English  

كتب تأويل الإسلام

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

التأويل لدى المسلمين (معلومة)


ثارت مسألة التأويل نفسها في الإسلام، واتخذت الوضع نفسه، ورُبَّما كان ذلك للعوامل نفسها التي من أجلها ثارت في اليهودية والمسيحية، مع زيادة عامل آخر، ونعني بهذا محاولة كل أصحاب مذهب من المذاهب الإسلامية، وبخاصة في علم الكلام وفي التصوف، إيجادَ سند لآرائهم من كتاب الدين الأول نفسه، وطريق ذلك تأويل نصوص القرآن العظيم التي يرون ضرورة تأويلها حسب القواعد التي ذهبوا إليها.

وقبل الكلام عن التأويل لدى مُفكِّري الإسلام، نُشير أولًا إلى أنَّ تفسير القرآن — وكم بين التفسير الذي يراد منه فهم القرآن، وبين التأويل الذي يُراد منه الاستدلال لرأي أو مذهب مُعَيَّن من فرق! — كان يُنظر إليه في فجر الإسلام والصدر الأول منه بعين الحذر الشديد؛ إذ كان رجال السلف الصالح يتهيَّبون القرآن. روى ابن سعد في طبقاته أنَّ القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر كانا يمتنعان من تفسير القرآن؛ إذ يريانه أمرًا خطيرًا، كما ضرب سيدنا عمر بن الخطاب بِدِرَّته ضربًا وجيعًا رجلًا كان يسأل عن متشابه القرآن، وكذلك كان الأَمْرُ في أَيَّامِ بني أُمَيَّة.

على أَنَّهم ما كانوا يرون بأسًا في تفسير القرآن بالمأثور الثابت عن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بالنقل الصحيح، بل قد ظهرت الحاجة شديدة إليه، والمثل الأعلى لهذا الضرب من التفسير نجده في تفسير الطبري المعروف.

ومع هذا؛ فلم يَلبث القرآنُ أن نَاله ما نَالَ الكتابَ المقدس من قبل، الأمرُ الذي نَقَدَه بشدة سبينوزا من قبل، فقد ظهرت التآويل المجازية لكثير من آياتِهِ على أيدي المُعتزلة والمتصوفة والشيعة، بل قبل هذه الفرق أيضًا. لكنَّ رِجَال هذه الفِرَق هم الذين توسعوا في هذا الضرب من التأويل، وكان لهم من اصطناع هذه الطريقة أغراضٌ محدودة، ولهم لبلوغ هذه الأغراض وسائلهم الخاصة.

التأويل لدى المعتزلة

أراد المُعْتَزِلة وهم الفرقة المعروفة من فرق علم الكلام، أن يُبعدوا عن الله تعالى كل ما يُوهِم التَّجسيم أو التَّشبيه، وأن يؤكدوا وحدانيته من كل وجه، وعدله وحرية المرء في أعماله؛ ليكون مسئولًا حقًّا وعدلًا عنها، وأن يبعدوا الخرافات والأَسَاطير عن الدين، ومن ثم صرفوا كثيرًا من الآيات عن مَعَانيها الحَرْفِيَّة الظاهرية إلى معانٍ أُخرى مَجَازية، واستعانوا في هذه السبيل الوعرة الشاقة بالقرآن نفسه في آيات أخرى وباللغة يجدون بها ما يُسَاعدهم في تقرير المعاني التي يرونها.

ومِنْ أَجل ذلك نجد بينهم وبين فيلون وابن ميمون تشابهًا كبيرًا من ناحية الغاية من التأويل من بعض النواحي، وإن كان المُعتزلة لم يكن من هدفهم أن يعملوا لإظهار اشتمال القرآن على أمهات الأفكار والآراء الفلسفية اليونانية، كما كان صنيع المتقدمين.

ومن الميسور أن نأتي بمُثل كثيرة لتآويل المُعتزلة في القرآن، ولكن نرى أنَّ هَذا ليس ضروريًّا هنا؛ إذ لا يتَّصِل اتصالًا كبيرًا بموضوع عملنا الأصلي، ويكفي أن نَذْكُر أنَّه يمكن الرجوع في ذلك إلى:

«محاضرات» الشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر المتوفى سنة 436ه.

«الكشاف» لمحمود بن عمر الزمخشري الذي جاء بعد سابقه بقرن من الزَّمان، ويُعتبر هذا الكتاب المثل الأعلى للتفسير الاعتزالي.

ومع أنَّ هذا الكتاب كله تآويل اعتزالية؛ فلا ضرورة للإشارة إلى مواضع مُعَيَّنة منه، ولكن مع هذا نُشِيرُ إلى تأويله لهذه الآيات من باب التمثيل:

  • الآية 255 من سورة البقرة:  اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ   
  • الآية 18 من سورة آل عمران:  شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ   
  • الآية 129 من سورة آل عمران:  وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ   
  • الآية 172 من سورة الأعراف:  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ   
  • الآية 72 من سورة الأحزاب:  إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا   
  • الآية 11 من سورة فصلت:  ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ   

إلى غير ذلك من الآيات التي لا تكاد تُحصر، والتي سلط عليها المعتزلة التأويل بكل سبيل، وذلك لتتفق معانيها في مذهبهم المعروف.

على أنَّه مع هذا ما ينبغي لنا — وقد أشرنا إلى هذا آنفًا — أن نقول بأنَّ المعتزلة بما أوَّلوا من آيات القرآن تأويلًا مجازيًّا، كانوا يُريدون أن يُظهِروا ما رأوه حقًّا من فلسفة اليونان في القرآن، كما كان الأمر بالنِّسبة إلى صنيع فيلون الإسكندري، وابن ميمون الأندلسي في التوراة.

وكذلك ليس لنا أن نقول بأنهم تأثَّروا بهذين المُفكرين اليهوديين في طريقة التأويل، وإن كان الشبه غير قليل بين طريقة الأولين وطريقة المعتزلة. كل ما في الأمر على ما نعتقد أنَّ المسألة كما ثارت في اليهودية والمسيحية، وضعت كذلك بالنسبة للإسلام، أي إنه يجب تنزيه الله تعالى عن كل ما يُوهم أنَّ له شبهًا كثيرًا أو قليلًا بالإنسان، ومعنى هذا تنزيهُه عن الصفات الجسمية والعواطف البشرية، كأن يكون له وجه أو يدان أو عينان أو قدمان، أو يكون له حركة وينتقل من مكان إلى آخر، أو أن يحس ما يحسه الإنسان من الغضب والمكر والفرح ونحوها من الإحساسات والعواطف البشرية.

ولكن القرآن وكذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، اشتملا على نصوص كثيرة تُشير إذا أخذت حرفيًّا إلى التجسيم والتشبيه، وما يكون من ذلك من الصفات والعواطف والإحساسات البشرية؛ فيجبُ إذن صرفها عن معانيها الظاهرية الحرفية إلى معانٍ أُخرى مجازية، وبخاصة أنَّ القرآن نفسه استعمل التمثيل أحيانًا في تفهيمنا ما يُريد.

ومن ذلك قوله تعالى (سورة البقرة: 28):  إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ    وقوله تعالى (سورة الحشر: 21):  لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ   

على أنَّ المسألة وإن اتخذت نفس الوضع لدى كثير من رجال الديانات الثلاث؛ فإنَّ الأسباب قد تختلف كثيرًا أو قليلًا، لم يكن في رأينا من الأسباب لدى المُعتزلة الاعتزازُ بأنَّ التوراة اشتملت على ما ثبت صحته من الفلسفة اليونانية، أو ما عرفوا منها، كما كان الأمر بالنسبة لفيلون مثلًا؛ بل الأمر أنَّ المعتزلة فرقة من رجال علم الكلام لهم مذهبٌ خَاصٌّ، فأرادوا أن يجدوا له مثل غيرهم مِنَ المُتكلمين المسلمين أدلة من القرآن على ما ذهبوا إليه. وقد وجدوا الأمر يسيرًا أحيانًا فلم يَحتاجوا إلى التأويل المجازي، ووجدوه عسيرًا أحيانًا بالنِّسبة لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فعملوا على تأويلها، وساعدهم على ذلك ما هو معروف في البيئة الإسلامية من أن كثيرًا من آيات القرآن تحتمل الواحدة منها معاني كثيرة مختلفة.

على أنَّ هذه الفكرة نفسها، وخشية القطع برأي في تفسير القرآن، جعلا بعض العلماء المسلمين يترددون في تعيين المعنى المراد من بعض الآيات، ومن هنا جاءت تسميتهم «بالوقوف»، ومنهم المتكلم المشهور عبيد الله بن الحسن العنبري.

أمَّا موقف أهل السنة في مقابل هؤلاء المعتزلة، فمن الممكن إيجازه في أنهم ينقدون بشدة طريقة المُعتزلة في تأويلهم القرآن تأويلات يظهر فيها الميل إلى الرَّأي والتعسف، وهذا الموقف يظهر لنا واضحًا جدًّا في تفسير الإمام المتكلم المتفلسف فخر الدين الرَّازي المتوفى سنة 606ه، وتفسيره هذا يُعتبر بحق في نظر كثير من الباحثين نهاية ما وصل إليه إنتاج المسلمين الفكري في هذه النَّاحية، ومنه نعرف أنَّ المؤلف قد عُني عناية شديدة بتفنيد آراء المعتزلة التي عملوا بكل جهدهم للاستدلال لها، إن لم نَقُل لأخذها من القرآن.

التأويل لدى المتصوفة والشيعة

هذا؛ وبجانب التأويل الاعتزالي، نجد ضربًا آخر من التأويل سار فيه أصحابه إلى أبعد شوط، ونعني به التأويل الصوفي. وفي الحق إنَّ المُتصوفة لهم تآويل مجازية للقرآن خاصَّة بهم، وأغلبها — إن لم نقل كلها — مُتَطرف إلى حدٍّ بعيد، وهم مثل الشيعة يرون أنَّ الإمام علي بن أبي طالب، عنده عن الرسول ، علم هذه التآويل كلها التي ينبغي ألا تُلَقَّن إلا للمريدين وحدهم شيئًا فشيئًا. وفي هذا يقول عمر بن الفارض الشاعر الصوفي المعروف، في قصيدته التائية المشهورة:


وعلى هذا، الإمام علي بن أبي طالب هو إمام التصوف الإسلامي في نظر الصوفية، وهذا الرأي الذي أخذه المُتصوفة عن الشيعة، ينكره بتاتًا أهل السنة بحق، فإنَّ الرسول لم يخصَّ أحدًا من صحابته أو ذوي قرابته بعلم خاص ظاهري أو باطني. وإن من الحق مع هذا على ما نَعتقِدُ، أنَّه وإن كان غيرَ صحيح ما ذهب إليه الشيعة والمُتصوفة من إسنادهم للإمام علي علمًا باطنيًّا يشمل المعاني الخفية للقرآن التي خصه بها الرَّسول ، فإنَّه ليس من السهل أن نُنكِر تفاوت العقول في فهم الكتاب العظيم، وإدراك ما تضمنه من تعاليم وحقائق، وفي هذا يرى الغزالي أنَّ أكابر الصحابة وفي مقدِّمتهم عمر وعلي، فهموا من أسرار الدين وحقائقه أكبر نصيب.

تختلف تآويل الصوفية والشيعة — وبخاصة الباطنية منهم — عن تآويل المعتزلة بأمرين:

  • المبالغة في التأويل المجازي الذي لا قرينة مُطلقًا عليه من القرآن، وفي طلب ما زعموه من المعاني الخفية فيه، حتى خرجوا به عن معانيه الحقة الواضحة التي لا ريب فيها.
  • إسناد هذه التآويل للإمام علي كما رأينا بلا دليل صحيح. وبعد هذا وذاك، نرى هؤلاء وأولئك يشتركون مع المعتزلة في أنهم عملوا جاهدين على إدخال آرائهم الفلسفية في القرآن والحديث بطريق ذلك التأويل المجازي، فيه — على رأيهم — يستخلص ما في النصوص الدينية الوحيية من حقائق فلسفية عميقة تستتر وراء المعاني الحرفية لهذه النصوص.

والمُثُل لهذه التآويلات الشيعية والصوفية كثيرة جدًّا، ومن اليسير أن يجدها من يريدها في التفاسير القرآنية لكلٍّ من هاتين الفرقتين، ونُشير من بين التفاسير الصوفية إلى:

  • كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي النيسابوري المتوفى سنة 412 هجرية.
  • تفسير محيي الدين بن عربي، المتوفى سنة 638 هجرية.
  • تأويلات القرآن، لعبد الرازق القاشي أو القاشاني السمرقندي، المتوفى سنة 887 هجرية.

ومع ذلك؛ فإننا نرى أنْ نأتي بمثال واحد للتأويل الصوفي، ومثال واحد آخر للتأويل الشيعي.

يقول الله تعالى في سورة يس: (الآيات 12–17):  إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ   وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ   إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ   قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ   قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ   وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ   

فهذه الآيات وما تلاها لم تجئ حسب معناها الظاهر، وهو الصحيح المُراد بلا ريب، إلا لتقصَّ علينا للعبرة والذكرى نبأ أصحاب القرية الخاطئة الضالة مع الرسل الثلاثة الذين أرسلهم الله إليها فكذبوهم، ولكنَّ المتصوفة تركوا هذا المعنى الظاهر وزعموا أنَّ لها معنى خفيًّا باطنيًّا، فرأوا أنَّ القرية ليست إلا الجسم، وأنَّ الرسل الثلاثة هم الروح والقلب والعقل، وهكذا أوَّلوها كلها تأويلًا مجازيًّا لا دليل ولا قرينة عليه.

والمثال الثاني هو تأويل هذه الآيات الأولى من سورة الشمس:  وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا   وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا   وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا   وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا   

الله تعالى يقسم في هذه الآيات وما تلاها ببعض الظواهر الطبيعية الفلكية الكبيرة على ما أراد تقريره بعدُ من الحق، وهذه معانٍ ظاهرة، وهي الصحيحة المرادة بلا ريب، ولكنَّ الشيعة بتفسيرهم الذي بلغ الذروة من التعصب والتعسف، أوَّلوها — لتشهد لهم ببعض ما ذهبوا إليه — تأويلًا مجازيًّا عجبًا، فزعموا أن المراد بالشمس محمد ، وبالقمر علي بن أبي طالب، وبالنهار الحسن و الحسين رضي الله عنهما، وبالليل الأمويون.

وهكذا نجد الغالين من هاتين الفرقتين قد بالغوا في التأويل، فحمَّلوا القرآن كثيرًا من المعاني والآراء التي لا يُقرُّها بحقٍّ أهلُ السنة، وجعلوا للآية الواحدة معاني باطنية مُتدرجة في صعوبة معرفتها والإحاطة بها، وفي هذا يقول جلال الدين الرومي الشاعر الصوفي المعروف، وهو ما يُوافقه عليه الشيعة الباطنية الإسماعيلية: «اعلم أنَّ آيات الكتاب سهلة يسيرة، ولكنها على سهولتها تخفي وراءها معنى خفيًّا مستترًا. ويتصل بهذا المعنى الخفي معنى ثالث يُحَيِّر ذوي الأفهام الثاقبة ويعييها، والمعنى الرابع ما من أحد يحيط به سوى الله واسع الكفاية، من لا شبيه له، وهكذا نصل إلى معاني سبعة الواحد تلو الآخر. ولذلك لا تتقيد يا بني بالمعنى الظاهري، كما لم يرَ إبليس في آدم إلا أنه مخلوق من الطين.»

التأويل لدى الغزّالي وابن تيمية

إذا تركنا المعتزلة والشيعة والمتصوفة، نرى مشكلة التأويل تعرض لأهل السنة من رجال علم الكلام، فيتعرض لها كلٌّ من الغزالي وابن تيمية، ويقف كل منهما منها موقفًا خاصًّا يتعارض وموقف الآخر.

تعرَّض الغزالي لهذه المُشكلة ولا عجب في هذا، فهو مُتكلم ومُتصوف وفيلسوف معًا! فهل نراه يُسرف في تأويل القرآن والحديث كالمعتزلة والمتصوفة ومن إليهم؟ أو نراه يسير فيه بحذر وعلى بيِّنة كابن رشد مثلًا؟

حجة الإسلام يرى أنَّ في القرآن والحديث نصوصًا تفيد غير معانيها الظاهرية؛ ولهذا يُجيز تأويلها؛ ولهذا أيضًا عُني بوضع رسالة في ذلك تسمى «قانون التأويل»، كما تناول هذه المشكلة بالبحث في رسالة أخرى هي «إلجام العوام عن علم الكلام». ومن تلك النصوص مثلًا ما يُشير بظاهره إلى التجسيم أو التشبيه في ذات الله تعالى أو صفاته.

وذلك مثل الآيات التي تُوهم بظاهرها أنَّ له تعالى بعضَ ما للإنسان من الأعضاء والحواس، وأنَّه يتحرك وينتقل ويجلس على العرش، وأنه فوقنا، ومثل ما جاء في بعض الأحاديث من أنه ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا. فهذه النصوص القرآنية والحديثية يرى الغزالي أنَّ لها معاني خفية لا يصل إليها أهل المعرفة، وأنَّ موقف العامي منها هو التصديق بها مع الاعتراف بالعجز عن فهمها، والتسليم فيها لأهل المعرفة القادرين على إدراك المراد منها. وينبغي أن نُلاحظ أنَّ «العامَّة» هنا يدخل فيهم الأديب والنحوي والمُفسر والمُحدث والفقيه والمُتكلم، بل كل عالم سوى «المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة»، أي: المتصوفة. إذن، لم يخرج من العامة إلا المتصوفة، كما لم يخرج ابن رشد من العامة إلا الفلاسفة على ما تقدم ذكره.

وهؤلاء المتصوفة أي: «أهل الغوص في بحر المعرفة» لا يصل إلا واحد من كل عشرة منهم — في رأي الغزالي — إلى معرفة «الدر المكنون والسر المخزون». وبعبارة أُخرى: إنَّ أسرار هذه النصوص ومعانيها الخفية ليست خفية بالنسبة للرسول وأكابر الصحابة، كأبي بكر وعمر وعلي، ويلحق بهم الأولياء والعلماء الراسخون. وإذا كانت هذه المعاني الخفية يصل إلى إدراكها «أهل المعرفة»، فهل لهم أن يُذيعوها بين الناس، أي: هل لهم أن يظهروا للناس جميعًا ما يدركونه من التأويلات؟

يجيبُ الغزالي عن هذا إجابة تجعلنا نلمح فيه المتصوف الذي لا يرى أن يطلع على الأسرار إلا المُريدون، إنَّه يرى أن لمن عرف التأويل أن يحدِّث به من هو مثله في الاستبصار، أو مَنْ هو مستعدٌّ للمعرفة وطالبٌ لها ومقبل عليها بكله، ثم يختم ذلك بقوله في شبه قاعدة عامة: «فإن مَنْع العلم أهلَه ظلم، كبثِّه لغير أهله.» وما ينبغي لنا أن نفهم من إجازة الغزالي التأويلَ لأهله، وإجازته إظهارَ التأويلات لمن هو أهل لمعرفتها، أنَّه في هذا أو ذاك كابن رشد الذي رأينا فيما سبق عنه أنه يُجيز إذاعته في هاتين الحالتين، كما أجاز ابن ميمون من بعده، ليس لنا أن نفهم هذا، فإنَّ أهل التأويل وأهل المعرفة في رأي «حجة الإسلام» هم المُتصوفة كما عرفنا، على حين أنَّهم الفلاسفة عند فيلسوف الأندلس وبلديِّه الحبر اليهودي، وشتان بين أولئك وهؤلاء.

ومهما يكن من شيء، فإنَّ الغزالي بما وضع من قانون للتأويل، جعل الذين يبحثون فيما بين المعقول والمنقول من «تصادم في أول النظر وظاهر الفكر» خمسَ فرق، وجعل الفرقة الخامسة هي المُحِقَّة، وهي التي وقفت موقفًا وسطًا بين المعقول والمنقول؛ إذ جعلت كلًّا منهما أصلًا وسبيلًا إلى المعرفة، وأنكرت أن يكون بينهما تعارض حقيقي، وعملت على التوفيق والجمع بينهما، على ما في هذا من مشقة وعسر في أكثر الأحيان. ولهذه المشقة والعسر يجب أحيانًا الكف عن التأويل، وعدم تعيين المعنى الخفي المراد ما دام لا يوجد الدليل القاطع على تعيين هذا المعنى الذي يقصده الله أو الرَّسول عليه الصلاة والسلام.

مثلًا جاء في القرآن والحديث أنَّ أعمال الإنسان تُوزن يوم القيامة، والعقل يقطع بلا شك أنَّ المعنى الظاهر الحرفي غير مقصود؛ لأنه غير معقول، وإذن لا بدَّ من تأويل لفظ «الوزن» تأويلًا مجازيًّا بإرادة نتيجته وهي تعريف مقدار العمل، أو تأويل لفظ «العمل» بإرادة الصحيفة التي كان مكتوبًا فيها، وليس لدينا ما يدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ هذا التأويل أو ذاك هو المراد، والنتيجة أنه يجب الكف عن تعيين المعنى المجازي المراد؛ لأنه لا يجوز الحكم على مراد الله أو رسوله بالظن والتخمين.

من هذا كله نرى الإمام الغزالي مع مشاركته للصوفية في أنه يوجد «مريدون» يصحُّ أن تُذَاع لهم التأويلات الحقيقية والمعاني الخفية لبعض النصوص المُقَدَّسة، لم يُفْرط كما أفرطوا في التأويل، بل إنه رأى التوقف فيه في حالات كثيرة عندما لا يوجد دليل قاطع على تعيين المعنى المجازي المراد. أمَّا الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية والمتوفى عام 728ه، فإنه قد وقف بالنسبة لمشكلة التأويل موقفًا معارضًا كما رأينا عند من سبق من أولئك الفلاسفة والمفكرين. إنه يرى أن يفرق بين لفظ «التأويل» في عرف السلف، وبينه عند المُتكلمين — وبخاصة المعتزلة — والمتصوفة والفلاسفة من رجال الدين.

التأويل في رأي رجال السلف الإسلامي هو التفسير وبيان المراد من النص القرآني أو الحديثي، وبهذا المعنى ورد كثير في القرآن نفسه، وهو التأويل المقبول، ويُقال على هذا المعنى إن الصحابة والتابعين كانوا يعرفون تأويل القرآن الذي فسروه كله، ومن ثم قال الحسن البصري من التابعين: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يُعلم ما أراد بها. ولذلك لا يجوز التوقف وترك بيان معنى الآية من آيات القرآن؛ لأن الله أَمَرَنا أن نَتَدَبَّر القرآن وأن نفهمه، والرَّسُول لم يترك هذا من غير بيان للصحابة، اللهم إلا أن يُقال إن الرسول كان لا يعلم معاني القرآن الذي أُنْزِل عليه، أو كان يعلمها ولم يبلغها كلها للناس مع أنه مأمور من الله بالتبليغ، وكل ذلك غير مقبول ولا معقول.

ونرى أن ابن تيمية غير مفهوم تمامًا هنا، فإنه يرى، مع تأكيده أنَّ الصحابة والتابعين كانوا يفهمون القرآن كله، أنَّ ما جاء فيه عن الله وصفاته واليوم الآخر، وما يجري فيه من أُمور غيبية كان أولئك الصحابة والتابعون يعلمون تأويله وتفسيره، وإن لم يعرفوا كيفية ما أخبر به الله من ذلك كله هذا؛ وأمَّا النوع الآخر من التأويل الذي يتكلم عنه كثيرًا من الفلاسفة والمتصوفة، وبعض رجال علم الكلام، فهو أمرٌ آخر غير النوع الأول، إنَّه في اصطلاحهم الخاص «صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه المفهوم منه إلى معنى آخر يُخالف ذلك.» أي: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر خفي. وهذا ضرب من التأويل لم يغب عن الرَّسول الذي بيَّن بنفسه، في كل موضع يجبُ فيه ترك المعنى الظاهري، المعنى الآخرَ المراد بهذا اللفظ؛ وذلك لأنه «لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبيِّنه لهم.» وما دام الأمر كذلك؛ فلا تعارُض إذن بين المَعقول الصريح والمنقول الصحيح، أي: لا تعارُض بين ما يؤدي إليه العقل السليم وبين ما ثبت نقله عن الرسول. هكذا يرى ابن تيمية، وهو يُؤكده بأنَّه قد تحقق ذلك بنفسه؛ إذ تبين له بعد تفكير طويل اتفاق ما وصل إليه العقل الصحيح النظر في المسائل الكلامية الكبرى، كمسائل التوحيد والصفات والقَدَر والنبوات والمعاد، مع ما جاء عن ذلك في الشريعة تمامًا.

ولنا أن نأخذ بحق مما تقدم أنَّ مُشكلة التأويل لم توضع أمام ابن تيمية، بمعنى أنه لم يرها مشكلة تتطلب حلًّا لها، وذلك بأنَّ هذه المشكلة لم تعرض للمفكرين من رجال الدين إلا لما رأوه من وجود تعارض بين ما ثبت بالعقل وما ورد به الشرع، فاضطروا لتأويل ما لا يتفق والعقلَ من النصوص الدينية الوحيية. ولكن ابن تيمية لا يرى وجود تعارض مُطلقًا، والمنقول الذي يُقال إنه يُخالف العقل لا يكون إلا حديثًا موضوعًا، أو نصًّا آخر لا يدلُّ دلالة قاطعة على ما يُراد الاستدلال به عليه، وعلى فرض وجود تعارض بين العقل والنص يجب ترجيح الأخذ بالنص الثابت عن الأنبياء على ما يؤدي إليه العقل واستدلاله. ومن الحق أنه ذكر في بعض ما كتبه في هذا الشأن أنَّه عند تعارض العقل والسمع يجبُ تقديم ما تكون دلالته قطعية منهما، سواء أكان هو الدليل العقلي أم الدليل السمعي، ولكنَّه قال بعد هذا بقليل: «ولكن كون السمعي لا يكون قطعيًّا دونه خَرْط القَتَاد.» أي إنَّ الدليل السمعي متى ثبت صحة النقل يُقدَّم دائمًا على العقل وما يؤدي إليه، وكل ذلك يؤدي بنا إلى النتيجة التي استخلصناها، وهي أنَّ مسألة التأويل لم توضع أمام ابن تيمية؛ إذ لم يكن لديه أسبابها.

ومن أجل هذا نرى الإمام تقي الدين ينقد بشدةٍ ابن سينا والغزالي وابن رشد وابن ميمون، وغيرهم من المتصوفة والملاحدة الذين اصطنعوا طريقة التأويل لِبَثِّ آرائهم في القرآن والحديث، وبذلك مزجوا هذين المصدرين المقدسين بالآراء الفلسفية التي جعلوها أصلًا يُؤوِّلون النصوص الدينية بحسبها لتتفق معها؛ ولذلك أيضًا قد يضطُرون عندما يجدون النص لا يُوافق ما زعموه حقًّا بعقولهم، إلى أن يقولوا إنَّ الرسل تكلموا على سبيل التمثيل والتخييل للحاجة إلى إفهام العامة وأمثالهم.

المصدر: wikipedia.org