اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ينتقل السفر بعد ذلك إلى تناول تاريخ آباء فئة معينة، وهم الآباء الأول للشعب العبري، ويظهر أن أحداث هذا القسم تستند إلى تقاليد عشائر أو قبائل معينة، ومن المحتمل أنها نقلت نقلاً شفهيا قبل أن تتخذ شكلها المكتوب، وعلى الرغم من أن هذه الروايات ليست تاريخية بالمعنى المعروف، إلا أنه لا خلاف على وجود مرجعية تاريخية لها، إذ أنها تتفق مع العديد من التفاصيل التي نعرفها عن ذلك الوقت وتلك المنطقة التي سكنوها. من وجهة نظر أدبية يمكن أن ينقسم هذا الجزء إلى مجموعة من القصص البطولية لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف، أما من وجهة النظر اللاهوتية يعد هذا الجزء رواية تتناول وعداً إلهيا وميثاقاً أبرمه الله مع إبراهيم ونسله من بعده، كما تتناول إيمان الإنسان وعدم الإيمان في المقابل، وفيها يعتبر إبراهيم الشخصية النموذجية للرجل المؤمن.
تأثير المصدر الإيلوهي يظهر للمرة الأولى من الإصحاح الخامس عشر، أي أن المصدر الإيلوهي ليس له أدنى مشاركة في القسم الأول المعروف بتاريخ البدايات، ولكنه يساهم في تاريخ الآباء جنباً إلى جنب مع المصدرين اليهوي والكهنوتي. وباستثناء المساهمات المحدودة المفتقرة إلى البلاغة للكاتب الكهنوتي، فإن أغلب أحداث هذا القسم تتسم بالروعة والتشويق، وخاصة الأجزاء المنسوبة للمصدر الإيلوهي، والتي يبدو أنها كانت أطول مما هي عليه قبل مزجها بالمساهمات اليهوية. أهم حدثين يتناولهما هذا الجزء: قصة الذبيح وقصة يوسف بن يعقوب،
إبراهيم وإسحاق ويعقوب
إن المصادر الثلاثة تتفق على أن الله دعا إبراهيم؛ ليهاجر من بلاد الرافدين إلى أرض كنعان، وواعده بأنه سيجعله أباً لأمم عظيمة، وأن نسله سيرث الأرض التي يسكنها الكنعانيون، واصطفى الله إسحاق، ابن إبراهيم من زوجته سارة؛ ليتحقق العهد في نسله، واصطفى من نسل إسحاق، يعقوب أصغر ابنيه، الذي دعي فيما بعد بإسرائيل، وقد تجدد العهد مع يعقوب كما تجدد العهد مع إسحاق من قبله.
ولقد تزايد أبناء يعقوب وأبناء أبنائه حتى أصبحوا سبعين نفساً، هؤلاء السبعون هم البذرة لما سيعرف بإسرائيل لاحقاً، وبالتالي فإن الوعد الذي قطعه الله مع إبراهيم وإسحاق سيتحقق فيهم، فيرثون أرض كنعان من الفرات إلى النيل، لكنهم قبل أن يرثوا تلك الأرض الموعودة كان لابد أن يرتحلوا إلى أرض مصر ويُستعبَدوا أربعمائة سنة بحسب ما أخبر الله إبراهيم.
في القصة الأولى يأمر اللهُ إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده "إسحاق"؛ ممتحناً بذلك إيمان إبراهيم، فلما أسلم لأمر الله وأجابه في غير تردد أرسل إليه كبشاً يذبحه فداءً عن إسحاق، أما قصة يوسف فهي التمهيد لارتحال بني إسرائيل إلى مصر وإقامتهم بها، وهي قصة تدور أحداثها حول أخ حسدته إخوته فألقوه في أحد الآبار، وجاءت إحدى القبائل التجارية فأخرجوه من البئر وباعوه في مصر، واشتراه أحد وزراء مصر، ويدعى فوطيفار؛ ليتخذه خادماً، وهناك في بيت سيده راودته سيدة البيت عن نفسها، فلما أبى وامتنع عنها، وشت به عند زوجها فادعت أنه تحرش بها وراودها عن نفسه، فزج به في السجن.
يوسف
ينجح يوسف في تفسير حلمين لسجينين رافقاه في سجنه، فتنبأ للأول بالخروج من السجن والعودة لسقاية الملك كما كان من قبل، وتنبأ للثاني بأن يصلب وتأكل الطير من لحمه. وطلب من الأول الذي ظن أنه ناج بأن يذكره عند "فرعون" فنسي، مرت سنتين بعدها ويوسف لايزال في سجنه، وحدث بعد ذلك أن "فرعون" رأى حلمين، ويبدو أنه انزعج منهما كثيراً، الأمر الذي جعله يجمع الحكماء والسحرة؛ لتأويل هذين الحلمين، ولم يستطع تفسيرهما جميع الحكماء ولا السحرة، حينئذ تذكر رئيس السقاة يوسف وقص على فرعون ما كان من أمره، فأمر فرعون بإطلاق سراحه وإحضاره، ومثل يوسف في حضرة فرعون، وفسر الحلمين بمجاعة تأتي على مصر في سبع سنوات من بعد سبع سنوات من الرخاء والشبع، ونصح فرعونَ بأن يوكل زمام الأمور إلى رجل رشيد يقود الأمة بتدبير وتخطيط؛ ليخرجها من تلك الفترة العصيبة القادمة، فلم يجد فرعونُ خيراً منه يفوض إليه الأمر.
وبالفعل تحقق الحلمان كما فسرهما يوسف، وأتت المجاعة وامتدت إلى البلدان المجاورة، حينها بعث يعقوب بنيه لشراء غلال القمح من مصر، ولما جاء إخوة يوسف ودخلوا عليه عرفهم ولكنه تنكر لهم، وبعد أن تبين له يقيناً في هذه الزيارة وفي زيارة ثانية أنهم إخوته، أفصح لهم عن هويته، وغفر لهم ما اقترفوه في حقه وما أضمروه له من الضغينة والعداء، وطلب منهم أن يحضروا أباهم وآل بيته فيقيمون في مصر.
ذهب يعقوب وآل بيته، وعددهم ستة وستون فردا، إلى مصر، وقد سمح لهم فرعون بأن يقيموا بأرض "جاسان" (تكوين 47: 4)، إذا أضفنا إلى هؤلاء الستة وستين يوسف وبنيه إلى جانب يعقوب يكون مجموع الإسرائيلين الذين أقاموا بمصر سبعين نفساً. ولما حضر يعقوب الموت دعا أولاده وأنبأهم بمستقبل كل منهم (49: 1)، وأوصاهم أن يدفنوه في مقبرة آبائه التي في "مغارة حقل المكفيلة" (تكوين 49: 30)، ففعلوا ما أوصاهم (50: 12). بلغ يوسف مائة وعشرين سنة حتى أنه أدرك أبناء أحفاده (50: 23)، ولما دنى أجله استحلف إخوته أن يحملوا رفاته معهم عند خروجهم من مصر، ويتنهي السفر بموته تاركاً إخوته وبنيه ليذوقوا مرارة العبودية في أرض مصر. وسيكون تحريرهم موضوع السفر التالي؛ سفر الخروج.