اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا توجد معلومات واضحة حول المرة الأولى التي تم استخدام الملح فيها باعتباره مكونًا أساسيًا في الطعام أو كحافظًا له. من الواضح أن هناك بعض الحيوانات قامت بلعق بعض الصخور المالحة بطريقة عشوائية ومن هنا انجذبوا إليها، ويرى البعض أيضًا أن الأنسان البدائي قد لجأ إلى لعق بعض الصخور من أجل الحصول على طعم مالح، أو ربما اكتشفوا أن الأطعمة التي يغلفها الملح تكون محفوظة لمده أطول.
في الحقيقة إن استخدام الإنسان للملح قد يعود إلى أزمنة بعيدة جدًا، ويجب الإشارة إلى أن قديمًا أغلب الحضارات قد اعتبرت الملح من الأشياء الثمينة والجديرة باستخدامها في المعاملات الاقتصادية.
وفي أوروبا الوسطى هناك بعض المناجم التي تدل علي بدايات استخدام الملح منذ العصر الحديدي (ثقافه مدينه هالستات). من المُحتمل أن اكتشاف الملح جاء من خلال تسخين مياه البحر المالحة والحصول على ماده غير قابلة للتحلل أو من خلال استخراج صخور الهاليت. وفي العصر الحجري الحديث تم إنشاء بعض الطُرق التجارية التي تربط مختلف المناطق البعيدة التي تبحث عن الاستقرار، تلك الطُرق كانت مسؤولة عن توفير الطرق الآمنة للنقل البضائع بهدف تداولها بين الشعوب المختلفة، بعض هذه الطرق أصبحت فيما بعد طرقًا مُخصصة لنقل الملح مثل طريق الت سالستراب(يقع علي مسافه 100كم من ألمانيا)، والذي يربط بين مناجم الملح في لونيبورغ ولوبيك. هذه الطرق التي تم من خلالها نقل مختلف البضائع أصبحت في العصر الروماني من أهم الطرق التي يتم من خلالها نقل الملح من مراكز الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك، مثالًا على ذلك طريق ليغوريا في فرنسا وطريق ساليناي دي بيارن.
تم العثور لأول مرة على الملح عام 2000 ق.م في القارة الآسيوية في منطقه تشونغبا(Zhongba) في وسط الصين على أول نص وصفي يوثق طريقة استخراج الملح (غالبًا من المناجم)، وكذلك استخدامه في الطهي وحفظ الطعام. ودليلًا على ذلك تُوجد بعض الأواني المصنوعه من الخزف أو خزف المُستخدمه في تخزين ونقل الملح. لقد استخدم الصينيون الملح منذ زمن بعيد في الطهي وحفظ الطعام، ومن هنا انتشر استخدامه في جميع أنحاء آسيا، في صناعه بعض أنواع الصلصات والتي أصبحت من أهم السمات المميزة للمطبخ الآسيوي، حيث أصبحت الصين واحدة من أهم الدول المنتجة للملح في العالم في القرن الواحد والعشرين.
وفي عهد الإمبراطور الصيني هوان جي دي في عام 2670ق.م. تم توثيق أول استخدام للملح في الطعام. حيث كان أول اكتشاف له في الشمال، في إقليم شانسي المليء بالجبال والبحيرات المالحة. في الصيف بعد تبخر مياه تلك البحيرات يقوم سكان المنطقة بجمع بلورات الملح المتكونة على السطح. ومن أوائل عمليات استخراج الملح التي تعود إلى زمن سلاله شيا في سنة 800 ق.م. باستخدام الآلات الهيدروليكية أو المعروفة بـمضخات المياه. حيث يتم وضع المياه داخل أوانِ مصنوعة من االفخار الصيني ويتم تسخينها فوق الحطب ومن ثَم الحصول على بلورات الملح بعد تبخر المياه. وأيضًا يظهر في هذا الوقت في الصين أول استخدام للملح في مجال تصنيع الغذاء مثل: صلصة الصويا والمصنوعة من فول الصويا المُخمر وكذلك تم تصنيع صوص السمك والذي عُرف في وقت لاحق في مناطق البحر المتوسط، بدأت عملية تصنيع فول الصويا لأول مره في سنة 700ق.م. من قِبل الرهبان البوذيين القادمين من اليابان، وبعدنجاح هذه الصلصة تم الترويج لها كما استُخدمت مع أنواع أخرى من الخضروات وتُطبق عمليه مشابهة للطريقة المُتبعة في عمل فول الصويا مثل طريقه عمل الملفوف الصيني المخلل في مدينة زيجونج (المعروفة بمدينه الملح) وكذلك عمليه نخمير جذور الخردل. وهناك استخدامات أخرى للملح في الصين لحفظ بعض الأطعمة سريعة التلف مثل السمك والبيض، حيث يُعتبر البيض المحفوظ في الملح على الطريقة الصينية من الأطعمة التقليدية القديمة جدًا في الصين، وهذه الطريقة ساهمت في تسهيل عمليات التجارة والنقل هذه البضائع في المناطق الداخلية آنذاك.
خلال القرن الثالث ق.م. في محافظة سيشوان كان هناك رجل يدعى لى بينغ ،كان المهندس المسؤول في حقبة الممالك المتحاربة والذي استطاع وضع نظام لاستخراج الطين المالح من الآبار المالحة التي وصل عمقها إلى ما يقرب إلى 100متر ويتم ضخ الطين باستخدام أنابيب طويلة مصنوعة من خشب الخيزران، ثم وضعها في أواني معدنية ويتم تسخينها حتى الغليان وبعد عملية التبخير يتم الحصول علي بلورات غير مُتجانسة من الملح. وجدير بالذكر أن الحرارة المستخدمة في عملية التبخير تتم من خلال استعمال الغاز الطبيعي الذي يتم استخراجه أيضًا من الأبار المالحة أثناء استخراج الملح. ذلك الملح المُستخرج خلال عملية التعدين كان يُمثل دخلًا قتصاديًا هامًا في الدولة.
ومن جهه أخرى، تم العثور على بعض النصوص التي توضح فرض ضريبة على جميع عمليات بيع وشراء الملح. ويُسمى النص الأول الذي ذكر تلك الضرائب التجارية المفروضة اسم جوانزي , ونتيجة لتلك المعاملات انتشر احتكار الملح والذي استمر لمده 300 عام وبفضل هذه الضرائب تم تمويل جزء كبير من عمليه إنشاء سور الصين العظيم.
حيث اعتبر الملح في هذه الفترة من الأطعمة الفاخرة وليس بغريب أن نجده ضمن الوصفات المميزة في مآدب النبلاء من الطبقة الأرستقراطية، ومن هنا يتوقع ظهور أول هزازات للملح (ملاحات الطعام) على موائد الطعام. لقد استخدم المغول الملح منذ زمن سحيق، حيث كانوا يمتلكون العديد من البحيرات الملحيه في جميع أنحاء إمبراطوريتهم المُترامية الأطراف والتي تمد رعاياهم بالكميات الكافيه من الملح، في هذه المناطق يتم صناعة نوع من الشاي التقليدي المصنوع من صخور الملح المفتتة.
لقد لاقت الصلصات المصنوعه من السمك المملح رواجًا كبيرًا في الصين والفضل يرجع في ذلك إلى الملح ومن ثَم أصبحت لها شعبية كبيرة في مختلف الأكلات الآسيوية. فنجد في تايلند صلصة النام بلا، وفي الفلبين تُصنع صلصة الباجونجو ، وفي فيتنام صلصة النوك شام المُستخدمه في احتفالات أعياد الميلاد. هناك العديد من الصلصات المماثلة في طريقه تحضيرها وحازت علي نفس درجة شعبيتها مثل: عجينه الروبيان الأسيويه ، والتي تتم بنفس طريقه صلصة السمك. عندما وصلت قوات الاستعمار الفرنسية إلى فيتنام في القرن التاسع عشر وشاهدوا الشعب الفيتنامي يتناول النوك شام ادعوا أنهم يأكلون سمكًا فاسدًا، غافليين عن هذه التقاليد الساحلية المُشابهة في سواحل روما المطلة على البحر المتوسط.
أما عن المطبخ الياباني، عادةً لا يُسرفون في استخدامهم للملح ويرجع ذلك لصعوبة استخراجه، ومع ذلك يتم استخدامه في بعض الأنواع مثل التيمبورا والياكيتوري، كما يُستخدم في صناعة بعض المخللات التقليدية بجانب الطحالب. الشيوياكي هو طريقة يابانية لطهي السمك مع إضافة كمية وفيرة من الملح، وبهذه الطريقة فإن استخدام اليابنيين للملح يُعتبر مُلائم لإنتاجه المحلي، فطبيعة المناخ في اليابان تكون رطبة ولذلك فإن عمليه تبخير مياه البحر تقوم على التسخينة حيث أن الاعتماد على استخراج الملح فقط من خلال عملية التعدين غير فعال نظرًا لقله النشاط التعديني في هذه الجُزر.
وفي الهند تمتلك مخزون من الملح الصخري في ولاية بنجاب، ومع ذلك، فالهنود يفضلون تبخير مياه البحر عن طريق الشمس فضلًا عن الوسائل الأخرى المُتبعة. وفي الوقت الحاضر ظهر استخدام الملح بألوان مختلفة مثل الملح الأسود والذي يُعد سمة مميزة لهذه المنطقة. وهناك أيضًا مناطق أخرى مُنتجة للملح على سبيل المثال ولاية أوديشا، حيث يُوجد بعض مناجم الملح تُسمى كالاريس وتشتهر بإنتاجها العالي الجودة من الملح. وعندما وصل المستعمرون البريطانييون إلى الهند (والتي أصبحت فيما بعد مستعمرة بريطانية)، فقد استولوا على ولاية أوديشا وأسواق الملح وأصبحت حكرًا لهم، وسُرعان ما أصبح الملح رمزًا اقتصاديًا قويًا لبريطانيا في الهند، وحتى عام 1930 عندما قام غاندي باحتجاجه الشهير المعروف بـمسيرة الملح، مطالبين برفع الضرائب عن الملح وترتب على ذلك بعد عدة سنوات سقوط الاستعمار البريطاني في الهند.
تم العثور في صحاري مصر قديمًا علي بعض المومياوات المحفوظة في الرمال المالحة (تتكون من مزيج من الملح والنترون) والتي يعود تاريخها لعام3000ق.م. وهذا وإن دل على معرفة فوائد الملح في الحفظ قديمًا منذ عهد الفراعنة. ومع ذلك، يرى بعض المؤرخين أن قدماء المصريين قد اقتصر استخدامهم للملح فقط في عمليات التحنيط كمادة مجففة وخاصه في المراحل الأولى من إجرائها، كما عُرفت أيضاً استخدامات أخرى للملح في الطهي وفي الطقوس الدينية والمراسم الجنائزية، ومن الاستخدامات المعروفة للملح في الطهي هناك صلصة قوامها الملح والخل والثوم والتي استخدمها الرومان فيما بعد، كما استُخدم الملح في صناعة نوع من النبيذ المصنوع من الرمان.
يُعتبر قدماء المصريين أول من حفظوا اللحوم بالملح مُنتجين بذلك أول أنواع اللحم المقدد. وبذلك يعتقد البعض أنها من أوائل الثقافات التي عرفت اللحوم والأسماك النيلية المملحة، فهم أول من أعد البطارخ المملحة، وهو طبق شهير في المدن المطلة على البحر المتوسط. وهم أيضًا أول من تناولوا ثمار الزيتون المنقوعة في الماء والكثير من الملح. بلينيوس الأكبر في كتابة التاريخ الطبيعي يسرد فيه بعض التفاصيل عن كيفية اكتشاف الملك بطليموس الثاني الملح في بعض الصحاري القريبة من الفرما. ومن جهة أخرى، كان الفراعنة يحصلون على الملح من بعض الملاحات الشمسية القريبة من دلتا النيل، بالإضافة للتجارة القائمة بينهم وبين مدن البحر المتوسط لا سيما بين ليبيا وإثيوبيا. حيث تعددت أنواع الملح لدى المصريين القدماء مثل ملح الشمال والملح الأحمر المُستخرج من مدينة منفيس، حيث اشتهر الفراعنة بخبرتهم في تصدير المواد الغذائية مثل:العدس والقمح، ويرجع ذلك لاستخدامهم بعض التقنيات لحفظ الأطعمة مما ترتب عليه زيادة أنواع السلع الغذائية المصدرة مما يعود بالنفع أيضًا على التجار المصريين. وهذا هو سبب تفوق المصريين القدماء باعتبارهم أول من صدروا السمك المملح قديمًا، ونتيجة لاستهلاك المصريين الزائد للأطعمة المملحة جعلهم أيضًا مستوردين للملح مما عاد عليهم بمنافع اقتصادية كبيرة.
ولازالت هذ الطُرق التجارية موجودة حتى الآن ويتم استخدامها في نقل حاويات الملح مثل طرق يُسمى ازالاي وتعني باللغة المصرية القديمة (قوافل الملح)، وهذا الطريق الذي تمر بـالصحراء الكبرى، كان التجار ينقلون عبره كميات كبيرة من الملح بواسطة الجمال إلى العديد من المُدن المُطلة على البحر المتوسط وشمال أفريقيا، وفي عام 1960 تم تصدير عبر هذا الطريق ما يقرب من 15,000 طن من الملح.
في أوروبا كان الملح يُستخرج من مناجم هالين (وتعني الملح) وهي مدينة تقع بالقرب من سالزبورغ (ومعناها أيضًا مدينة الملح)، يُعد هذا من أوائل إسهامات أوروبا في تجارة الملح.
وتُعتبر شعوب الكلت من أوائل الثقافات في عصر الرومان التي عرفت استخدام الملح في الطهي وحفظ الطعام، بالإضافة لاستخدامه في صنع اللحوم المقددة. ونتيجة للزحف الروماني ولخضوع هذه الشعوب للحكم الروماني انتقلت لهم معرفة استخدام الملح إليهم تدريجيًا. ومنذ اللحظات الأولى في الإمبراطورية الرومانية أصدر الحُكام قوانين تثبت أحقية امتلاك كل فرد لحصة محددة من الملح (ومن هنا جاء مفهوم تحديد نسبة امتلاك الملح). العهد الروماني لم يقتصر فقط على تجارة الملح، خلافًا لما حدث في الصين في هذه الفترة، بل بالعكس ظهرت أهمية الملح عند الرومان في أنه غالبًا ما كانت تتوقف بناء بعض المدن الرومانية أو هجرها اعتمادًا علي قربها من مناجم الملح. وفي وقت لاحق تم تأسيس البنية التحتية لنقل وتجارة الملح في جميع أنحاء أوروبا، وبعض أسماء هذه الطُرق الهامة مرتبطة بأسماء أخرى للأنشطة التجارية المتعلقة بإنتاج وتجارة الملح مثل طريق فيا سالاريا. في هذا العصر كان الملح ضروريا جدًا بالنسبة للجنود والمُحاربين وكذلك الخيول، وفي بعض الأحيان كان الجنود يتقاضون رواتبهم ملحًا ومن هنا يأتي أصل كلمة سالاريو) بمعنى مُرتب، ومن جهة أخرى يرجع أصل كلمه محارب (سولدادو) في اللغة القشتالية أو الإسبانية تأتي من كلمة (سولد) الفرنسية والتي تعني يدفع. اشتغل الرومان بتجارة الملح عبر البحر المتوسط حيث قاموا بإنشاء الموانئ البحرية مثل الموجودة في أوستيا أنتيكا وأفسس في ميناء بأورمو وكذلك فالاسارنا واكيليا.
ومن عادات الرومان أنهم كانوا يضعون كميات كبيرة من الملح في الأطباق التي تحتوي على أنواع عديدة من الخضروات لتعزيز المذاق الحمضي لها ومن هنا يأتي أصل كلمة السلطة انسالادا، وعلى سبيل المثال كما أوضح كاتو الأكبر في كتابة عن الزراعة قال أن الملفوف يجب أن يؤكل مع الكثير من الملح. كما يُضاف الملح إلى النبيذ لعمل نوع من النبيذ المتبل يُسمى ديفروتوم. لقد كان استهلاك الرومان للملح مُرتفعًا حيث ذكر بلينيوس الأكبر أن معدل تناول الفرد للملح يُقدر بـ25 جرام يوميًا، مُضيفًا أن الطعام كان يُباع أيضًا في الأسواق مُمملحًا على الطريقة الرومانية، حيث تعلم الرومان من السلتين طريقه تمليح لحم الخنزير ومنتجات اللحوم الأخرى، وفقًا لِما جاء عن الجغرافي والرحالة سترابو أن لحم الخنزير المصنوع في أراضي السلت والقادم من المناطق القريبة من غابات بورغوني (منطقة فرنسية)، أحد أراضي السلتيين قديمًا، هو أفضل الأنواع عند الشعب الروماني. كما استورد الرومان لحم الخنزير المقدد من مناطق أخرى كانت قديمًا تابعة لشعب السلت مثل وستفاليا في ألمانيا. وكذلك الحال في بعض المناطق في إسبانيا التي كانت دائمًا ما تقوم بتمليح لحم الخنزير وخصوصًا الأنواع المحلية مثل الخنازير الإيبيرية. ومن جهة أخرى كان الرومان يستخدمون الملح كأسلوب انتقامي لتجريف الأراضي الزراعية لمنع الفلاحين من العودة للزراعة فيها مرة أُخرى.
ومن أنواع الخضروات الأخرى التي كان يتم تمليحها كان الزيتون، حيث كان النبلاء قديمًا يتناولون الزيتون المنقوع في محلول ملحي في بداية الطعام كفاتح للشهية على الرغم من أنه كان من الأطعمة المُنتشرة بين عامة الشعب. كما كان الناس يُطلقون على الأطعمة التي تحتوي على كمية كبيرة من الملح اسم المخللات، ومن بين تلك الأطعمة المُختارة نجد صلصة الجارو والتي تتكون من نوع من صلصلة السمك المملح بكمية وفيرة من الملح، ومن أجود أنواع الجارو هو السردين والذي يُصنع من البونيتو. وكانت صلصة الجارو وبعض مُشتقاتها تُستخدم كبديل للملح في الطعام، وفي هذه الفترة انتشرت صناعة هذا النوع من الأسماك المُملحة في جميع البلدان الساحلية المُطلة على البحر المتوسط. بالإضافة لدخولها في صناعة أربعة أنواع أخرى من الصلصات مثل:الموريتوم واليكوامين والليك والالموريا، ولكن المكونات الأساسية لهذه الأنواع وطريقة صنعها الصحيحة قد اندثرت على مدار السنين ولم يتبقي من معرفتها إلا القليل، ماعدا ما ورد في بعض السجلات المكتوبة، يرجع بعضها للطاهي الروماني ماركو جافيو ابيكو والتي أشارت إلى أن مناطق استخراج وتصنيع الملح كانت تُوجد بشكل عام بالقرب من مناطق صيد الأسماك.
ومن جهة أخرى فقد عثر الرومانيون أيضًا على مناجم للملح داخل أوروبا وتحديدًا في جرمانيا العليا، وكثير من هذه المناجم دُمرت أو أُغلقت بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية. وفي بعض الأحيان تم فتح بعض هذه المناجم التي تقع بالقرب من الأديرة ودخلت حيز الإنتاج في وقت لاحق من العصور الوسطى. وحدث ذلك في مناطق مثل جبال الألب في بافاريا والنمسا. ويمكننا مُلاحظة كيفية تقدم إنتاج الملح وأهميته في الشمال. عندما وصل إلى بريطانيا وكيف تم التفرغ لإنشاء الملاحات في مدينة نانتويش ومُدن وحصون ديفا بكتريس وستوك -أون-ترينت بالملح. وهناك العديد من المدن البريطانية والتي تنتهي أسمائها بكلمه (وتش)، ومعناها إثراء باللغة الأنجلوسكسونية، كانت مُدن مُنتجة للملح. ومدينة تشيشير تعتبر واحدة من تلك المدن البريطانية التي كان الملح شعارًا لها منذ العصر الروماني وحتى القرن التاسع عشر وقيام الثورة الصناعية.
تركت روما بعد سقوطها عددًا كبيرًا من الملاحات التي تحوي كميات ضخمة من ملح عالي الجودة على امتداد البحر المتوسط. من أكثر المدن إنتاجًا للملح كانت مدينة البندقية التي استمرت حتى القرن الثالث عشر وتلتها مدينة جنوة. والطريقة المُتبعة حاليًا في تبخير مياه البحر ببطء في أحواض مُتتالية بفعل ثأتير أشعة الشمس والرياح قد لاقت نجاحًا كبيرًا في القرن السادس، ومن ثم زاد إنتاج الملح وسرعان ما بدأت التجارة فيه بكمات كبيرة مع بعض الموانئ الأخرى.
ومن جهة أخرى اشتهرت بعض المدن بإتقانها لبعض المنتجات الغذائية التي يكون الملح عُنصرًا أساسيًا فيها، مثل لحم الخنزير المصنوع في مدينة بارما ولحم الهام الإسباني ولحم الخنزير البايوني في مدينة بايونا، الجبن (الفرق بين الجبنه الطازجة والجبنة المحفوظ هو كمية الملح المُضافة)، وأيضًا النقانق مثل السلامي (وكلمة السلامي هنا تأتي من الكلمة اللاتينية ملح) بالإضافة مخلل الملفوف والأزلسي.
منطقة ريشينهول (تقع في ولاية بافاريا بألمانيا) كانت هي أكبر مركز تجاري للملح قد تم تدميره بالكامل من قِبل أتيلا الهوني، ولكن في العصور الوسطى استعاد قوته مرة أخرى بل وأصبح مُنافسًا قويًا لـيرشتسجادن أكبر منطقة للتعدين آنذلك، حيث أصبح الملح عنصر قوة أساسي في أوروبا حتى عام 1600. وفي مملكة المجر كانت عائدات الملح حكرًا فقط للملك، حيث طُبق ذلك منذ عهد الملك ستيفن الأول ملك المجر (997-1038). وعندما نظم الجيش الملكي في المجر مسيرة احتجاج ضد القائد أخيتوني، أحد القادة المحليين بإيعاز من الملك لأنه كما تروي كتب الناريخ لم يكن مُلتزمًا دينيًا، لم يستجيب للقوة الملكية وقام باحتلال المناجم التابعة للملك استيفان.
وحالياً في مدينتي زيجيد وزولنوك يوُجد اثنان من أهم مراكز التخزين في ذلك الوقت حيث كان يُنقل إليها الملح الذي تم تجميعه عبر الطريق النهري من منطقة ماروس في منطقة ترانسلفانيا، والتي تقع حاليًا في غرب رومانيا. وطبقًا لبعض المصادر التاريخية قيل أنه في العصور الوسطى كان هُناك الكثير من التجار الرومان والأترك الذين يُبحرون عبر نهر تيسا باستمرار حاملين إلى بلادهم بضائع من الملح الذي جلبوه من أراضي المجر. وبسبب فرض الضرائب الباهظة على المواطنين، قام الناس في بعض المناطق في مدينة توسكانا بعمل الخبز بدون ملح ويُسمي هذا النوع (سيوكو)، وذلك منذ عام 1100 ولا زال موجود حتى الآن.
سيطرت دولة المرابطين على أغلب أرض الجزيرة الإيبيرية، وكان الملح مِن أهم معادن البلاد التي سيطر عليها المرابطون في أفريقيا، وكان يصدر على شكل ألواح مقطوعة تحملُها الجمال إلى بلاد السودان وغانا، وكان الحمل الواحد يُباع بعشرة مثاقيل مِن الذهب، وكان للملح أهمية في الحياة الاقتصادية، حيث كان يقطع قطعًا صغيرة يقايضون به كالذهب والفضة. وهناك منطقة كاردونا وهي واحدة من أهم مراكز إنتاج الملح في شبه الجزيرة الأيبيرية خلال العصور الوسطى، حيث زود ميناء برشلونة على مدار قرون بالملح بالإضافة لمناطق عديدة في أوروبا، وعلى وجه الخصوص ميناء جنوة. وبمرور الوقت أصبح ميناء جنوة منافسًا لميناء البندقية، حيث كانوا روادًا في مجال التأمين البحري ويمتلكون قوارب كبيرة، كما تمكن بعضهم من عبور المحيط الأطلسي. ونتيجة لهذه المنافسة القائمة بينهم اندلعت حرب كيودجا (1376-1381) والتي ضمن أسبابها تجارة الملح في أوروبا، وانتهت أخيرًا بهيمنة ميناء البندقية على تجارة الملح في القرن الرابع عشر. مملكة بوهيميا (تقع في منطقة سيليزيا تحديدًا) من أجل التخلص من تبعيتها لبولندا بسبب الملح، دعّم الملك فرديناند الأول عام 1563 إنشاء مدينة جديدة قادرة على الإتجار في الملح، كانت المستوطنة الجديدة تُسمى (مدينة الملح الجديدة) أو (Zum Neuen Saltze) بالألمانية وفي الحاضر هي مدينة نوا سول.
بدأت الأمم المتحدة في الشمال التجارة بالملح بسبب الحاجة لحفظ الأطعمة خاصة الأسماك، ومنها إيرلندا، في عقد التبادل التجاري بينها وبين ميناء كرواسيك في فرنسا. في بعض الحالات كان الملح يُستخدم في حفظ الأطعمة سريعة التلف مثل الزبد وبهذه الطريقة نتجنب تغير طعمها، وهناك أيضًا بعض المنتجات الغذائية في الوقت الحاضر مثل لحم بقر محفوظ في الملح الذي استمر بفضل هذه الطريقة حتى الآن. وسرعان ما عُرفت طريقة تمليح الأسماك والتي سهلت على البحارة السفر إلى مناطق بعيدة. ومعرفة هذه الطريقة تطورت أكثر في فترة الاستعمار الأوروبي حتى يتمكنوا من الحفاظ على الطعام في حالة جيدة أطول فترة مُمكنة.
في مطلع القرن السادس عشر ذاع صيت بعض النحاتين مثل بنفينوتو سيليني الذي اشتهر بتصميمه لبعض هزازات الملح المصنوعة من الذهب وبها بعض النقوشات لإله البحار نبتون. كان أغلب إنتاج الملح القادم من وسط أوروبا تحت تصرف آل هابسبورغ الذين كانوا يسيطرون على أغلبية المناجم هناك وبذلك أصبحوا محتكرين لتجارة الملح آنذاك. وهناك بعض المناجم التي خُصص إنتاجها لتزويد المناطق الفقيرة بالملح كما هو الحال في بولندا في مناجم جبال ويليكزيكا (القريبة من بوهيميا). وفي منطقة ألزاس يحظى الملفوف المملح بشعبية كبيرة امتدت إلى بولندا (البيجوهو الطبق الشعبي في بولندا ويتكون من الملفوف المخلل واللحم) ووصل أيضاً إلى روسيا. وفي ليتوانا هناك طريقة مقدسة لحفظ وحماية الخضروات بالملح، هذه الطريقة المميزة تُسمى (""Roguszys)أو روجوسيز.
وفي القرن السابع عشر حظيت الأنشوجة بشعبية كبيرة جدًا في إنجلترا حيث استخدموها مفتتة مثل البهارات لعمل نوع معين من الصلصة، حيث أن الأنشوجة المملحة لاقت رواجًا كبيرة في أوروبا، وكان هذا النوع من الصلصة معروف قديمًا باسم katchp أو catchup (الكاتشب). وتأتي كلمة (كاتشب) مُستهمدة من اسم الصلصة المصنوعة من السمك وفول الصويا وتُسمى كيكب ايكان، وهو اسم لبعض الصلصات الإندونيسية تحمل نفس الاسم صلصة الصويا (وهي تًنطق في إندونسيا ككلمة كاتشب). هذه الصلصة كانت تُستخدم في المطبخ الإنجليزي منذ القرن السابع عشر وقبل ذلك كانت بالفعل موجودة أيضًا في مدن البحر المتوسط المعروفة باسم صلصة الجارو . وفي الولايات المتحدة تغيرت صلصة الكاتشب الإنجليزية وبعد إضافة صلصة الطماطم إليها، وبمرور الوقت تحولت تدريجيًا من كونها صلصة مالحة إلى صلصة مُختلفة تمامًا ذات مذاق لاذع أو شبة حلو.
أدت الضرائب التي فرضها النظام الفرنسي القديم على الملح والمعروفة باسم الجباية إلى انتشار أعمال الشغب والتمرد في جميع أنحاء البلاد. وهذه الضريبة كانت تنُص على أن كل شخص يبلغ عمره ما فوق الثمانية أعوام عليه أن يدفع مسبقًا قيمة استهلاك سبعة كيلوجرامات من الملح طبقًا لما حدده الملك. وأطلقوا على هذه الضريبة (الملح الواجب)، حيث يعود تاريخ الملاحات الملكية ارك اى سينانس . وفي عام 1790، أعلن المجلس القومي أن ضريبة الملح هذه "مبغوضة" لدى الشعب وألغوا تطبيقها. ولكن بعد سنوات لاحقة رجع نابليون بونابرت وأعاد فرضها.
وفي أماكن مختلفة من العالم انتشر الحديث عن الملح، وعلى سبيل المثال في إسبانيا ألّف الكاتب والمؤرخ برناردينو جوميز مياديس عام 1579 كتاب من ثلاثه أجزاء يُسمى (Comentarios acerca de la sal) أو (آراء حول الملح). هذا الكتاب يدور حول نقاش أو خطاب بين مجموعة من الشخصيات الخيالية مثل كينتانا (الذي يستهلك كثير من الملح) ومتروفيلو (معارضًا لاستخدام الملح) موضحاً للقارئ الشكوك وا الآراء المختلفة عن تناوله.
وفي أوروبا قام بعض الكيميائيين مثل جون رودولف غلوبير بمعالجة الملح وتكريره لدرجة نقاء عالية، وأطلقوا عليه اسم الملح النقي، وبهذه التركيبة السرية استطاع أن يبيعه مما عاد عليه بالكثير من الربح. في إسبانيا ما بين عام 1631 و1634 اندلعت في مقاطعة بيسكاس العديد من أعمال الشغب المعروفة ب(تمرد الملح)، وكان سبب هذه الثورة هو صراع اقتصادي بسبب زيادة أسعار الملح المخزون في المقاطعة.