English  

كتب اهداف العمليات

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الهدف من العمل (معلومة)


يرى البعض أن الهدف الأساسي هو الإضحاك. لم يسعَ كيفيدو إلى سرد أحداث بعينها أو إدانة سلوكيات أخلاقية تستحق في نهاية المطاف العقاب، إنما يقصد في المقام الأول إضحاك الآخرين من خلالها.

تبقى العديد من الأفعال السيئة في الرواية دون عقاب؛ ولا يوجد إقحامات تحمل مغزى أخلاقي عدا العبرة النهائية: "لا يغير شخص حاله بتغيير المكان، بل بتغيير حياته وعاداته".

هكذا وبشكل رئيسي يسعى الكاتب لتجسيد فكرة استحالة الارتقاء الاجتماعي لهؤلاء الذين لا يتخلون عن الأخلاق الذميمة. بابلوس يريد الارتقاء اجتماعيا ليصل إلى "أعلى طبقة"، وهو ما قاله لدون دييغو: "ما يهمني هو الوصول إلى أعلى طبقة والحصول على نفوذ أكبر"، إن ما يريده بابلوس هو محو أصوله والتجرد من عار أقاربه. ففي رسالته إلى عمه الجلاد يحذره قائلاً: "لا تسأل عني، أو عن اسمي، لأن ما يهمني هو التبرؤ من الدم الذي يجمعنا".

باءت جميع محاولاته بالفشل؛ حيث ينتحل البطل أو غيره شخصية أخرى كفارس أو رجل غني فإن العقاب يكون النتيجة. ومن هنا يتفق النقاد على أن كيفيدو يسعى لإبراز الحقد الطبقي في روايته هذه.

ينطلق الكاتب من عقليته النبيلة في الحكم على رغبة الطبقات الدنيا في الارتقاء. "كيفيدو لم يضع نفسه مطلقا مكان دون بابلوس، وتنطوي نواياه كمؤلف على رفض الترقي الاجتماعي، كان لديه باختصار منظور الطبقة الهمجية" (د.يندوراين).

يقدم ليونار تايانو كامبو بيرديه Leonor Taiano Campoverde وخوسيه ساريث أماديه José Sarzi Amade مبرراً لتأليف الرواية حيث يريان أنها تعكس في الواقع الأزمة التي أصابت المجتمع الإقطاعي الذي ساد أوروبا لقرون وجعلته يتحوّل إلى نظام تجاري واقتصادي، واستعرض المؤلف هذا الانسلاخ التام بصورة ساخرة رسمها للمجتمع.

ينتمي فرانثيسكو دي كيفيدو لعائلة أرستقراطية النسب، وعُرِف أولئك الأرستقراطين منذ عصور قديمة بدفاعهم عن الهوية المسيحية لإسبانيا. ومن الجدير بالذكر، أن إسبانيا منذ ذلك الوقت كانت تحت حكم المسيحية ولذلك اُعتبِر المسلمون واليهود سكانا غير أصليين لها.

كان المجتمع الإسباني مقسّم إلى طبقات، بحيث يكون لكل طبقة مجموعة من الصفات والخصائص يتوارثها أفرادها جيلا بعد جيل، فهي التي تحدد مصير الفرد، وتجعله ينتمي لطبقة معينة دون غيرها، وهي كذلك التي ستبقى في دمه، أي أن النبالة والشرف والفلاحة والكدح هي صفات مورّثة بالدم لا يمكن تغييرها.

وبعد انهيار النظام الإقطاعي بدأت التغيرات تداهم المجتمع الإسباني، وفي هذه الأثناء كان كيفيدو ينتمي لجماعة تتمسك بقوة بالطبقيّة، ورفض الكثير مما حدث في القرن السابع عشر، وشكّل اقتراب اليهود المُنَصَّرين البرجوازيين، القادمين من البرتغال، من العرش الملكي في فترة حكم الملك فيليب الثالث وفيليب الرابع، بالنسبة له الخطر الأعظم الذي يهدد التركيب الطبقي للمجتمع وبالتالي يصبح تهديداً لمكانته المرموقة وللامتيازات التي كان يحصل عليها هو وعائلتُه كطبقة نبيلة.

ومما أثار قلق كيفيدو أكثر أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل قام بعض أولئك البرجوازيين الذين كانوا من اليهود المُنَصَّرين بشراء أوراق مُزيّفة تثبت أن حاملها ينتمي لعائلة أرستقراطية عريقة. وبهذه الإثباتات المزيفة حصل "أصحاب الدم الملوّث" على كل الامتيازات التي كانت مخصصة فقط للطبقة النبيلة في القرون الوسطى؛ كالتعليم ودخول الجامعات والقدرة على أن يصبحوا رجال دين أو على الالتحاق برُهبانية الفرسان، وهي تنظيم من القساوسة والرهبان للقتال في سبيل المسيح.

ونجد تدخّل اليهود بعد تنصرهم في العرش الملكي الإسباني وتطفلهم على شؤون الدولة في الرواية حيث يتجسد في بعض الشخوص كالمستثمر، ومعلم المبارزة، والجندي.. كما أن هذه الشخوص تُظهِر ما آل إليه الحال بعد أن انهارت الطبقية التي كانت مبنية على أساس الصفات الموروثة والمورّثة، وبيّنت حالة الفوضى التي عمّت المجتمع؛ وصار يسمح لأصحاب الدماء الملوثة بالاقتراب من العرش وهو ما كان مقتصراً فقط على أصحاب الدماء النقيّة، وأصبح الآن من حاشية الملك وخاصته وإن كانت دماؤه ملوثة ولم يكن ليصل لولا ماله.

وعائلة كورونيل هي خير مثال نجده في الرواية على ذلك، لكن في الحقيقة "كورونيل" هو اسم عائلة ابراهام سنيور الذي كان من الأحبار اليهود في شيقوبية وصديقا مقربا للملكة الكاثوليكية ايزابيل. فعندما صدر قرار طرد اليهود عام 1492 اقترحتْ عليه أن يعتنق المسيحية ففعل، وتنصّر وأصبح اسم عائلته كورونيل، وانحدر منها شخصيات مؤثرة من علماء لاهوت، وإراسموسيين -التابعين للفيلسوف الهولندي رائد حركة الأنسنة ديسوريس إراسموس-، كأنطونيو ولويس نونيز كورونيل، بالإضافة لبابلو كورونيل الذي كان متخصصاً في دراسة التلمود ومترجماً للكتاب المقدس المكتوب بعدة لغات والذي وُجِد أول مرة في جامعة كومبلوتنسي في مدريد. وكومبلوتنسي كلمة لاتينية Complutensis وهي اسم لبلدة قرب مدريد تأسست بها هذه الجامعة تسمى ألكالا دي إيناريس.

ولكن في الحقيقة لم تكن عائلة كورونيل في الرواية كما هي عائلة ابراهام سنيور اليهودية على أرض الواقع، بل كانوا رغم جبنهم وتخوّفهم على حياتهم، يسعون جاهدين بكل الوسائل المشروعة والغير مشروعة للوصول لغاياتهم. لا شك أنهم اجتاحوا المجتمع بأموالهم لكنهم لا شك أيضا كانت تعوزهم كل معاني الشرف والنبالة، ممتلئين بكل ما يمثل الخسة والدناءة، وهذا بالنسبة لكيفيدوهو التركيب الجيني الذي يحمله كل يهودي.

كما أن عائلة كورونيل ليست المثال الوحيد في الرواية الذي حاكى واقع النبالة المزيفة التي انتشرت آنذاك، ففي مقدمة العمل تحدّث كيفيدو عن السيد دون توريبيو الذي كان أرستقراطياً مفلساً، ثم تبيّنَ أن لا أصل له ولا نسب حيث قال: "ما يجب أن تعرفه أولا، أنه في البلاط الملكي هناك الأشد غباء والأكثر حكمة، الأشدّ فقرا والأكثرُ غنىً، هناك في البلاط الملكي ترى النهاية القصوى من كل شيء حيث يسيطر الرياء، وهناك أيضا نوع من الناس مثلي، لا أصل له ولا عائلة ولا يملك شيئا".

ورغم صرامة القوانين التي كانت تسمح بالالتحاق بصفوف جيش الكنيسة "رهبانية الفرسان" والتشدد في اختيار رجال الكهنوت، إلا أن الأوضاع ساءت كثيرا في ظل المجتمع الجديد، الأمر الذي دعى محاكم التفتيش لبدء عمليات تحقيق حول القساوسة الكاثوليك بسبب الشكوك المثارة حولهم لاحتفاظهم باليهودية سرا والتظاهر بالانتماء للمسيحية علنا.

أصبح اليهود المُنَصَّرين الآن يشغلون أهم المراتب في المجتمع، هذا ما أتاحتهُ لهم أموالهم وهذا ما يسمح به المجتمع البرجوازي الحديث وهذا ما أصبح عليه الحال بعد سيطرة المادة على الناس، فتشوّهت المسيحية، وأخذ يحكم باسمها من لا يملك أدنى معرفة بها، وكيفيدو جسّد لنا هذا كله من خلال شخصيتين من شخوص روايته: دومينيه دي كابرا ورجل الدين الشاعر. أما دومينيه دي كابرا فهو يمثّل نظرة المجتمع الإسباني لليهود في ذلك الوقت؛ تلك الفئة السيئة، الكاذبة والخبيثة التي لم يكن انتماؤها للمسيحية سوى قشرة خارجية، رداءً تستبدله وتغيره حين تفرغ منه، تتلون كالحرباء بكل الألوان لخدمة مصالحها. فمثلا اليهودية تحرّم أكل لحم الخنزير ومع ذلك، قام دومينيه هذا بوضع الدهن في طبقه لأنه كان برفقة بعض المسيحيين، حتى لا يشككوا بأمره، فهو يحمل اسم عائلة يهودية ويتصرف مثلهم تماما. أما رجل الدين الشاعر ذلك فقد كان يهوديا، ولم يصبح من رجال الدين إلا حين اعتنق المسيحية. كان كيفيدو يستنكر من خلال هذه الشخصية أحوال المجتمع الذي يتيح المال فيه كل شيء، فكما تمكّن الكثير من شراء النبالة والشرف، تمكّن غيرهم من شراء المراتب المهمة والحساسة في المجتمع وإن لم يكن أهلا لها. ومن خلال هذه الشخصية عرض المؤلف ما كان يحدث بأسلوبٍ ساخر، حيث قام هذا الراهب بكتابة أبياتٍ شعرية بقصد إرسالها ل"كوربوس كريستيه" ظانا من جهله أنه قديس، رغم أن الراهب الحقيقي الداري بالمسيحية وأركانه الرئيسة؛ يعلم يقيناً أن هذا احتفال مهم جدا يُقام إجلالا لدم وجسد المسيح!!

وظف مؤلف الرواية الشاطرية لمهاجمة تلك الطبقة البرجوازية وانتقادها، وهي الطبقة التي أحدثها اليهود المُنَصَّرين على أنقاض النظام الإقطاعي. فشخصية العمل الرئيسية "دون بابلوس" تكشف لنا كيف أن الصعلوك والبرجوازي هما وجهان لعملة واحدة! الأمر الوحيد الذي يختلف بينهما هو المستوى المعيشي لكل منهما. إن الهدف الأساسي من الرواية هو توضيح التحول الذي أصاب المجتمع الإسباني في القرن السابع عشر والذي كان بمثابة اللعنة التي حلّت لتقلبه رأسا على عقب!

وفي الواقع فإن الكثير من أعمال كيفيدو تنتقد هذا المجتمع الجديد الذي يسطو فيه المال على كل شيء، وهو يراه يتكون من فئتين فقط: الأولى هم صعاليك محظوظون والثانية هم أيضا صعاليك ولكن عاثرو الحظ معدمين.

وبهذا فإن رواية الصعلوك تُعَدُّ شهادة حقيقية على لسانِ أرستقراطي نبيل عاش كل ما حصل وها هو يتكلم عنه من وجهةِ نظره؛ فبالنسبة لكيفيدو أصبح النظام الذي يسود المجتمع نظاما استُبدلَ فيه الدهاء والخديعة بالقيم الرفيعة والأخلاق النبيلة، وكان اليهود المُنَصَّرين هم الذين وظّفهم كيفيدو في عدة شخوص لتوضيح ما كان يحدث وأولها الشخصية الرئيسية "دون بابلوس" الذي تكشفْ لنا مغامراته الكثير.

وبالإضافة لما سبق، فإن هذا العمل يلقي الضوء على العلاقة السياسية التي كانت بين كيفيدو والسُلطة، فهو لم يطمئن أبدا للظروف السياسية الاجتماعية الجديدة ولم يأمن جانبها، حيث تحدّثت الرواية عن هذه العلاقة من خلال الإعفاءات والتمثيلات التجارية والاستثمار. وأخيرا، فإن حياة المغامر"دون بابلوس" في مجتمع يعجُّ بالفساد من كل حدب وصوب، ينتحل فيه كل واحد هوية بعيدة كل البعد عن حقيقته هي في الواقع دلالة على فساد الطبقة البرجوازية التي نشأت بشكل أساسي من اليهود المُنصَّرين!

المصدر: wikipedia.org