English  

كتب بداية الدعوة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

بداية الدعوة (معلومة)


كان الرباط الذي أقامه ابن ياسين بنهر السنغال يقع قريبًا من مملكة غانا، متعمدًا الاقتراب لتدريب جماعته في بيئة جهادية، والعيش في الرباط في حالة استنفار وحرب مستمرة، لكنه غير بعيد عن ديار المُلَثَّمين، كي يستند إليهم في حالات الخطر. وعمل على تحكيم الشريعة الإسلامية في مُجْتَمَعه الجديد، واهتمامه البالغ بالفقهاء والعلماء جعلهم يلتفون حوله ويسعادونه على تربية المرابطين بالرباط وتعليمهم وتأهيلهم للمرحلة القادمة، وكان لا يمنعه الحياء من طرد مَن لا يراه مناسبًا لهدفه المنشود. فتحول رباط السنغال إلى منارة في تلك الصحاري، وأصبح يستقطب أبناء قبائل صنهاجة إليه، كما وفر بعض الأمن والاستقرار في تلك المنطقة، مما شجع القوافل على المرور بها، فأدَّى ذلك إلى ازدهار التجارة. وتميَّز الرِّبَاط بإدارة وتنظيم جيد ساعد على تشكيل مجلس للشورى، وجماعة للحلِّ والعقد تطورت مع مرور الأيام، وأصبحت مرجعية عليا لِلْمُلَثَّمِين. وبتقدم مرحلة تكوين المرابطين الفقهية والحركية والتنظيمية، أصبح لعبد الله بن ياسين رجال يعتمد عليهم في تبليغ الدعوة لترغيب النَّاس في الإسلام، بدأ بإرسالهم إلي القبائل، فلبت مجموعة منها. ثم أمر تلاميذه أن يذهب كل منهم إلى قبيلته ليدعوهم إلى العمل بما أنزل الله لنبيه، فلم يجدوا استجابة كبيرة من أقوامهم، فخرج إليهم بنفسه، فجمع شيوخ القبائل ووعظهم خلال سبعة أيام، فلم يستجيبوا، فلمَّا يئس منهم أعلن الجهاد عليهم.

إعلان الدعوة

حين باشر يحيى بن إبراهيم للقتال ومضى للحرب بنفسه، فقام ابن ياسين فأدَّبه، لأنه اعتبَرَها خطوة متهورة وعدم ضبط للنفس، خصوصًا وأن الرجال المرابطين كانوا غير مستعدين للمنازلة. لكن بعدما رأى ابن ياسين أنه استكمل التدريب وجهز العدة، تحرّك بالمرابطون أولاً صوب قبيلة جدالة، حيث اشتبكوا معهم وهزموهم وانقاد من تبقى منهم لدعوة بن ياسين، ثم ساروا إلي قبيلة لمتونة فقاتلوهم وانتصروا عليهم، ودخلوا في طاعة المرابطين، ثم مضوا إلى قبيلة مسوفة فدخلت تحت لوائه وبايعوه، فلما شهدت باقي قبائل صنهاجة هذه الأحداث بادرت إلى مبايعة عبد الله بن ياسين، وقلدتها كثير من قبائل الصحراء في ذلك. فترك في كل من تلك المنازل أحد من تلامذته يعلمهم القرآن وشرائع الإسلام. تُوفي الأمير يحيي بن إبراهيم في إحدى الغزوات المرابطية، فقدَّم ابن ياسين مكانه يحيى بن عمر اللمتوني، بعد أن اعتذر جوهر الجدالي زعيم جدالة بعد ابن إبراهيم، ورفضه المنصب. يُعد قرار ابن ياسين وجوهر قرارًا سياسيًا بعيد النظر، فصرفهم الزعامة إلى رجل لمتوني لرئاسة قوم غالبيتهم من جدالة فيه معانٍ تربوية تقاوم تقاليد العصبيات القديمة، وكذلك تجذب اللمتونيين لدخول الدعوة المرابطية. وبذلك أصبح للحركة قيادة دينية وسياسية ومجالس شورى. وتحت زعامة يحيى بن عمر دخل الآلاف من قبيلة لَمْتُونة في جماعة المرابطين.

صوب المرابطين أعينهم نحو إمبراطورية غانا لإسترجاع أوداغست التي كان يسيطر عليها صنهاجة في حلفهم السابق، فتوجهوا إلى الشرق نحو منحنى النيجر سنة 447 هـ 1056م، وخاضوا معركة قاسية توفي خلالها يحيى بن عمر، وانتصر المرابطون في الأخير، واستولوا على أوداغست وتوسعوا جنوبًا في بلاد غانا حتى وصلوا ديار التكرور، الذين تحالفوا معهم وفتحوا الكثير من بلاد السودان الغربية. فذاعت شهرة المرابطين في أرجاء الصحراء بسبب صدهم للفساد والنهب بحد السيف، ونشر تعاليم الإسلام على منهج المذهب المالكي، فتضاعف عدد المرابطين بذلك، كما زاد رصيد بيت المال بأموال الأعشار والزكاة، الأمر الذي مكنهم من مواصلة حملتهم لنشر الدعوة مدة أربعة عشر عاماً حتى خضوع عاصمة غانا سنة 454 هـ 1062م.

فتح بلاد السوس

سنة 444 هـ / 1053م كتب زعيم فقهاء سجلماسة ودرعة، وجاج بن زلو اللمطي، إلى تلميذه عبد الله بن ياسين يُرغِّبه في مساعدتهم للتخلص من حكامهم زناتة المغراويين وأميرهم مسعود بن واندين. بالإضافة للهاجس الديني، كان الطلب يحمل نبرة أخوية قبلية، حيث كانت تستوطن جهة سجلماسة أقلية مهمة من صنهاجة وسط سلطة زناتية.

استشار ابن ياسين مجلسه، فكان القرار بالإجماع على مد يد المعونة لهم، وقالوا له: «أيُّها الشيخ الفقيه، هذا ما يلزمنا فَسِرْ بنا على بركة الله.» فخرجت جموع المرابطين في الثلث الأول من سنة 445 هـ إلى بلاد درعة، وعدتهم ثلاثون ألف جمل. تصدى لهم المغراويين، وانتهت المعركة بهزيمة المغراويين ومصرع مسعود وتشتت جيشه، فدخل ابن ياسين سجلماسة وعين عليها عاملاً من لمتونة وحامية مرابطية وهي قاعدة أنشئوها قرب سجلماسة تعرف باسم مدينة تبلبالة، وغير مَا وجد بهَا من منكرات حسب مفهومه الأصولي للدين، كآلات الموسيقى ونحو ذلك، وأحرق الدّور الَّتِي كَانَت تبَاع بهَا الخمر وأزال الضرائب التي كانت تخنق الناس كالمكوس، ثم عاد إلى الصحراء.

انفرد البكري بذكر حادثة انتفاضة ساكنة سجلماسة على المرابطين، بسبب صرامتهم في الأمور الدينية والإجتماعية وأثرها على الجانب الاقتصادي، فتحول الفقهاء إلى أقلية وسط أغلبية ساخطة. استغل الأعيان والتجار هذا الأمر فأجهزوا على ممثلي المرابطين بالمدينة مستغلين تواجهدهم مجموعين بالمسجد. فعادت سجلماسة لسلطة مغراوة الزناتيين.

بعد النكسة ظهرت مشكلة أخرى، وهي انشقاق قبيلة جدالة، بسبب التهميش الذي لاحظوه في كون زعماء الجيش، يحيى بن عمر وأخوه أبو بكر، كلهم من لمتونة، بينما في السابق كان يحيى بن إبراهيم، الجدالي، مطاعا بين كل الملثمين. قام عبد الله بن ياسين بتوزيع الجيش المرابطي على الشكل التالي: يحيى بن عمر بمنطقة أدرار بالقرب من جدالة تحسبا لأي تمرد أو غارة على مُؤَخَّرَةُ الجيش، وأبو بكر بن عمر متقدما في أعلى درعة وقوات ابن ياسين في موقع وسط بينهما.

سنة 448 هـ حاصر نحو ثلاثين ألفاً من مقاتلي جدالة قوات يحيى، وكان معه لبّي بن ورجاي رئيس تكرور، وكان التقاؤهم بموضع يسمى تيفريلى بين تاليوين وجبل لمتونة.

تُوفى الأمير يحيى بن عمر، فَعيَّن عبد الله بن ياسين أخاه أبي بكر مكانه، فتأهَّب أبو بكر لغزو بلاد السوس. وفي ربيع الثَّانِى سنة 448 هـ/يونيو سنة 1056م، سار المرابطون صَوْبَ بلاد السوس، وفي معركة الواحات بزغ نجم يوسف بن تاشفين التي لعب فيها دور قائد مقدمة جيش المرابطين المهاجم، وبعد فتح مدينة سجلماسة عيَّنه الأمير أبو بكر واليًا عليها، فأظهر مهارة إدارية في تنظيمها، ثم غزا بلاد جزولة وفتح ماسة ثم سار إلى تارودانت قاعدة بلاد السوس وفتحها، وكان بها طائفة من الشيعة، فحل مذهب أهل السنة والجماعة في مكانها.

أغمات

سار المرابطون بعدها إلى مدينة أغمات وحاصروها، فاضطر أميرها لقوط المغراوي إلى الفرار، فدخلها المرابطون عام 449 هـ/1057م وأقاموا فيها شهرين، وتتبعوا فلول المُغراويين، واستطاعوا قتل أميرهم الفار، وتزوج أبو بكر بن عمر من زينب النفزاوية زوجة لقوط المغراوي. ثم سارت جموع المرابطين إلى أرض برغواطة، ونشبت بينهم معارك متتالية أصيب فيها موجِّه الحركة المرابطية ابن ياسين بجراح فحُمل إلى مقرِّ القيادة في معسكر المرابطين، وجمع شيوخ المرابطين وحثَّهم على القتال وحذَّرهم من التفرقة والتحاسد، وفارق الحياة بعدها. واتفق المرابطون على اختيار أبي بكر مكان ابن ياسين، وبايعوه، فجمع بذلك بين الزعامة الدينية والسياسية، إلا أن القاضي عياض وابن خلدون يؤكدان على أنه وقع الاختيار للزعامة الدينية على سليمان بن حدو. تولَّى القائد الجديد الزعامة وخرج لقتال جنود الدولة البرغواطية، فهزمهم، وأعلنوا له الطاعة والولاء، ثم قصد أبو بكر مدينة أغمات، فمكث بها.

تابع أبو بكر سيره في شهر صفر سنة 452 هـ/مارس 1060م، ففتح كل بلاد زناتة ومكناسة ولواتة بعد حصارها. وعاد إلى أغمات، قاعدة المرابطين العسكرية، وبعض اكتظاظها قرر أبو بكر اختيار عاصمة له. فوقع اختياره على موقع مراكش الحالية. وبعد التخطيط شرعوا في بنائها، لكن خبر إغارة قبيلة جدالة على لمتونة، جعلت من الأمير يسير إلى الصحراء لأجل الإصلاح بين القبائل المتنازعة، فقسَّم جيشه إلى فريقين، أبقى نصفه مع ابن عمه يوسف وكُلّفه بتأديب القبائل المغربية المتمردة كمغراوة وزناتة وبنى يفرن. وسار أبو بكر للتوسط بين لمتونة وجدالة، وتمكّن من ذلك، ثم توسع في جهاد قبائل الصحراء من السود الوثنيين لتدخل في الإسلام؛ وبعد تعمقه في الصحراء وتحقيق نجاحات كبيرة في مهمته الدعوية؛ رجع إلى المغرب الأقصى بجيوشه؛ فاستقبلهم يوسف بن تاشفين بحفاوة عظيمة، ووقع اختيار أبو بكر بن عمر على يوسف بن تاشفين ينوب عنه على حُكم المغرب، بعد أن جمع شيوخ المرابطين والكُتَّاب والشهود، وأشهدهم على نفسه بالتخلي ليوسف عن الإمارة، معللاً اختياره لتدين وشجاعة وعدل يوسف، وأوصاه:

. فزوده يوسف بالمال والخيل والمؤن، وعندها استأنف أبو بكر الجهاد والغزو. وطلق أبو بكر زينب النفزاوية عندما عزم على السفر مبررًا ذلك بكونها لا طاقة لها على العيش والترحال المستمر مع الجيش تحت حرارة الصحراء، ونصحها بالزواج بابن عمه، فتزوَّجها يوسف بعد تمام عدَّتِها.

المصدر: wikipedia.org