية عند الشعوب القديمة لمعتقدات متعلقة بطرد الأرواح الشريرة من المنازل والمعابد وما شابهها من الطقوس التعبدية في العالم القديم. كان لنظام الري وحصر مياه الأمطار أثر كبير في تطور الزراعة في اليمن فقد ابتكر اليمنيون القدماء نظام ري قل نظيره في العالم واستطاعوا ري الكثير من الأراضي الجدباء وشبه الصحراوية حتى أوصلوا الماء للمرتفعات الجبلية. اهتم اليمنيون بالزراعة، حيث تظهر الآثار تقدما في هذا الجانب، فبنوا السدود الصغيرة في كل واد وحوطوا المدرجات الجبلية بصخور ومجاري لحصر مياه الأمطار وتوجيهها للجهة التي يريدونها عن طريق قنوات من عصور قديمة تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.
لا توجد أنهار في اليمن فبدأ اليمنيون بالزراعة متأخرا بعض آثار لنظم زراعية تعود 5,200 سنة. إذا إنحبس المطر، صلى اليمنيون لآلهتهم طلبا للسقيا وكان لديهم سقيتان، "سقي خرف ودثا" أي "سقي الخريف والربيع" وإن أنعمت عليهم الآلهة قدموا لها القرابين شكرا وتقديرا لأفضالها عليهم. حفروا الصهاريج المعروفة باسم "نقب" في حضرموت وتراوحت أعماقها من ثلاثة إلى أربعة أمتار وتوصل بمجاري تحت الأرض يبلغ طولها عدة كيلومترات لإيصال المياه إلى المزارع والسكن. وبرع اليمنيون في بناء السدود أو "عرمن" (العرم) كما تذكر في اللغة القديمة وكان الملوك يدفعون الأجور للعمال وفي حالات عديدة كانوا يستعملون خلال الطوارئ. يعتقد أن سد مأرب بني في القرن الثامن قبل الميلاد. ومر هذا السد بأطوار عديدة وتعرض للتصدع عدة مرات آخرها في العام 575 للميلاد.
أقام المهندسون في القرن الثامن قبل الميلاد سدا قويا في الجهة التي تخرج منها السيول إلى المجاري عرف باسم وكان طوله قرابة 577 مترا. كان هذا السد هو حجر الأساس لسد مأرب الكبير الذي أقتطعت حجارته من الجبال ونحتت بإتقان وتم إيصالها ببعض باستخدام قطع من قضبان إسطوانية مصنوعة من الرصاص والنحاس يبلغ طول الواحد منها 16 سنتمترًا، وقطرها حوالي الثلاثة سنتمترات ونصف. وذلك بصب المعدن في ثقب الحجر، فإذا جمد وصار على شكل مسمار يوضع الحجر المطابق الذي صمم ليكون فوقه في موضعه بإدخال المسمار في الثقب المعمول في الجهة السفلى من ذلك الحجر، وبذلك يرتبط الحجران بعضهما ببعض برباط قوي محكم. وقد اتخذت هذه الطريقة لشد أزر السد، وليكون في إمكانه الوقوف أمام ضغط الماء وخطر وقوع الزلازل. وبنيت الكثير من السدود المشابهة والمتصلة ببعضها البعض وقل مثيل هذه السدود في العالم القديم باستثناء اليمن.
أما التجارة، فقد نشأ سوق العطور والبخور منذ الألفية الأولى قبل الميلاد على الأقل في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وأهمية البخور تكمن في المعتقدات السائدة حينها عن الجن والأشباح والعفاريت إذ كانت مرتبطة بطقوس دينية عند كثير من الشعوب. ولم تكن هذه المحاصيل تزرع إلا في شرق أفريقيا واليمن والهند وهو سبب اهتمام اليمنيين بسواحل أفريقيا كونها مصدر المحصول الأكثر طلبا في العالم القديم. يسمى التاجر "مكر" في اللغة القديمة. وذكر اليونان قوافل اليمنيين وكيف أنهم كانوا أثري سكان الجزيرة العربية وكانت ثرواتهم مطمع الكثير حتى ذكر في العهد القديم أن السبئيين سيقدمون بالذهب معظمين لملك اليهود المنتظر. بغض النظر عن صحة القصة، هي دلالة على اتصال تجاري بين السبئيين واليهود وكان السبئيون يشترون العبيد والجواري منهم. أشير في التوراة إلى قوافل سبأ، وهي قوافل كانت تسير من العربية الجنوبية مخترقة العربية الغربية إلى فلسطين، فتبيع ما تحمله من سلع هناك. وقد كان السبئيون يسيطرون على العربية الغربية، حتى بلغت حدود مملكتهم أرض فلسطين ويُعتقد أن أهل يثرب كانوا أحد المستوطنات اليمنية التي أنشأها السبئيون على طول الطريق التجارية المحاذية للبحر الأحمر.
الوارد عن التجارة البحرية قليل مقارنة بالبرية. كان لحضرموت ارتباط مع الهند وموانئ أهمها ميناء قنا الذي يبعد عن مدينة المكلا قرابة 120 كيلومتر. ولايمكن للحضارم أن يصلوا للهند لو لم يكن لهم دراية وخبرة في صنع السفن. ولكن السفن العربية لم تكن بمستوى الرومانية التي بنيت لظنون عند الرومان أن اليمنيين كانوا يملكون أسطولا بحريا قويا كما قال مرافق أيليوس غالوس سترابو. فقد كان أغسطس قيصر يعتقد لما رآه من هيئة التجار والقوافل أن السبئيين أهل قتال فأراد السيطرة عليهم، فإما يكونوا أصدقاء أو يكونوا خاضعين ولا يضطر الرومان لدفع مبالغ طائلة لقاء البضائع كون السبئيين كانوا متحكمين في أسعارها.
العربية الجنوبية القديمة كانت اللغة المستخدمة وقسمها الباحثون لأربع وهي لغة سبئية ولغة قتبانية ولغة معينية واللغة الحضرمية. أما الحميرية فلا تنتمي لهذا التصنيف. مرت اللغة بعدة أطوار؛ فاللغة المكتشفة على النقوش في القرن التاسع والثامن ق.م تختلف عن تلك التي كتبت بعد الميلاد. كانت اللغة تدون باستخدام نظام كتابة متعلق ولكنه ليس متطورا عن الأبجدية الفينقية القديمة. فهو يزيد بسبعة حروف عن الفينقية ودون في نفس الفترة تقريبا وهي الألف قبل الميلاد، ولكنه نبت من نفس الأصل. وهو خط الكتابة العربي الأصلي. يعتقد أن استخدام خط المسند بدأ في القرن العاشر ق.م وتوقف في القرن السادس بعد الميلاد أي أنه كان نظام كتابة مستخدم في اليمن لمدة تزيد عن الألف وخمسمئة سنة من تاريخ البلاد. يُعتقد أنَّ توقف استخدام القلم كان قرابة ستين سنة قبل النبي محمد، والمؤكد أن دخول اليمنيين في الإسلام كان عاملاً مساهماً لهجره. أغلب الكتابات المكتشفة وجدت منقوشة على ألواح أو على صخور، ولم يعثر على كتابة ورقية بالحبر. الورق والحبر أدوات سهلة العطب ولا تعيش كالنقش على الأحجار إن لم تولى رعاية خاصة، وهناك أمل عند الباحثين أن يتم اكتشافها بزيادة أعمال التنقيب، أغلبها نصوص دينية وتعبدية أو تخليد إنجازات ملك وبناء معبد أو منزل ولم يعثر على كثير من النصوص الأدبية. وكانت القوانين تكتب على صخور كبيرة ليراها العامة.
كان هناك نوع آخر من الكتابة موجود في اليمن يسمى الزبور ولم يكن اليمنيون أميين بل تظهر الآثار قدرة الأعراب من أهل اليمن على القراءة والكتابة. قال المؤرخون أن المقصود بالزبور هو سفر المزامير وأن اليمنيين كانوا يسمونه زبورا فغلب على السفر هذه التسمية. الزبور كان الأدعية والصلوات التي يكتبها عوام الناس من اليمنيين يوميا على أسعف النخل أو المصاحف وخلال رحلاتهم التجارية وتختلف الزبر عن المساند في أنها لا تكتب على ألواح أو صخور كبيرة أي أنها ليست شواهد وليست دينية بالضرورة فقد يكون بعضها يحتوي على أدعية وبعضها إيصالا أو فاتورة. وكان ما عرف بالجاهليين العرب يعرفون ذلك عن اليمنيين، فذكر الزبور باسم زبر وكيف أن أطفال الحميريين كانوا يستطيعون القراءة والكتابة.
التباين الطبقي هو الأكثر وضوحا في اليمن في العصور القديمة وذلك لعوامل عديدة أهمها نمط الاستقرار أو التحضر القروي، ووجود نظم وحكومات مستقرة وعمل السكان بالزراعة والتجارة. هذا لا يعني عدم وجود الطبقية عند أهل البادية، ولكنها ليست بنفس التباين والوضوح. كان المكرب أعلى طبقة اجتماعية في البلاد، ولم يحكم منفرداً لوجود مكاربة آخرين لا ينظرون لأنفسهم بدرجة أقل. وكما يتضح من نقوش خط المسند، فقد يتشارك في حكم المملكة أكثر من مكرب تصل إلى ثلاثة مكاربة في وقت واحد. يليهم طبقة اسمها "أبعل" و"أسود" وأدق ترجمة لها هي أرباب وسادة ومفردها "بعل" وهم سادة المجتمع وصفوته وأشرافه ووجهاء أقوامهم، تعني الزعماء الذين يتزعمون أكثر من قبيلة ولديهم أراضي وإقطاعيات واسعة. يشاركهم هذه المنزلة الأقيال وهم ملاك إقطاعيون ممن يمتلكون أراض كثيرة ولها نفس معنى أبعل بالضبط. وطبقة اسمها الأذواء وهم أشراف وسادة ولكنهم ليسوا ملوكا، فنجد عبارات مثل "ذو يزن" ومعناها رئيس أو صاحب بيت يزن؛ فهو شريف ولكنه ليس بدرجة المكرب أو الملك.
وجود سادة وأقيال سيقابله طبقات معدمة محرومة كنتيجة طبيعية؛ ويقال لهذه الفئات بلغة المسند "قطن" و"آدم" و"صغرم". كان هناك طبقة الجنود والمقاتلين ويشار إليهم في النصوص بلفظة "أسدم" والميم في آخر الأعلام هي أداة التنكير في العربية الجنوبية والنون في آخرها وهي مقابل التعريف إلا أن اليونان اعتبروهم أعلى طبقة. تليهم طبقة أخرى وهم شذاذ القبائل والمرتزقة وكان يستعملهم الملوك والإقطاعيون إلى جانب طبقة المحاربين. وكانت هناك طبقة من المزارعين يقال لهم "قسدن" وجمعهم "قسود"، وهم مزارعون يعملون لقاء أجر للأقيال والأذواء ومفروض عليهم الخدمة العسكرية والقتال عند وقوع الحرب. كون التجار وأصحاب القوافل طبقة خاصة بهم وعرفوا باسم "مكر" في نصوص المسند وهم دون الأقيال والأبعل ولكنهم مهمون وعماد اقتصادي للبلاد بسبب الضرائب التي يدفعونها.
شكل العبيد أدنى الطبقات، ويشار إليهم بألفاظ "عبدن" و"عبدم" و"آدم". أما عوام الناس يقال لهم "جوم" وهي مرادف قوم لأن الجيم تنطق مصرية في العربية الجنوبية القديمة، أو "أخمس" وكلمة أخمس تحدد وطن الشخص. كلمة "جوم" وجدت مقرونة بآلهة فيقال "جوم مقه" أو "جوم عثتر" وهي آلهة تتشارك عدد من الأقوام في تقديسها فلا يستدل بها على مملكة الشخص، عكس كلمة "أخمس" فيقال في النصوص "أخمس معن" وتعني مواطني معين. وتستعمل كلمة "شعبن" و"شعبم" كذلك وهي أقرب لقبيلة. تختلف المصطلحات من مملكة لأخرى؛ فالسبئيون كانوا يطلقون كلمة ملك على ملوك المقاطعات التابعة لهم أما المعينيون فكانوا يستعملون كلمة "كبر" (كبير) لوصفهم وهم المسؤولون عن المقاطعات البعيدة ويقومون مقام حاكم الولاية.
كان في كل مقاطعة مجلس مكون من ثمانية أعضاء، مهمة المجلس الإشراف على الشؤون الزراعية وتمويل المزارعين عند الحاجة بحصص من خزينة الدولة وجمع الضرائب. سن المعبد قانونا ينص عقوبة على المزارعين الذين يتركون أعمالهم. ولم يكن الملوك يستبدون بآرائهم، إذ يستنبط من نصوص المسند وجود مجالس محلية لكل مدينة ولا شك أن أعضاء هذه المجالس كانوا من الأقيال والأذواء، وهم مقربون من الملك ويحسب لهم حساب، كما يلاحظ اختلاف القوانين من مقاطعة لأخرى. تقلص دور هذه المجالس وقضي عليه تماما في عصر الحميريين. لم تكن مهام هذه المجالس مقصورة على الزراعة، وإن كانت أهم الموارد الاقتصادية، بل يتعداها إلى اقتراح قوانين العقوبات وقوانين تنظيم التجارة. تقوم هذه المجالس بتقديم اقتراحاتها إلى الملك الذي له القرار النهائي بإنفاذ القانون من رده، ودرجت العادة على إدراج اسم الملك وأسماء أعضاء المجلس الموافقين على القانون لتأكيد شرعيته.
كانت هناك مجالس خاصة لأصحاب الحرف والصناع لايعرف عدد أعضائها، إلا أن الملك لا يقضي بقانون يخصهم دون استشارتهم وإدراج أسمائهم في نص القانون المتعلق بصناعتهم. ورد في نقوش المسند أن شمر يهرعش سن عددا من القوانين تنظم بيع وشراء العبيد والمواشي؛ فيتم البيع بعد شهر ويحق للمشتري إعادة ما اشتراه خلال عشرة أيام، وإذا اشترى حيوانا ولم يهلك لمدة أسبوع وجب على المشتري دفع الثمن كاملا ويحق له إعادته إذا نفق الحيوان خلال هذا الأسبوع ولا يحق له الاعتراض بعدها. الملك لايتدخل إلا في الأمور المتعلقة بالضرائب والقرارات الكبيرة المؤثرة أم