اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تطالعنا الروايات بأن أول المشبهة والمجسمة في العالم الإسلامي كانوا من غلاة الشيعة وبوجه خاص السبائية حيث نادت بقداسة وألوهية علي بن أبي طالب، وهم الذين نقلوا فكرة التجسيم إلى بعض الفرق الأخرى. والآراء كلها على أن هشام بن الحكم أول مجسم ظهر بين متكلمي الإسلام. ويذكر الشهرستاني أن هشام بن الحكم جرت بينه شيخ المعتزلة العلاف مناقشات حول علم الكلام.
ويحكي أبو الحسن الأشعري في في كتابه مقالات الإسلاميين أن الهشامية - أصحاب هشام بن الحكم - يذهبون إلى أن الله جسم وله نهاية وحد، وأنه طويل وعريض وعميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وقرروا أنه نور ساطع، وأنه في مكان دون مكان، وهو نفسه لون، وذهبوا إلى أن الله قد كان لا في مكان، ثم حدث المكان بأن تحرك فحدث المكان بحركته، وكان فيه. هشام بن الحكم إذن يرى أن الله جسم، وأن بين الله والأجسام تشابه بوجه من الوجوه، ويحكي كما يذهب إلى ذلك الكعبي المعتزلي، أن هشام بن الحكم يقول: أن الله جسم ذو أبعاض، وله قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، وأنه (أي هشام) قال: هو (أي الله) سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة وأنه يتحرك، وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان، وقال أيضاً: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة. أما أبو عيسى الوراق فيقول: ذهب هشام إلى القول أن الله تعالى مماس لعرشه، لا يفضل منه عن العرش ولا يفضل من العرش شيء عنه.
ومما استحدث في عصر السلف بدعة الكلام في صفات الله تعالى، ولما كان من أساسيات العقيدة الإسلامية وجوب التنزيه لله تعالى في وصفه بالكمال المطلق، ودلت عليه النصوص كقوله تعالى: "ليس كمثله شيء" فقد بالغت القدرية (المعت زلة) في التنزيه مما أدى إلى استحداث بدعة القول بإنكار بعض الصفات الثابتة بالنص، ومن ثم أطلقوا على المعتزلة معطلة، وبالمقابل فقد ظهر في عصر السلف مبتدعة بالغوا في إثبات الصفات، اتبعوا المتشابهات من النصوص وفسروها بحسب الظاهر، فوقعوا في التجسيم المناقض لآيات التنزيه الصريح، ومنها بدعة محمد بن كرام السجستاني، في القول بالتجسيم وتنسب إليه الكرامية، وهم أقرب الفرق إلى الخوارج، وقد نصرهم محمود بن سبكتكين السلطان -وكان من الكرامية-، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم. وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين أن المجسمة انقسموا إلى ستة عشر فرقة.
قال ابن خلدون في مقدمته: «وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين الدليلين بتأويلهم ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام وليس ذلك بدافع عنهم لأنه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كان بالمعقولية واحدة من الجسم وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسما من أسمائه ويتوقف مثله على الإذن. وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك وآل قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات جهة لا كالجهات نزول لا كالنزول يعنون من الأجسام واندفع ذلك بما اندفع به الأول. وقال ابن خلدون: «ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكون النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن».
وعقيدة التوحيد تقوم على أساس توحيد الله ونفي الشريك عنه والعلم أن مسبب الأسباب وموجدها المتصف بالكمال المطلق هو الله الواحد الذي لا شريك له، والذي دلنا على ذلك هو الشرع وليس العقل، أي: أن الله أرسل الرسل وأوحى إليهم بأنه هو الله الخالق وحده لا شريك له، فإذا تحقق العلم بوجود الله وحصل الإيمان به فذلك هو التوحيد، وكل ما يقع في النفس من تصورات أو تخيلات فهو الذي يجب الانصراف عنه؛ لأنه من دواعي الضلال، وعندما قال مشركوا مكة: يا محمد صف لنا ربك، قايسوا بما اعتادوا عليه من عبادة الأصنام المجسمة حسب أفهامهم فأنزل الله: ﴿إن في خلق السموات والأرض..﴾ الآية فبين الله أن حصول الإيمان بالله إنما يكون في النظر والتدبر في المخلوقات، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وترك الإدراك إدراك. وأمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وهي معلومة ومقررة، وما وقع من الخلاف في العقائد أكثره من اتباع المتشابه.