اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عاصر ابن زيدون الاضطرابات التي حدثت في في الأندلس، وشهد تداعي الخلافة الأموية فيها التي امتد حكمها للأندلس منذ عام 756م حتى عام 1030م، حيث تأسس الحكم على يد عبد الرحمن الداخل وهو ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وبعده توالى على الحكم عدد من الأمراء، فبلغت الدولة الأموية أوج عزها وعظمتها في فترة حكم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الذي لُقّب بالناصر لدين الله وهو أول من سُمي بأمير المؤمنين، وقد دام حكمه خمسين سنة ثمّ تولى الحكم بعده ولده الذي سار على نهج أبيه إلى حين وفاته 976م، ثمّ توالى على الحكم عدد من الحكام لإمارتها وانتهى حكم الأمويين في الأندلس ليبدأ بعده حكم ملوك الطوائف، وعلى الرغم من حدوث بعض الاضطرابات في تلك الفترة إلا أنّ الأندلس شهدت فيها نشاطاً وازدهاراً في الحركة الفكريّة والأدبيّة فانتشرت المكتبات، واهتم الأندلسيون بكتب المشارقة من ناحية الدراسة والمعارضة، وقد ظهر العديد من العلماء والفلاسفة الذين اشتُهروا بالعلوم التطبيقية، مثل علم الرياضيات الذي برز فيه علماء أمثال الكرماني، وعلم المنطق والطب أمثال ابن جبيرول، والفلسفة وعلم النبات أمثال البطليوسي، وابن باجة، كما أصبحت قصور الأمراء مجالس ونوادٍ أدبية يؤمّها الشعراء والكتاب ليحصلوا على العطايا والهبات.
شهدت الأندلس في عصر ابن زيدون نهضةً حضاريةً وفكريةً في كافة العلوم، كانت عواصم الدول الأندلسية وعواصم المشرق الإسلامي تتنافس فيما بينها في مجال الشعر، وقد أُلّفت في تلك الفترة عدد من الكتب كان ضخماً جداً قياساً بالفترة الزمنية التي أُلّفت فيها، ولعلماء وحكام الأندلس فضل في ذلك، فمن أهم الحكام الذين لعبوا دوراً مهماً في ذلك الازدهار الفكري عبد الرحمن الناصر، والحكم المستنصر والمنصور بن أبي عامر، كما كان أهل الأندلس أنفسهم يرغبون في العلم ويحبون المعرفة، وكان ملوك الطوائف يعملون على استقدام العلماء لتصبح دولهم بمستوى فكري أعلى من مستوى الممالك الأخرى.
كان ابن زيدون من أشهر أدباء وشعراء الأندلس لا سيما في عهد ملوك الطوائف، وكان العرب في تلك الحقبة من الزمن إذا فتحوا بلداً من البلدان لم يكتفوا بفتحه سياسياً بل فتحوه لغوياً وجعلوا اللغة العربية تحل محل لغته الأصلية ، كما علّموا أهله علوم القرآن الكريم، ورغبوا أبناءه بأدبهم وشعرهم حتى أعجبوا به أشد إعجاب، فأصبحت اللغة العربية هي اللغة المسيطرة والرئيسية في الأندلس والأقاليم المجاورة، فصار أهل هذه البلاد يعبرون بها عن مشاعرهم وعواطفهم، ويقلدون نماذجها المشرقيّة، وينقلون الكتب الأدبيّة إلى بلادهم حال ظهورها في البلاد المشرقيّة؛ مثل رسالة التوابع والتدوير للجاحظ، وديوان المتنبي وأبي تمام، ورسائل بديع الزمان ومقاماته، ومقامات الحريري، فقد كانت هذه هي المرحلة الأولى من الأدب في الأندلس، وهي مرحلة انتقال الأدب المشرقي إلى المغرب كما هي دون أي تعديل.
بلغت الحياة الأدبيّة أوج ازدهارها في عهد ملوك الطوائف، فقد كان كلّ ملك يجمع حوله عدداً من الأدباء والشعراء للتفاخر ومنافسة من حوله من الملوك والسلاطين، فظهرت أسواق النثر والشعر وتعددت هذه الأسواق، وصار الكتاب يبتدعون أساليب جديدة لإظهار مواهبهم، فألّف ابن شهيد رسالة التوابع والزوابع وهي رحلة للشاعر في عالم الجن وقد تأثر بالمقامة الإبليسية لأبي بديع الزماني، كما كان الاثنان مصدرا إلهامٍ لأبي العلاء المعري في رسالة الغفران، أما ابن زيدون فكانت له رسالتان جدية وهزلية بعث من سجنه بالأولى لأبي الحزم بن جهور أيام الفتنة يعاتبه ويستعطفه ويدافع عن نفسه مما اتهم فيه، أما الرسالة الثانية فقد بعث بها إلى الوزير عامر بن عبدوس على لسان ولّادة بنت المستكفي يتهكم عليه ويهجوه فهو عدوه الذي ينافسه في حب ولّادة، وقد بالغ ملوك الطوائف في تكريم الشعراء وبذل المكافآت والجوائز لهم مما جعلهم يتنافسون في مدحهم فبرزت مواهبهم وأبدعوا، فنهض الشعر وازدهر إلى أقصى حدٍ ولم يقتصر قول الشعر على فئة الشعراء فحسب بل عمّ حتى طال كافة طبقات المجتمع الأندلسيّ.