اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ارتدت رسالة ابن فضلان أهمية خاصة، لا سيما أنها تضيء مرحلة غامضة لتاريخ بعض الشعوب كروسيا وبلغاريا والبلاد الاسكندنافية، أي في الفترة التي بدأت تتعرف بها على المسيحية، ولا يزال قسم منها على الديانة الوثنية، وغارقاً في التقاليد القديمة، فابن فضلان -كما يشير إلى ذلك كراتشكوفسكي قدَّم لنا صورة حية للظروف السياسية في العالم الإسلامي، والعلاقات بين بلاد الإسلام والبلاد المتاخمة لها في آسيا الوسطى، والأصقاع النائية التي كانت تمثل أطراف العالم المتمدن آنذاك مثل حوض نهرالفولغا، وتحفل رسالته بمادة إثنوغرافية قيّمة جداً ومتنوعة بصورة فريدة وهي تمسُّ عدداً من القبائل التركية البدوية القاطنة في اسيا الوسطى، وعدداً من الشعوب التي كانت تلعب دوراً سياسياً في تاريخ أوروبا الشرقية، كالبلغار والروس والخزر ولقد اصبحت رسالة ابن فضلان مصدراً من أهم المصادر عن تاريخ الأقطار التي زارها وعن صورتها الجغرافية وحيا السكان الاجتماعية ولا تزال تدرس في كل المدارس الروسية ويتحدث “أندريه ميكيل” عن فضل ابن فضلان على تاريخ روسيا، بقوله: “وقد جمع في رحلته جملة معلومات نادرة عن هذه الأمة الغامضة جداً والنائية” ويمكن القول: أن ابن فضلان قد كتب وثيقة استثنائية لا تتعلق بالبلغار وحدهم، بل بالخوارزميين والغز والبجناك والجفرد، بالإضافة إلى بعض المعلومات عن الروس والخزر، وإن كان العمل يتركز على البلغار، أو الصقالبة على حد تسمية ابن فضلان لهم ولقد حافظت الرسالة على قيمتها بالنسبة لتاريخ الروس وبلغار الفولغا إلى الآن. ولقد ارتبطت تلك الرحلة منذ البداية بمهمة سياسية عليا للخلافة العباسية في بغداد، التي بقيت محافظة على هيبتها الكبرى في العالم الخارجي، وعلى مهابتها الروحية داخل دار الإسلام، رغم انحسار نفوذها السياسي في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وهذا يفسر كثرة الوفود التي قصدت بغداد لعقد الصلات والتحالفات ولإظهار الولاء. من هنا نفهم قدوم وفد من الصقالبة البلغار، وهم من سكان شمال أوروبا على أطراف نهر الفولغا وعاصمتها على مقربة من قازان الحالية، طالبين العون من الخليفة المقتدر بالله في المجالين السياسي والديني