اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في عام 872 هـ أمر السلطان المملوكي الأشرف قايتباي بإرسال حملة رابعة إلى الشام للقضاء على تمرد شاه سوار ملك الدلغادرية، وقرر قايتباي أن يرأس الحملة أشرس قادة جيشه وهو الأمير يشبك الدوادار، وبالفعل عاد يشبك الدوادار من حملته منتصراً ومعه شاه سوار وإخوته وجماعة من قادته حيث تم إعدامهم في مصر. وبعد ذلك بعشر سنوات وتحديداً في عام 882 هجرية تملك الأمير يشبك الدوادار قطعة أرض بناحية المطرية، وبنى في هذه القطعة قبة فخمة عالية لينزل فيها عندما يخرج من القاهرة للتنزة وذلك لطيب هوائها وتوسطها بين الأراضي الزراعية والأراضي الصحراوية الجافة وكذلك بعيداً عن ضوضاء العاصمة وقتها وكأن الضوضاء هي أيقونة مدينة القاهرة على مر العصور. وعندما تولى حكم مصر السلطان الأشرف أبو النصر قنصوة الغوري عام 906 هـ استمر في سياسة الأمير يشبك نفسها، فاتخذ هذا القبة مقعداً ينزل فيه كلما أراد التنزة والرياضة. وكان يبيت فيها من وقت لآخر طوال مدة حكمه بل إنه أنشأ بجوارها عدداً من الفساقي يجري فيها الماء، وحفر بئراً ليشرب منه المسافرون الذين يمرون من هناك. وهكذا عرفت المنطقة باسم قبة الغوري بعد أن أصبحت جزءاً من أملاكه. ولا تزال هذه القبة موجودة إلى الآن. وكما هي العادة في بناء القباب فإن القبة بها محراب أنشئ من يوم بنائه.
وفي أوائل القرن الحادي عشر الهجري بدأ الناس يبنون دورهم وبيوتهم بجوار هذه القبة حيث تكونت قرية جديدة عرفت باسم القبة نسبة إلى هذه القبة. ومن هنا جاء اسمها وأصبحت من ضمن البلاد التابعة لناحية المطرية وظل العامة يقولون قبة الغوري أو قبة العزب لأنه كان يسكنها بعض عساكر طائفة عزبان الذين كانوا يحرسون القلاع فعرفت باسم قبة العزب. وعلينا هنا أيضاً أن نربط بين قبة العزب هذه وباب العزب في الجهة الغربية من قلعة صلاح الدين الأيوبي ناحية ميدان القلعة أو ميدان الرميلة الذي كان يطلق عليه يوماً ما "قره ميدان". ونعود للقبه... وتحديداً في الحملة الفرنسية على مصر حيث دفع كليبر في سهل القبة بقواته ليقاتل الجيش العثماني في معركة عين شمس، وفي السهل نفسه نظم عرضاً عسكرياً بعد إخماده لثورة القاهرة الثانية. ولكن في عام 1228 هـ أي في عصر محمد علي باشا تم فصل قرية القبة هذه من كونها من توابع ناحية المطرية، ثم جاء ابنه إبراهيم باشا ليبني قصراً في هذه المنطقة وغرس فيه بستاناً ثم آل القصر من بعد إبراهيم باشا لإبنه مصطفى باشا فاضل، حيث قام مصطفى باشا ببيع القصر لإبنه القاصر عثمان بك في عام 1856 إلى أن جاء إسماعيل باشا وتولى حكم مصر عام 1863 م فاشترى القصر ثم أعاد بنائه مرة أخرى في عام 1869.
وتعتبر حدائق قصر القبة من أجمل حدائق العالم وتكون مع القصر وحدة عالمية تجمع بين جمال البناء للقصر وجمال تنسيق الحدائق المزهرة المثمرة حيث بني على مساحة 70 فدان ويتكون القصر من 400 غرفة، كما أن هناك تشابه في اللمسات الفنية والمعمارية بين قصر القبة وقصر رأس التين الذي بناه محمد علي في الأسكندرية.
والغريب أن الخديوي إسماعيل عرض هذا القصر يوماً للبيع. فلقد عرض الخديوي إسماعيل بيع قصر القبة مع 61893 فدان بكل ماعليها من مباني وآلات وفابريكات على أساس 20 جنيهاً للفدان، وبذلك يصبح ثمن الكل مليون و237 ألف و 60 جنيهاً، أما ثمن القصر وحده فقد طلب إسماعيل 50 ألف جنيه ثمناً له.
ولظروف ما لم تتم عملية بيع قصر القبة، ليستمر هذا القصر قيمة تاريخية ومعمارية وزراعية نادرة، إذ اهتم به بعد ذلك ابنه الملك فؤاد الذي حكم مصر بين عامي 1917 و 1936. حيث اهتم به وحافظ عليه وزاده بهاء، ورممه بعد ذلك الملك فاروق الذي حكم مصر بعد والده الملك فؤاد عام 1936، إلى أن تنازل عن العرش يوم 26 يوليو 1952 حيث لم يقدر لآخر ملوك مصر الملك أحمد فؤاد الثاني أن يقيم فيه لأنه سرعان ماتم إلغاء الملكية في مصر.
ولم تقف أعمال تعمير المنطقة عند إقامة قصر القبة إذ تألفت شركة حدائق القبة في عام 1908 لتعمير منطقة مساحتها 100 أفدنة وتتولى تقسيمها، وأنشأت تلك الشركة شارعاً يخترق أراضيها عرضه 66 قدماً كما أنشأت عدداً من الشوارع تتفرع منه. وانتعشت بسرعة أعمال البناء والتعمير التي قامت بها الشركة أو الأفراد حتى اتصلت القبة بقلب القاهرة. واتجه كبار القوم والأغنياء من الأمراء والباشوات وكبار التجار وأخذوا يبنون قصورهم وبيوتهم بالقرب من قصر القبة. وامتازت هذه القصور والفيللات بكثرة الحدائق وهكذا نشأ حي حدائق القبة. وأصبح حي القبة الآن يضم مناطق حدائق القبة وكوبري القبة وحمامات القبة وسراي القبة فضلاً عن القبة... وكلها بدأت وتنتسب لتلك القبة التي أنشأها الأمير يشبك الدوادار والذي يوجد شارع باسمه في المنطقة... شارع الدويدار