اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يتحدث المقال عن تاريخ مملكة الدنمارك و المناطق التي تتألف منها الدنمارك في العصر الحديث.
عادت الدنمارك إلى الظهور في التاريخ مرة أخرى في عهد ولدمار الأول Waldemar I (1157-1182) بعد أن ظلت مائة عام تنعم بالاختفاء عنه ، فقد استعان هذا الملك بوزيره أبسالون Absalon كبير أساقفة لوند Lund على إقامة حكومة قوية ، طهرت البحار من القراصنة. واعتنت الدنمرقة بحماية التجارة وتشجيعها، وأسس أبسالون في عام 1167 مدينة كوپنهاجن Copenhagen أي "مرفأ السوق"- Kjoebenhaven. وردّ ولدمار الثاني (1202-1241) على الاعتداءات الألمانية بالاستيلاء على هولشتاين Holstein ، وهامبورغ ، وعلى البلاد الألمانية الواقعة في الشمال الشرقي من نهر إلبه.
ثم قام بثلاث حروب صليبية ضد صقالبة البحر البطليقي "تكريماً للعذراء المباركة" واستولى على إستونيا الشمالية ، وأسس مدينة رڤال Reval. وهوجم في إحدى هذه الحروب وهو في معسكره؛ ويقول الرواة إنه نجا من الموت بسببين أولهما شجاعته وثانيهما أنه نزلت من السماء في وقت الهجوم عليه راية حمراء عليها صليب أبيض. وأصبحت هذه الراية المعروفة باسم الدانبروگ Dannebrog أي القماش الدنمرقي علم القتال الدنمرقي؛ وأسره الكونت هنري من شويرين Count Henry of Schwerin في عام 1223، ولم يطلق سراحه بعد أن قضي في الأسر عامين ونصف عام إلا بعد أن نزل للألمان على جميع فتوحه الألمانية والصقلبية ما عدا روگن Rügen. وقضي هذا الملك بقية حياته العجيبة النافعة في الإصلاحات الداخلية وتقنين جميع شرائع الدنمرقة. وكانت مساحة الدنمرقة حين وفاته ضعفي مساحتها في هذه الأيام، وكانت تشمل الجزء الجنوبي من بلاد السويد، وكان عدد سكانها مساوياً لعدد سكان السويد (300.000) والنرويج (200.000) مجتمعين. ثم ضعفت سلطة الملوك بعد وفاة ولدمار الثاني، حتى إذا كان عام 1282 حصل الأشراف من إريك گليپنگ Eric Glipping على عهد يعترف فيه بأن جمعيتهم "دانهوف Danehof" برلمان قومي.
عندما ارتقى فردريك الثاني العرش 1559 كانت الدنمارك من أقوى الدول وأكثرها امتداداً في أوروبا، ولم تكن تعلمت بعد أنه من الحذق والحكمة أن تكون صغيرة. وفي الصراع الطويل الأمد بينها وبين السويد من أجل السيطرة على التجارة بين بحر الشمال والبلطيق ، كانت الدنمارك هي المنتصرة في بداية الأمر، حتى امتد حكمها عبر الاسكاجراك إلى النرويج ، وعبر الكاتيجات إلى ما هو الآن جنوب السويد. واستولت على المدن الاستراتيجية كوبنهاغن و هلسينور في الجانب الغربي، ودالمو و هلسنبور في الجانب الشرقي من الأوريسوند أو السوند-أي المياه العاصفة التي لا يزيد اتساعها في مكان واحد فقط على ثلاثة أميال ونصف الميل. والتي تفصل الآن الدنمارك عن السويد. واستولت في أقصى الشرق ، في معظم هذه الفترة، على جزر بورنهلم و جوتلفد و أوسل ، وبذلك تحكمت في بحر البلطيق. وكانت تضم في الجنوب دوقتي شلزويج وهولستين ، كما حكمت في أقصى الشمال الغربي أيسلنده و غرينلاند وكانت الضرائب والرسوم التي فرضتها الدنمارك على التجارة المارة عبر المضايق بين البحار هي المصدر الأساسي لموارد المملكة ولسبب الرئيسي في حروبها.
وكانت السلطة السياسية في أيدي ثمانمائة من النبلاء ملكوا نصف الأرض وجعلوا من الفلاحين أرقاء، وانتخبوا الملك ، وحكموا البلاد عن طريق الرايخستاگ أو الديت الوطني (الجمعية التشريعية) والريجستاد أو مجلس الدولة. وأفادوا من حركة الإصلاح الديني بامتصاص معظم الممتلكات التي كانت تابعة للكنيسة من قبل. وفي مقابل إعفائهم من الضرائب، كان متوقعاً منهم ولكنهم رفضوا في أغلب الأحيان، أن يسلحوا فلاحيهم ويقودوهم إلى الحرب، إذا استفزهم الملك، ولم يحظَ رجال الدين البروتستانت المحرومين من الثورة إلا بمكانة اجتماعية هزيلة ونفوذ سياسي ضئيل، ومهما يكن من أمرهم فإنهم سيطروا على التعليم وأشرفوا على الأدب، ومن ثم لم ينتج إلا لاهوتاً وتراتيل. ونعم جمهور السكان. وقد بلغ عددهم نحو مليون، بالإسراف بالطعام والشراب، حتى لقد نصح حلاق جراح عملاءه قائلاً: "إنه لمن الأفضل للناس أن يشربوا الخمر إلى حد الثمل مرة في كل شهر، وعندي لهذا أسباب قوية، فإنه يقويهم ويساعدهم على النوم العميق، ويسهل التبول والتنفس ويجلب السعادة الرفاهية عامة.
وظهر في هذه الحقبة شخصيتان دنيماركيتان من حقهما على التاريخ أن يذكرهما: تيكوبراهي أعظم الفلكيين في هذا الجيل، وكرستيان الرابع الذي لم يكن ملكاً على الدنمارك لمدة ستين عاماً (1588-1648) فحسب، بل كان يمكن كذلك أن يتزعم الناس بصرف النظر عن الأصل الملكي. وإنا لنمر مروراً عابراً بوالده فردريك الثاني لنذكر أن المهندس المعماري الفلمنكي أنطونيوس فإن أوبرجر صمم له (1574-1575) حصن قصر كرونبورج في هلسينور-"السينور هملت".
وعندما مات فردريك 1587 كان كريستيان صبياً في الحادية عشرة، فتولى الحكم لمدة ثمان سنوات أربعة أوصياء من النبلاء، ثم قبض كريستيان على زمام الأمور، وطيلة نصف القرن التالي. نعم بحياة مترفة في بذخ وحيوية ونشاط متعدد الجوانب، مما أدهش كل أوروبا، وبز الملك توجيهات الحلاق الجراح سالف الذكر، لأنه كان بانتظام في حاجة إلى من يعاونه في العودة إلى قصره بعد أمسية صاخبة مخمورة. وبلغ دنسه وتهتكه حداً لم يتفوق عليه فيه إلا القليل من رعاياه. وخلق عدد أولاده غير الشرعيين مشكلة في علم المحاسبة. وغض شعبه النظر عن هذه الأخطاء العادية، وأحبوه لأنه كان يرقص في أعراسهم واشترك في أعمالهم وخاطر بحياته كثيراً لخدمتهم، وأضاف إلى هذا كله معرفته باللاتينية والعلوم، وتذوقاً مثقفاً للفن، وعقيدة دينية ميسرة لم تثر أي جدل حول الجدير وغير الجدير بالتصديق والثقة، أو أي وخز للضمير حول المزاح والهزل. وساعد في أوقات فراغه على أن يجعل من كوبنهاغن (مرفأ التجار) إحدى العواصم الأكثر جاذبية وفتنة في أوروبا. وضاعف برنامجه للبناء من محيط المدينة. وفي عهده شيد قصر روزنبورخ، وسرعان ما قامت بعده سوق الأوراق المالية (البورصة) بواجهتها امتداداً كبيراً، وأرتفع اللوبي عالياً. وأصلح كريستيان حكومة النرويج وطور صناعتها وأعاد بناء عاصمتها التي حملت اسمه لمدة ثلاثة قرون: "كريستيانا" (سميت أوسلو 1925). وفي الدنمرك أصلح الإدارة ونهض بالصناعات ونظم الشركات التجارية وأسس الكليات والمدن، ورفع من مستوى الفلاحين في الضياع الملكية.
وأطاح الطمع بالملك ، ذلك أنه كان يراوده حلم إسكنديناوة بأسرها تحت حكم رجل واحد، أي تحت حكمه هو، ولكن النبلاء اعترضوا بأنه من المتعذر غزو السويد، ولم يمنحوه تأييدهم وعونهم وشن بالجنود المرتزقة أساساً حرب الكلمار على السويد (1611-1613). وما أن قامت حرب الثلاثين عاماً حتى وجد نفسه على كره منه، متحالفاً مع السويد، دفاعاً عن قضية البروتستانت. وبرغم هذا الخطر المحدق به استأنف الحرب مع السويد (1643) ولو أنه كان في السابعة والستين من العمر. وقاد قواته الهزيلة في حماسة رومانتيكية. وفي معركة كولمبرج البحرية (1644) قاتل طوال يوم كامل على الرغم من إصابته بعشرين جرحاً، وفقد إحدى عينيه، وأحرز نصراً مؤقتاً. وثبت في آخر الأمر أن السويد أقوى، وحررها صلح برومسبرو 1645 من دفع الرسوم على تجارتها في مياه السويد، وتخلى لها عن جوتلند وأوزل وثلاث مقاطعات في شبه جزيرة إسكنديناوة. وعندما مات كرستيان الرابع، بعد خمسين عاماً من أعمال بناءة وحروب هدامة كانت مملكته أصغر مما كانت عليه حين اعتلى العرش. ودالت دولة الدنمرك وسطوتها.
لم تثر أخبار سقوط الباستيل دهشة كبيرة لدى الدنمركيين الذين كانوا بالفعل منذ سنة 1772 قد ألغوا القنانة (عبودية الأرض) والتعذيب في أثناء المحاكمة وأصلحوا القانون والمحاكم والشرطة وطهروا مجال الخدمة المدينة من الرشوة واستغلال النفوذ وأعلنوا حرية العبادة لكل الأديان وشجعوا الأدب والفن• وكان الدنمركيون ينظرون إلى أسرتهم المالكة كأساس استقرار وسط صراع الطبقات وتقلبات السياسة• وعندما هاجم الجمهور الباريسي الملك لويس السادس عشر، وبعد الحكم عليه بالإعدام - رغم أنه أي لويس السادس عشر كان كالملك الدنمركي مؤيداً لاتخاذ إجراءات ليبرالية، كان الدنمركيون متفقين مع مليكهم على أنهم ليسوا في حاجة إلى هذا الانفعال (العنف). وسرعان مانظر الدنمركيون بتسامح إلى نابليون لتهدئته الثورة وإعادته النظام في فرنسا، فرفضت الدنمرك الانضمام لتحالف مضادٍ له.
بل على العكس فقد تحدت الحكومة الدنمركية دعاوي الأدميرالية البريطانية بحق قباطنتها في الصعود إلى أي سفينة متجهة إلى فرنسا والبحث عن البضائع المهربة فيها• وفي مناسبات عديدة في سنتي 1799 و 1800 اعتلى القباطنة البريطانيون سفنا دنمركية وقبض أحدهم على سبعة تجار دنمركيين ممن قاوموه واحتجزهم في ميناء بريطاني. وفي أغسطس سنة 1800 دعا القيصر بول الأول Czar paul I ملوك بروسيا و السويد والدنمارك للانضمام إليه في العصبة الثانية للحياد المسلح بهدف مقاومة تفتيش البريطانيين للسفن المحايدة. وفي 16 و 18 ديسمبر سنة 1800 وقعت القوى البلطيقية الأربع إعلان مبادئ وافقوا بمقتضاه على الدفاع عن الآتي: