اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يغير عثمان بن عفان الولاة الذين عينهم عمر بن الخطاب عند توليه الخلافة؛ وذلك لوصية عمر بأن يبقي على ولاته في مناصِبهم لمدة سنة بعد وفاته خِشية من تغيير مُستعجل يضطرب له أمر المسلمين.
وكان ولاة عمر على الأمصار:
وأغلب هؤلاء الولاة ليسوا من قريش، وليس فيهم أحد من عشيرة عمر. حيث كان عمر يختار ولاته على أساس الكفاءة وكان يراقب عماله في أمور الدين والدنيا ولا يتأخر في عزل من ثبت تقصيره. ثم بعد ذلك قام عثمان بمباشرة سلطته في العزل والتولية. كانت الولايات تختلف فيما بينها من ناحية الأهمية اختلافاً شديداً. فكان لبعضها خطراً سياسياً وإدارياً وعسكرياً. وهي تلك الولايات البعيدة التي حررت من السيطرة الرومية والفارسية وكانت أربعة : الشام ومصر والكوفة والبصرة.
وكانت كل واحدة من هذه الولايات تواجه جبهة مفتوحة نتيجة الفتوحات الإسلامية المستمرة. وتقاد من هذه الولايات جيوش المسلمين المنطلقين إلى التحرير في الجهات الثلاثة. فكان بحر وبلاد الروم في مواجهة الشام، وكان البحر وشمال أفريقية في مواجهة مصر، وكان ما لم يُفتح بعد من بلاد فارس أمام الكوفة والبصرة. إذن لا ريب أن تكون هذه الولايات الأربع موطن القوة الإسلامية العسكرية. إضافة لذلك فقد كانت هذه الولايات مصدراً لثراء المسلمين وفيها حضارات مستقرة وأراضي خصبة وكان تأتي منها كل غنائم الفتوحات الإسلامية في الشرق والغرب والشمال.
فنجد أن الخارجين من المدينة كانوا يتوجهون إلى هذه الأقاليم الأربعة. حيث كان الصالحون يلتمسون بها ثواب الآخرة في الجهاد والمشاركة في فتوحات المسلمين وكان المكتسبون يبتغون عرض الدنيا يتقلبون في تلك الأقاليم بين التجارة والزراعة وغير ذلك.
لم يُلقِ عثمان أهمية للولايات التي لم يكن لها خطراً سياسياً أو عسكرياً. وأبقى على ولاة عمر في تلك الولايات ولم يغير منهم إلا القليل. إلا أنه سارع في تغيير الولاة في الولايات الخطرة فور انتهاء العام الأول من حكمه. وفيما يلي ذكر مجريات الأحداث في هذه الولايات:
من أوائل التغييرات السياسية التي قام بها عثمان هو عزل المغيرة عن الكوفة وتولية سعد بن أبي وقاص عليها سنة 24 هـ وكان هذا التعيين بسبب وصية سابقة لعمر بن الخطاب. إلا أن إماره سعد على الكوفة لم تستمر طويلاً. حيث اضطر عثمان إلى عزل سعد اضطراراً.
وقد كان سبب عزل سعد هو خلاف حدث بينه وبين عبد الله بن مسعود المسؤول عن بيت المال. حيث اقترض سعد من بيت المال وأعطى به على نفسه صكاً. فطلب مِنه عبد الله بن مسعود بعد فترة أن يؤدي دينه فرفض سعد ذلك وطلب منه أن ينتظر حتى يتيسر له المال. الأمر الذي رفضه ابن مسعود فنشب شِجار بينهم انتهى بوصول الأمر لعثمان الذي سارع بعزل سعد وولى بدلاً مِنه الوليد بن عقبة سنة 26 هـ.
لم يكن أهل الكوفة يطمئنون للوليد. لأنه كان من المذمومين في عهد رسول الله ونزل ذمه في القرآن. حيث غش الرسول وكذب عليه، وأنزل الله فيه قراناً فقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وكان هذا الفاسق المقصود هو الوليد.
والوليد هو أخ عثمان بن عفان من أمه، وقد تكون هذه القرابة هي التي جعلت الوليد مفضلاً على بقية أعلام المسلمين في إمارة أحد أخطر الأمصار وهي الكوفة. استاء أهل الكوفة من تولية الوليد عليهم فهم لم يكونوا يرون فيه الحاكم الكُفئ، ولا صاحب الدين المستقيم. حتى صلّى بالناس وهو سكران، فذهب وفد من أهل الكوفة يشهد على الوليد بمعاقرة الخمر وجاؤوا بخاتمه الذي استلوه من يده وهو سكران دليلاً على ذلك. الأمر الذي أثار غضب عثمان وعلي بن أبي طالب وكبار أعيان المدينة فقام بعزل الوليد وأتى به إلى المدينة حيث أقام عليه الحد. ونفذ فيه حكم الجلد الإمام علي.
وما كان من عثمان إلا أن ولى على الكوفة سعيد بن العاص بديلاً عن الوليد سنة 30 هـ. استقبل أهل الكوفة سعيداً بكل رحابة وكانت الأمور تنبئ بخير بما كان من توافق بين الأمير ورعيته. إلا أن هذا الحال التوافقي لم يستمر طويلاً قبل أن يُعكره سعيد بن العاص نفسه، ففي عام 33 هـ وفي أحد الليالي عندما كان الأمير جالساً مع كبار أهل الكوفة قال في خضم جدال طويل "إنما السواد بستان لقريش" (يعني أن أرض العراق ملك لقريش) الأمر الذي أغضب كبار أهل الكوفة الذين لم يتاخروا بالرد عليه وقالوا : "إنما السواد فيء أفاءه الله علينا، وما نصيب قريش منه إلا كنصيب غيرها من المسلمين." فغضب صاحب الشرطة لأن القوم ردوا رداً غليظاً على الأمير. فحدث تشاجر واشتباك بالأيدي أدى إلى ضرب صاحب الشرطة وإغمائه.
كتب سعيد بن العاص إلى عثمان بما حدث. فأرسل عثمان أمره بإخراج الذين ردوا على الأمير ونفيهم إلى الشام عند معاوية لاستصلاحهم. وبالفعل أبعد هؤلاء القوم عن الكوفة ووصلوا إلى معاوية الذي أحسن معاملتهم. وظل معاوية يدخل عليهم فيناظرهم ويعظهم ويذكرهم في فضل قريش على العرب فلم يقنعوا له، وردوا عليه قائلين بأن الإسلام لا يعرف لقريش فضلاً غير أن النبي بعث منهم. وأن انبعاث النبي من قريش لايبيح لها التحكم في رقاب الناس. كما أن لاحق لقريش بان تمتاز عن بقية العرب فكل الناس في الإسلام سواسية، بل انهم طلبوا منه ان يعتزل الامارة إلى من هو أقدم منه للإسلام عهدا وأكرم منه أبا، وأجدر منه ان يقيم حدود الله.
ويظهر أن معاوية قد خاف منهم أن يحرضوا أهل الشام عليه. فكتب إلى عثمان يطلب منه إبعادهم عنه وإعادتهم إلى الكوفة. فقبل عثمان بذلك. لم يكادوا يعودون إلى الكوفة حتى اطلقوا لسانهم في سعيد بن العاص وعادت المشحانات بينهم وبينه، فأعاد سعيد الكتابة إلى عثمان يشكو له منهم ويطلب منه إبعادهم عنه. فأمر عثمان بنفيهم مرة أخرى لكن هذه المرة كان النفي إلى الجزيرة عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
تلقاهم عبد الرحمن على عكس معاوية. فجعل يسومهم الخسف ويعظم لهم أمر نفسه وأمر أبيه وأمر قريش، لا بالمناظرة والحجج الدينية وإنما بالقول الغليظ والسيرة التي هي أغلظ من القول. وصار لا يركب إلا وجعلهم يمشون خلفه، يؤنبهم ويزجرهم ويذلهم ويجعلهم للناس نكالاً. فعندما زاد في أذيتهم أظهروا له الطاعة والقبول بسيادة قريش وتميزهم على العرب. وأرسلوا إلى عثمان مالك بن الحارث الأشتر يبين له طاعتهم فقبل عثمان ذلك، لكنهم ظلوا مُقيمين عند عبد الرحمن لكن إقامتهم لم تطل.
حيث قدم سعيد على عثمان في المدينة، فاستغل أهل الكوفة خروج سعيد منها فتجمعوا وأقسموا أن لا يدخلها سعيد مرة أخرى وكتبوا إلى أصحابهم المنفيين عند عبد الرحمن، ففروا من عبد الرحمن وأقبلوا مسرعين حتى دخلوا الكوفة. فكتب زعيم المنفيين العائدين إلى الكوفة كتابا إلى عثمان جاء فيه:
فقبل عثمان بولاية أبو موسى مضطرا. وكان أبو موسى يمني من اصحاب النبي ولاه عمر البصرة.
كان عمر بن الخطاب قد مات وعلى مصر عمرو بن العاص واليا عليها. فما كاد بعض الوقت من ولاية عثمان ينقضي حتى جعلت قرابة عثمان تنظر إلى أحد أهم أمصار المسلمين نظرة لاتخلو عن الطمع والطموح إليها. وكانت مصر جبهة مفتوحة إلى أفريقية حيث لم يقصر عمرو في غزوها لفتحها والعودة من غزواته محملا بالغنيمة، متوليا مهمة فتح البلدان المجاورة طيلة سنين، إلا أن عثمان سرعان ماقرر كف عمرو بن العاص عن غزو أفريقية، وأرسل جيشاً لا يذعن لسلطان الوالي بمصر وإنما يتصل بالمدينة متخطيا عمرو بالعاص على غير المالوف. حيث ان قادة الأمصار هم من يتولون قيادة الغزوات والفتوحات عادة. وكان المكلف بقيادة هذا الجيش عبد الله بن سعد بن ابي سرح وهو أخ عثمان بالرضاعة. ووعده بأنه لو استطاع فتح أفريقية فله خمس الخمس(4%) من الغنيمة.
ومن الطبيعي أن يغضب عمرو لهذا التهميش. لأن عثمان قد خص به عن نظرائه من العمال. فلم يكن عثمان يرسل الجيوش من قبله مباشرة إلى الثغور. وإنما كان ذلك إلى العمال حيث يغزو معاوية الروم ويغزو عامل البصرة والكوفة فارس.
وقد نجح عبد الله بن أبي سرح في فتح الأراضي الواسعة من أفريقية والمجيء منها بعظيم الغنائم، وما إن انتهى من غزوه ولاه عثمان خراج مصر (المسؤلية المالية للبلاد) تاركاً لعمرو بن العاص مسؤليتها العسكرية. وكان لابد من حدوث الإختلاف بين عمرو وعبد الله. فكتب كلاهما إلى عثمان يشكو الاخر، وماكان من عثمان إلى أن عزل عمرو بن العاص عن مصر وسلمَ عبد الله بن أبي سرح امارة مصر كلها عام 27 هـ.
لم يكن عبد الله بن سعد بن أبي سرح رجل صدق، ولم يكن المسلمين يرضون عنه، فهو كان من الذين اشتدوا على النبي وأسرفوا في السخر منه، وقد ارتد بعد إسلامه وأعلن كشفه عن زيف نبوة محمد وأحل الرسول دمه وكاد يقتله عند فتح مكة لولا شفاعة عثمان له واعلان إسلامه. ولايوجد شك في كون سيرة عبد الله في مصر قد أصابت أهلها بالسخط عليه. فكان يكلفهم فوق مايطيقون ويتحملون ويتشدد في.حتى شكوه إلى عثمان. فكتب عثمان له يأمره بالرفق في رعيته فلم يحفل بذلك، وإنما عاقب الذين شكوه وضرب منهم رجلاً حتى قتله، وبذلك غضب أهل مصر غضباً عظيماً وغضب معهم أعيان الإسلام في المدينة.
كان معاوية بن ابي سفيان أعظم الولاة حظاً من كل شيء في أيام عثمان. فكان عمر قد ولى معاوية حكم دمشق وولى أخوه يزيد بن ابي سفيان حكم الأردن، وعندما مات يزيد ضم عمر الأردن إلى سلطة معاوية فاتسع بذلك سلطانه. وبعد موت عمر كان معاوية من المقربين لعثمان حيث أن معاوية ابن عم عثمان فلم يقم بتغييره. بل على العكس حيث ضم إلى سلطته الكبيرة فلسطين بعد موت حاكمها عبد الرحمن بن علقمة، وقام بعزل عمير بن سعد الأنصاري حاكم حمص ويضمها إلى معاوية أيضا. وبذلك اجتمعت عند معاوية الأجناد الأربعة وبسط قوته على بلاد الشام كلها ليصبح ذا سلطة عالية لا ينافسه فيها أحد.
وقد طال حكم معاوية للشام، فأحبه أهل الشام وأصبح لطول ولايته وحسن تدبيره لأمور رعيته أشبه بالملك منه بالوالي. وكان عثمان إذا ما أراد أن يسير أحد من المخالفين له والمعارضين لسياسته فإنه كان يرسلهم إلى الشام عند معاوية، فقد كان حزم معاوية هو الملجأ الذي كان عثمان يلجأ إليه إذا أراد تأديب المُعارضين له. ويبدو أن معاوية كان حازماً حتى على عثمان نفسِه. فهو كان يلتقي المنفيين الذين يرسلون إليهم لإصلاحهم، فاذا لم يقدر عليهم طلب من عثمان ان يخرجهم من عنده ولم يكن عثمان يرد له طلب.
كان أبو موسى الأشعري عامل عمر على البصرة. وأبقاه عثمان على حكمه اعواما. والكثرة من أهل البصرة مضرية، وفيهم ربيعيون وفيهم قلة من اليمانية. ولأمر ما أحب عمر أن يولي رجلا من اليمن على البصرة، وكثرة أهلها مضرية، وأن يولي رجلا ثقفيًا وهو المغيرة بن شعبة الكوفة وكثرة أهلها يمانية؛ يريد بذلك في أكبر الظن أن يقاوم العصبية القبلية حتى يزيلها.
كان أبو موسى رجلا من أصحاب النبي مقدماً فيهم، وقد استقامت أمور البصرة في عهده أعواما، لم يشتك فيها أهل البصرة من أميرهم ولم يشكوا الأمير من رعيته. ولكن يبدو أن العصبية القبلية (والقرشية بالأخص) قد عادت في زمن عثمان. فقد كانت ثلاثة من الولايات الأربعة الكبرى يليها أمراء من قريش أقرباء لعثمان: الوليد بن عقبة في الكوفة وبعده سعيد، ومعاوية بن أبي سفيان في الشام، وعمرو بن العاص في مصر وبعده عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
فلم يبق إلا ولاية واحدة من هذه الولايات الكبرى لم يل أمره أموي ولا قرشي وإنما وليه رجل من أهل اليمن، فكان مركز أبو موسى بين هؤلاء الولاة غريبا شاذا، حيث أنه اليمني الوحيد الذي يلي ولاية ذات خطر. حتى جاء في أحد الايام رجلا مضريا من بني ضبة، هو غيلان بن خرشة الضبي فقال لعثمان: "أما لكم صغير فتستشبوه فتولوه البصرة؟ حتى متى يلي هذا الشيخ البصرة؟" ويبدو أن غيلان لم يكن وحده بل كان معه مجموعة من أهل البصرة اشتكوا أيضا على أبو موسى. فسارع عثمان في عزل أبي موسى وتوليه ابن خاله عبد الله بن عامر بن كريز عام 29 هـ، فدخل البصرة واليا عليها وهو ابن الخمس وعشرين عاماً.
كانت السياسة المالية لعثمان من أكثر الأمور التي أثارت الرأي العام
1- إن عثمان كان ذا ثروة عظيمة وكان وَصُولا للرحم. يصلهم بصلات وفيرة، فنقم عليه أولئك الأشرار وقالوا بأنه إنما كان يصلهم من بيت المال، وعثمان قد أجاب عن موقفه هذا بقوله: وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي لهم فإنه لم يمل معهم إلى جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، وقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرعية من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا.
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب. فهذه النصوص وغيرها مما اشتهر عنه وما صح من الأحاديث في فضائله الجمة، تدل على أن كل ما قيل فيه من إسرافه في بيت المال وإنفاق أكثره على نفسه وأقاربه وقصوره في حكايات بدون زمام ولا خطام يطول ذكرها مفترى عليه، مع براءة عثمان مما نسب إليه، قال تقي الدين بن تيمية: إن سهم ذوي القربى ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لقرابة الإمام كما قال الحسن وأبو ثور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي أقاربه بحكم الولاية فذوو القربى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ذوو قرباه، وبعد موته هم ذوو قربى من يتولى الأمر بعده؛ وذلك لأن نصر ولي الأمر والذب عنه متعين، وأقاربه ينصرونه ويذبون عنه ما لا يفعله غيرهم. وقال: وبالجملة، فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه إما بالولاية أو بمال وقال: إن ما فعله عثمان في المال له ثلاثة مآخذ: أحدها: أنه عامل عليه والعامل يستحق مع الغنى، والثاني: أن ذوي القربى هم ذوو قربى الإمام، والثالث: أن قرابة عثمان كانوا قبيلة كبيرة كثيرة ليسوا مثل قبيلة أبي بكر وعمر، فكان يحتاج إلى إعطائهم وولايتهم أكثر من حاجة أبي بكر وعمر إلى تولية أقاربهما وإعطائهم.. وهذا مما نقل عن عثمان بن عفان الاحتجاج به.
2- جاء في تاريخ الطبري أن عثمان لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: إن فتح الله عليك بإفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا، فخرج بجيشه، حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها وسهلها وجبالها، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النضري، فشكى وفد ممن كان معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله، فقال لهم عثمان: إنما أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا نسخطه، فأمر عثمان عبد الله أن يرده فرده. وقد ثبت في السنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد.
3- وكان قد بقى من الأخماس والحيوان -في فتح أفريقية- ما يشق حمله إلى المدينة، فاشتراه مروان بمائة ألف درهم، ونقد أكثرها وبقيت منه بقية، وسبق إلى عثمان مبشرا بالفتح، وكانت قلوب المسلمين في غاية القلق خائفة من أن يصيب المسلمين نكبة من أمر أفريقية، فوهب له عثمان ما بقي جزاء بشارته. وللإمام أن يعطي البشير ما يراه لائقا بتعبه وخطر بشارته، هذا هو الثابت في عطية عثمان لمروان، وما ذكروه من إعطائه خمس أفريقية فكذب. لقد كان عثمان شديد الحب لأقاربه، ولكن ذلك لم يمل به إلى غشيان محرم أو إساءة السيرة والسياسة في أمور المال أو غيرها، وإنما دست في كتب التاريخ أكاذيب باطلة كان خلفها الدعاية السبئية والشيعية الرافضية ضد عثمان .
إن سيرة عثمان في أقاربه تمثل جانبا من جوانب الإسلام الكريمة الرحيمة لقوله تعالى: "ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ" [الشورى: 23]، وقوله جل ثناؤه: "وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا" [الإسراء: 26] كما أنها تمثل جانبا عمليا من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فقد رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم من حاله ما لم ير أو يعلم غيره من منتقديه، وعقل من الفقه ما لم يعقله مثله من جمهرة الناس، وكان مما رأى شدة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقاربه وبره لهم وإحسانه إليهم، وقد أعطى عمه العباس ما لم يعط أحدا عندما ورد عليه مال البحرين. وولى عليا وهو ابن عمه وصهره، ولعثمان وسائر المؤمنين في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم القدوة.
يقول ابن كثير: «وقد كان عثمان كريم الأخلاق ذا حياء كثير، وكرم غزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله تأليفا لقلوبهم من متاع الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أقواما ويدع آخرين إلى ما جعل في قلوبهم من الهدى والإيمان، وقد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيثار فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة. إذ قال له رجل: اعدل، فقال: «شقيت إن لم أعدل». ويحتج عثمان لبره أهل بيته وقرابته مخاطبا مجلس الشورى بقوله: أنا أخبركم عني وعما وليت، إن صاحبيّ اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما سبيل احتسابا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك لما أقوم به فيه، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه. »
وقد رد ابن تيمية على من اتهم عثمان بتفضيله أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال فقال: «وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار (مليون دينار)، فالجواب يقال: أين النقل الثابت بهذا؟!! نعم كان يعطي أقاربه ويعطي غير أقاربه أيضا، وكان يحسن إلى جميع المسلمين، وأما هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت، ثم يقال ثانيًا: هذا من الكذب البين، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء الراشدين أعطوا أحدا ما يقارب هذا المبلغ) .»