English  

كتب تاريخ الإقليم السواحلي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تاريخ الإقليم السواحلي (معلومة)


الإقليم السواحليّ في شرق أفريقيا لهُ تاريخٌ طويل بدأ مُنذ عصورٍ قديمة، لكنَّه مرَّ بأهمِّ مراحله بعد أن بدأ التجار العرب والفرس والهنود بالتَّوافدِ إليه في القرن السابع الميلادي لتأسيس المدن والمستوطنات التجارية، والتي وصلت قمة ازدهارها بعد أن تحوَّلتْ إلى دويلاتٍ صغيرةٍ عديدة حكمها أمراءٌ مُسلمون بدءاً من القرن الثالث عشر، ومن أهمّها سلطنة زنجبار التي اتَّسعَ حُكمها ليشمل كافّة الإقليم السَّواحلي قبلَ أن تستوليَ عليها الإمبراطورية البريطانية حتى القرن العشرين. والمقصُود باصطلاح الإقليم السواحليّ هو السَّاحلُ الشرقي لأفريقيا، حيث يتميَّز هذا الإقليم بثقافة وحضارة خاصَّتين تختلفان عن ثقافة الأجزاء الأخرى من القارة الأفريقية، وتبدأُ الحدود الجغرافية لهذا الإقليم من المدن الساحليَّة في شرقي الصومال وتمتدُّ جنوباً حتى دولة موزمبيق، حيث تتبعُ إليه شواطئ وجُزرٌ تعودُ إلى ست دولٍ حديثة.

سكنَ قوم البانتو الزّنوج ساحل أفريقيا مُنذ ما قبل التاريخ، وبدؤوا بالاتّصال مع أوائل التجار العربِ والفُرس الوافدين إلى المنطقة في القرن الثامن بعد الميلاد، وتوسَّع النشاطُ الإسلامي التجاري بسُرعة بحيثُ بدأ بعضُ المُسلمين بالاستقرار على السَّاحل وتأسيس مُدُن ودويلات خاصَّة بهم فيه، والتي كان عددُها لا يقلُّ عن ثلاثين مدينة مُهمّة مع بدء القرن الخامس عشر، من أهمِّها مومباسا ومقديشو وكيلوا وزنجبار وبمبا وماليندي وسُفَالة. وقد تكوَّنَت لهذه المُدُن ثقافة فريدةٌ خاصَّة بها نتجت عن امتزاج الثقافة الأفريقية الأصلية مع ثقافة المُهاجِرين العرب والمُسلمين، بل ووُلدت منها لغةٌ جديدةٌ مُستقلَّة هي اللغة السواحلية، التي تُعتَبر الآن ثاني أكثر اللغات انتشاراً في قارَّة أفريقيا بعد اللغة العربية، ويتحدَّثها حوالي خمسين مليون إنسان. وصلتِ الحضارة السواحلية أوجَ ازدهارها في القرن السادس عشر للميلاد، عندما بدأت بالاصطدام مع الإمبراطورية البرتغالية. وقد سعى البرتغاليُّون لإرساء سيطرتِهم على التجارة المُزدهرة في منطقة السَّاحل الأفريقي، فاحتلُّوا مدينة كيلوا الكينيَّة في سنة 1505 وبعدها سائرَ المُدُن السواحليَّة، إلا أنَّ البرتغال فشلتْ بتأسيس نفوذٍ مُستقرٍّ لها في المنطقة، وتضاءَلت سيطرتُها على الساحل تدريجياً حتى انتهتْ تماماً في عام 1698، حيثُ بدأت سلطنة عُمَان ببسطِ سيطرتها على الإقليم السواحليِّ مكانَها، واستتبَّ لها النّفُوذ على التجارة بين العرب والسواحليّين لمُدَّة قرنيْن من الزَّمن. وانتهى حُكم سلاطين عُمَان مع قدوم الاستعمار البريطاني، واستمراره حتى استقلال دول السَّاحل الأفريقي في مُنتصف القرن العشرين وحيازتها حُكماً ذاتياً.

تفاعلَ القوم السواحليُّون خلالِ هذه الفترة مع شعوبٍ من مُختلف أنحاء المحيط الهندي، منهُم سكان مدغشقر وجزر القمر وعُمان واليمن، وتزايدَت وتيرة التجارة باستمرارٍ لتُؤدّي إلى اختلاط ثقافتهم بثقافات الشعوب التي كانوا يُتاجرُون معها، وبذلك تكوَّنت الصِّبغة الحضارية والثقافية السواحليّة الفريدة. انتقلت الثقافة السواحلية تدريجياً خلال القرنيْن الثامن والتاسع عشر إلى الأجزاء الداخلية من قارة أفريقيا، فوصلتْ إلى أعماق دولة تنزانيا وغيرِها من الدول التي بات سُكَّانها يتحدثون اللغة السواحلية، وكذلك دُولٍ أخرى مثل موزمبيق وراوندا وبوروندي والكونغو. ومُعظم السواحليِّين يعتنقون الديانة الإسلامية، وذلك لتأثّرهم الكبير بثقافة المُهاجِرين العرب والمسلمين الذين امتزجوا مع سُكَّان الإقليم منذ العصور الوسطى.

أصلُ الاسم

استُمِدَّ اسمُ هذا الإقليم من الكلمة العربيَّة سَوَاحِلْ، أي جمعِ السَّاحل، وهو تعبيرٌ أطلقَهُ التجَّار العربُ على سواحل شرق أفريقيا بإجمالها. وقد انتقلَ الاصطلاح إلى اللغات الأوروبيَّة لاحقاً، ولم يعُد تسميةً للإقليم فحسبْ، بل هو الآن يُعبّر أيضاً عن الشَّعب السواحلي (وهُم مجموعة عرقية من الناس الذين يسكنُون هذه المنطقة) وكذلك اللغة السواحلية، التي يتحدَّثُها حوالي 50 مليون شخصٍ الآن من سُكَّان قارة أفريقيا، إلا أنَّ معظمهُم يتحدَّثونَها كلغةٍ ثانويّة، فهي اللغة الأمُّ لحوالي مليوني إنسانٍ فحسبْ. ولم تكُن هذه التَّسمية موجودةً أو متداولةً في العُصور الوسطى ولا في عهد الإمبراطورية البرتغالية، وإنَّما الراجحُ هو أنَّها ظهرت خلال عهد سلطنة زنجبار في بداية القرن الثامن عشر، إذ تعوَّدَ العُمَانيّون الذين عاشوا في مدينة زنجبار خلال تلك الحقبة على إطلاق اسم "السَّوَاحِل" على كلِّ المُدُن والموانئ الواقعة على السَّاحل الأفريقي قُبَالة جزيرتهم، واسم "السَّوَاحِلِيِّين" على أهلها.

التاريخ القديم للإقليم السواحليّ

قوم البانتو

السُكَّان الأصليُّون لإقليم السَّاحل الأفريقي هُم من أَقْوام البانتو، و"البانتو" هيَ تسميةٌ عامَّة للعديد من المجموعات العرقيَّة من الزَّنُوج الذين يسكنونَ أجزاءً ضخمة من قارة أفريقيا، ويُشكّلون الآن نسبة كبيرة جداً من سُكَّان القارة، فهُم يُمثّلون ما يتراوحُ بيْن 300 إلى 600 عرقٍ مُختلف، ويبلغ تعدادُهم عشرات ملايين الأشخاص. وقد بدأ تاريخُ قوم البانتو في إقليم السَّاحل مُنذ ألف عامٍ قبل الميلاد، ففي الأصل، كان البانتو يسكُنون في إقليمٍ بغرب أفريقيا، ما بيْن دولتي نيجيريا والكاميرون الحاليَّتيْن، لكنَّهم بدؤوا بالهجرة إلى أطراف القارَّة قبلَ 3,000 سنة، فاستوطنوا في أماكن عديدة بوسطها وجنوبها وعلى ساحلها الشرقيّ أثناء حركة هجرةٍ عظيمةٍ تُعرَف باسم "انتشار البانتو". في عام 1,000 قبل الميلاد تقريباً كان البانتو يُشكِّلون مُعظم سكان الإقليم السواحليّ، وأخذوا بالاستقرار فيه والاستفادة من الموارد الغنيَّة المُتوفِّرة لهُم فيه، فعاشوا على الصَّيْد ورعي الحيوانات والمواشي، ولاحقاً على زِراعة الحُبوب والمحاصيل بالاستفادة من تربة ضفاف الأنهار الخصْبة، وتركَّزَ مُعظم السكان في هذه الفترة حول ساحل المُحيط وعلى ضفافِ الأنهار المُنتشرة ضمنَ هذا الإقليم. وصلَ قومُ البانتو إلى الحُدود الجنوبيَّة للإقليم السواحليّ، المُتمثّلة بمنطقة ليمبوبو، في سنة 500م.

استَوطَنت شعوب البانتو في مُعظم الأجزاء الداخليّة من شرق أفريقيا، مثل الأدغال وسهول السافانا، بحُلول عام 600م، وكانوا قد نجحوا بزراعة الكثير من المحاصيل وصناعة الأدوات المعدنيَّة، وبدأ بعضُهُم أيضاً بالسَّكَن على ساحل المُحيط الهندي وبناء مُدنٍ لهُم هناك، وكانت هذه المدن الساحلية ذات أهميَّة جوهريَّة في بناء اتّصالٍ مع العالم الخارجي وتبادُلِ البضائع مع التجار الأجانب من الصينيّين والهُنود وغيرهم. أقدمُ وثيقةٍ مكتوبةٍ معروفةٍ تتحدَّثُ عن تاريخ منطقة السَّاحل هي مخطوطة باللغة اليونانيَّة ألَّفها شخصٌ مجهول، ويعودُ أصلها إلى مدينة الإسكندرية القديمة في مصر، ويُعرَف مُؤلِّفها باسم "بيربيلوس الإريتيريّ" (باللاتينية: Periplus). كُتِبَت هذه المخطوطة في القرن الثاني الميلادي، وهي تتحدَّثُ عن وُفود الكثير من التجَّارِ من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى ساحل أفريقيا الشرقي واختلاطِهم بالسكَّان المحليِّين، وهيَ تقولُ أنَّ التجار العرب كانوا قادرين على التحدَّثُ باللغة الأفريقية المحليَّة والتَّواصل مع السكان بها، وكذلك أنَّهم اختلطُوا بالأفارقة وتزوَّجوا من نسائهم.

بدأ أقوامُ البانتو ببناء بلداتٍ مُتحضّرة كبيرة على شاطئ أفريقيا الشرقي بدءاً من عام 800م تقريباً. يعتقدُ العلماء أنَّ السبب في التأخُّر الشديد لظُهور مثل هذه المدن هو عدم معرفة هؤلاء الشعوب يكيفيّة حفر الآبار في الأرض، وبالتالي اضطرُّوا لأن يعيشُوا حول ضفاف الأنهار فقط، وأمَّا بعد أن تعلَّموا كيفيَّة الوُصول إلى الماء العذبْ بالحفر، فبدؤوا باستيطانِ العديد من الأماكن على السَّواحل، وكانت أولى هذه الأماكن في جزر أرخبيل لامو الواقعة الآن قُبَالة سواحل كينيا. عندَ تلك المرحلة، كانت تجارةُ الأفارقة مع المُسلمِين مُقتصرةً على منتوجاتٍ أساسيّة فحسبْ، ولم تكُن قد وصلت حجمها الكبير الذي اكتسبتهُ فيما بَعْد. ومن المُحتمل أنَّ شُعُوب البانتو بدؤوا بتبادلِ البضائع التجاريَّة مع العرب والفُرْس والهنود بأنفسُهم، فقد بنوا زوارق ومراكب خشبيَّة خاصَّة بهم أبحروا بها عبرَ المحيط الهندي، واختلطُوا بمُختَلف الشعوب التي عاشتْ حولهم، وكانَ الاختلاطُ الثقافي والحضاري بين البانتو والعرب وكذلك الهُنود والفرس نتيجةً مُباشرة لهذه العلاقة التجاريَّة، وتمثَّلْت به بداية مِيلاد وازدهار اللغة والحضارة السواحليَّة التي وُلِدَت بسببِ هذا التبادل الثقافي.

بدء التجارة مع الأجانب

كان سكان شرق أفريقيا، مثلهم مثلَ شُعوب منطقتي وادي النيل والمغرب الكبير، على صلةٍ تجاريّة وثيقة بحضاراتٍ العالم القديم مُنذ القرون الميلادية الأولى، فقد تبادلوا الكثيرَ من البضائع التجارية مع الإغريق والرومان والفينقيين وغيرِهم من الشعوب القديمة. ويُعتَقد أنَّ الأفارقة البانتويِّين - في ذلك الحين - كانوا يُقايضون التجّار الأجانب بأصداف السلاحف والعاج وزيت جوز الهند، مُقابِل حصولهم على أسلحة مصنوعةٍ من الحديد، حيث يبدو أن كيفيَّة صناعة الأدوات المعدنيَّة لم تكُن معروفةً في السَّاحل الأفريقي آنذاك. ومع أنَّ هذه التجارة كانت قائمةً مُنذ زمن بعيد، إلا أنَّها لم تتَّخذ شأناً مُهماً حتى القرن الثامن بعد الميلاد، حيث لا تُوجد أيّ سجّلات تاريخية تُذكَر تسبقُ هذه الحقبة، ولم تنجح أيّ كشوفاتٍ أثرية بكشفِ النّقاب عن مُدنٍ أقدمَ من ذلك في شرق أفريقيا.

وقد بدأ التجَّارُ العرب بالتوافد إلى أفريقيا مع الفتح الإسلامي لمصر وبلاد المغرب في القرن السابع الميلادي، إذ قامُوا بتوسيع خُطوطهم التجارية تدريجياً نحوَ الجنوب خلال القرن الثامن للميلاد، بحيث اتَّصلوا ببعضِ مدن الساحل الإفريقي. ولم يُعَاني الوافدُون العرب الأوائل من صُعوباتٍ تذكر في الاستقرار بمُدُن شرق أفريقيا، إذ لم تكُن توجد هناك أيُّ أحلافٍ قبلية مُتماسكة أو دُول قويّة تُسيطر على تلك المدن، وبالتالي استطاع التجَّار العربُ تأسيس شبكاتٍ تجاريّة واكتسبوا نُفوذاً سياسياً بمُرور الوَقْت. وكانت السفن العربيَّة تفدُ إلى هذه المدن الساحلية مع هُبوب الرياح الموسميّة في فصل الشتاء، ومن ثمَّ تعودُ إلى بلادها في فصل الصّيف مُحمَّلة بمُختلف أنواع البضائع من أفريقيا، أو تُحوّل مسارَها إلى الهند حيث تُتاجر هناك بالسَّلع النادرة التي تحملُهَا. كان أوَّل شريانٍ سمحَ بوُصول التجار العرب من الموانئ الساحلية إلى عُمق قارّة أفريقيا هو نهر ليمبوبو المُتدفّق من دولة بوتسوانا إلى جنوب أفريقيا، وكذلك نهر سابي الذي يقطعُ دولتي موزمبيق وزيمبابوي، وقد ركبَ التجار هذين النهرين للوُصول إلى مدنٍ في مُنتصف القارة الأفريقية، حيث حصلوا على سلعٍ مُختلفة من هناك ليتاجروا بها، من أهمّها العاج وجُلود الحيوانات والنحاس والذهب. مع نهاية القرن الثامن قبل الميلاد اتَّصَلَت تجارة شرق أفريقيا مع التجارة العربية في المحيط الهندي بأكمله، ومن الأدلّة على ذلك اكتشافُ بقايا أوانٍ خزفيّة وزجاجيّة من صُنع فارسيّ في مواقع عديدة من دولتي موزمبيق وبوتسوانا من تلك الحقبة.

وتُظهِر سجلات الجغرافيّين العرب أنهم كانوا يعتبرون أنَّ للإقليم السواحليّ أربعة أجزاءٍ أساسية، هي كالآتي:

    شهدَت نهاية القرن التاسع عشرَ مرحلةً من التَّدَافُع الاستعماريّ على أفريقيا، جاءت واحدةٌ من أهمِّ خُطواتها في مؤتمر برلين 1884 الذي أدَّى لتقسيم الغالبيَّة العُظمى من مساحة القارَّة ما بيْن دُول أوروبا. ولكن لتحظى كلُّ دولة بسُلْطتها الاستعماريَّة كان عليها أول

المصدر: wikipedia.org